أنا التي بقيت – أماني الوزير

حين يتدلّى النور على كتفيّ كهمسة أمٍّ لا تتعجّل،
ألمسُ وجوه نفسي واحدةً واحدة،
وأختار تلك التي تتنفّس هادئةً،
ولو كانت متعبةً من الليلة الماضية.
في ساعاتٍ ناعمةٍ كهذه،
لا أطلب مجدًا في المرآة،
أكتفي بطمأنينةٍ خفيفةٍ تُسند رمشي،
وبشفاهٍ تعرف أن الرضا زينةٌ أعمق من لونٍ عابر.
وفي لحظاتٍ صادقة،
أسأل قلبي: أيّ اسم أحمله اليوم؟
العائدة من تعب؟
الحافظة للنجاة؟
أم تلك التي لا تنحني؟
ثم أهمس لنفسي…
أنا التي بقيت.
وحين يجلس قلبي وروحي وجسدي على المقعد ذاته،
أسمع موسيقى لا يسمعها غيري،
عزفًا يستعيدني بلا تصفيق،
ويذكّرني أن كل ما يطفئني… لا مكان له في مداري.
لم أعرف كل شيء،
لكنني جرّبت الانكسار في ليالٍ بلا دفء،
وعرفت كيف يأتي بصوتٍ خافتٍ ويُقيم طويلًا،
وكيف يخرج في الصباح ويترك النافذة مفتوحة
كأنه سيعود يومًا ما… ثم لا يفعل.
وتعلّمت أن جرحًا لا يبرأ حين ألوّح له بالثأر،
وأن يدًا ترتفع للردّ
تعود ثقيلة على صاحبها قبل خصمه.
وأدركت أن العفو
ليس سكوتًا ولا ضعفًا،
بل قلبٌ عرف الألم
ثم قرّر أن لا يحمل حجرًا إضافيًا في صدره.
وفهمت أن الرحيل
ليس خطوة نحو الباب،
بل لحظةٌ يتوقف فيها الحنين عن ترتيب الطاولة تحسبا لعودة ما.
أما التعافي،
فهو ضيفٌ بلا موعد،
يدخل من شقّ صغيرٍ في القلب
ويزرع نبتة،
فنفيق يومًا ونجد الأوراق قد أخضرت
من دون أن نعرف متى… و هذا هو الجيد في الأمر.
وتعلّمت أن محبّة الذات
لا تحتاج احتفالًا ولا وعدًا مرجلًا،
يكفي كوب ماءٍ مبكّر في الصباح،
ونومٌ بلا عتاب، على وسادة خالية من الفوضى.
وأغنية أخفّ من الوجع
نحرك أكتافنا عليها بخفةٍ
حتى يعود الجسد إلى صفائه الأول.
ومن جسدي تذوّقت الصبر، وتعلمت الإدمان على الألم..
وأيقنت أن قدميّ إذا تعبتا
يخفت صوت روحي أيضًا.
ومن عقلي عرفت أن اليقين بذرة،
يومًا ما كانت فكرة مرتجفة
ثم استوت بيد الخالق.
ومن روحي عرفت أنها لا تُرى،
لكنها تجمعني من الحواف
كلما شعرت أنني أتلاشى.
ومن الدنيا علمت أن الطيبة ليست سذاجة،
بل شجاعةٌ ثقيلة،
وأن الورد ينمو في الأماكن التي ما توقّعها أحد.
أما أنا،
فلديَّ نزواتٌ صغيرة تُبهجني،
سهواتٌ أغفرها لنفسي،
وأمنياتٌ أضع فوقها صبرًا طويلاً،
لا يروقني الشاي،
ولا أطمئن لعيونٍ كالقطط لا تعرف الابتسام الا بمكرٍ لا يُرى.
وأما ،
فهو نافذة تُفتح ببطء،
يُطلّ منها قمرٌ خجول،
يذكّرني أن لكلّ روح مدارًا و كواكب ونجوم،
وأن الضوء لا يفسح مكانًا
إلّا لمن يقتنع أن الإنسانية لا تعمل بدوام كاملًا.
إلا لمن يستحق حلاوتها.



