صابرون – محمد إسماعيل

نَمْشِي فِي دُرُوبٍ مُغْلَقَةٍ،
كَأَنَّ الْقُلُوبَ الَّتِي نَحْمِلُهَا غُرَفٌ مُظْلِمَةٌ،
تَنَاسَاهَا ضِيَاءُ النُّورِ.
نَمْتَلِئُ بِالْهَمْسِ وَالْأَنِينِ،
نَتَوَكَّأُ عَلَى جِرَاحِنَا بَدَلَ الْعَصِيِّ،
لَا أَحَدَ يَسْمَعُنَا، وَكَأَنَّنَا خُرْسَاءُ،
لَكِنَّنَا سَنَظَلُّ صَابِرِينَ.
كَمْ مِنَ الْأَسْرَارِ خَبَّأْنَاهَا،
وَكَمْ مِنَ الْجِرَاحِ احْتَمَلْنَاهَا،
أَتُرَانَا صِرْنَا غُرَبَاءَ حَتَّى فِي أَنْفُسِنَا؟
لَكِنَّنَا حِينَ أَرَدْنَا أَنْ نَشْكُو،
لَمْ نَجِدْ سِوَاكَ يَا رَبُّ،
فَأَنْتَ مَلَاذُ الصَّامِتِينَ.
لَمْ نَجِدْ صَدْرًا يَأْوِينَا،
فَالصَّمْتُ صَارَ قَدَرًا،
وَالسُّؤَالُ فَقَطْ لِلْغَافِلِينَ.
أَعَزُّ النَّاسِ مِنْ حَوْلِنَا،
ظَنَنَّاهُمْ بَلْسَمًا لِلْجِرَاحِ،
مَدَدْنَا إِلَيْهِمْ أَيْدِينَا،
رَجَوْنَا مِنْهُمْ شِفَاءً يُبَدِّدُ أَوْجَاعَنَا،
لَكِنَّهُمْ بَاعُونَا فِي سُوقٍ رَخِيصٍ،
وَلَمْ يَلْتَفِتُوا لِدُمُوعِنَا الْمُكَدسة عَلَى الْأَرْصِفَةِ.
أَصْعَبُ الْخِيَانَةِ أَنْ تَأْتِي مِنْ أَيْدٍ ظَنَنَّاهَا أَمَانًا.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَازِلْنَا صَابِرِينَ.
وَرَغْمَ مَرَارَةِ الطَّرِيقِ،
وَرَغْمَ ضَيَاعِ السَّنَدِ،
مَا زِلْنَا وَاقِفِينَ…
نَحْمِلُ عَلَى أَكْتَافِنَا أَثْقَالَ السِّنِينَ.
الصَّبْرُ لَيْسَ ضُعْفًا، بَلْ قُوَّةُ الرُّوحِ حِينَ تَعْجَزُ الْأَجْسَادُ.
ثُمَّ نَمْضِي بِخُطًى مُثْقَلَةٍ،
نَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى تَاهَ فِي الزِّحَامِ،
وَنُرَدِّدُ فِي أَعْمَاقِنَا تَرْنِيمَةَ الصَّبْرِ:
كُنَّا وَمَا زِلْنَا وَسَنَظَلُّ صَابِرينَ… صَابِرينَ.




