مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
النثر الفني

مَرْثِيَةُ أُمِّي (نُورُ السَّمَاءِ) – عبد القادر بوطالب

رسم توضيحي لرجل يرتدي قميص أبيض، مع نظارات، يتحدث مشيرًا بيديه.

ما كانَتْ أُمِّي تُسَمَّى فَاطِمةٌ،

وَمَا كانَ اسْمُها كَكُلِّ الْفَوَاطِمِ يُكْتَبُ

كانَتْ فَاطِنَةٌ، وَكانَ اسْمُها فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَاطِنٌ.

كانَتْ فَاطِنَةٌ

آيَةٌ فيِ سَطْرٍ

وَسَطْرٌ مِنْ آيَةٍ

وَرُبَّ آيَةٍ كُتِبَتْ سَطْرًا، كانَتْ نُورَا.

وَكَمْ مِنْ سَطْرٍ أَضَاءَ صُدورًا ودِيارًا

كُنْتِ الآيَةَ وَالسَّطْرَ

فَاضَ قَلْبُكِ، وَحَلتْ فيكِ رَوْحُ الْجِيلانِي

وَسُطِّرَ فِي الْخُلْدِ الاسْمُ الَّذِي كُنْتِ تُحِبِّينَ

تَعَلَّمْتُ الْحُرُوفَ كُلَّها

عَلَّمْتِنِي.

وَمَا تَعَلَّمْت إِلا سَطْرًا

وَوَهَبْتِنِي مَدَدًا وَرَوْحًا

ثُمَّ رَحَلْتِ.

يا فَاطِنَةَ الْفَاطِنَاتْ، مَهْلًا.

هَائِمٌ أَنَا بَيْنَ السُّطُور

بَيْنَ الْغُدُوِّ وَالْعَشِيِّ

هَائِمٌ أَنَا عَلَى ضِفَافِ السَّاقِيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَتَدَفَّقُ مَاءً

أَرَى أَطْيَافِكِ.

مَا غِبْتِ يَوْمًا

جَفَّتِ السَّاقِيَةُ

وَلَمْ أَغْرَقْ فِي مَائِها

عِشْتُ لأَنْغَامِها الْحَزِينَةَ

عِشْتُ لِجَرَيَانِها وَفِيًّا

حِينَ كَانَ الزَّيْتُونُ وَاقِفًا وَشَاهِدًا

وَمَاؤُها كَانَ شَرُوبًا عَذْبًا.

كُنَّا نُسَمِّي اللهَ سَبْعًا

وَنَرْوِي الْعَطَشَ.

نَمْشِي فِي الأَحْرَاشِ حُفَاةً

نَغْطُسُ في الماءِ عُرَاةً، ونَمْشي.

وحِينَ نَنْسَى الدِّيَارَ

وَنَهِيمُ.

 يَأْتِينَا الْفَرَج حِينَ يَعْلُو صَوْتُ الأُمِّ: وَلَدِي…وَلَدِي.

كُنْتِ الْحِكَايَةَ وَالاسْمَ الَّذِي بَدَأَ عَلَى طَرِيق بَيْنَ مَسَاءٍ وَخُطْوٍ متَعِبٍ

عِشْتُ السَّائِلَ وَالشَّيْخَ.

وَمَا كُنْتِ يَوْمًا سِوَى مَا كُنْتِ: الاسْمَ.

عِشْتُ به عَبْدًا لِلْوَاحِدِ الْقَهَّار.

عِشْتُ لِلْقَادِرِ عَابدًا،

بَيْنَ سَاقِيَةٍ تَجْرِي، ونَهْرَيْن.

كُنْتِ الْفَرَحَ الَّذِي أَنَارَ مَا بَيْنَهُمَا

وَمَلَأَ السَّمَاءَ.

الْوَلَدُ لَمْ يَمُتْ

صَارَ يَخْطُو

كُنْتِ مِنْ خَلْفِ الدَّمْعِ قُبْلَةَ الوَلَدِ

الَّذِي لَمْ يَعُدْ طِفْلًا.

كُنْتِ قِبْلَتَه الوَحيدَةَ.

مَنْ رَأَى بِمِلْءِ الْقَلْبِ الشَّيْخ وَالزَّاوِيَة

وَقَرَأَ الْعَرَبِي وَسِيرَةَ نَابْلِيُونْ

وَلَمْ يَكُنْ زَادُكِ كافِيا لجُنُونِه وعِشْقِه

وَمَا كُنْتِ لَهُ رَافِضَةً

تَحَملْتِ وَما ضَجَرْتِ.

كُنْتِ الصَّبْرَ الَّذِي يَنْقُشُ الصَّخْرَ وَلَا يَمَلُّ

وَحِينَ يَتْعَبُ لَا يَنْحَنِي

يَبْتَسِمُ وَيَمْضِي كَالْحَرْفِ مُشِعًّا

كَما رَحلْتِ ذاتَ يَوْمٍ

كُنْتِ الاسْمَ

كُنْتِ السَّاقِيَةَ

كُنْتِ الأُمَّ

الَّتِي تَفْتَحُ الأَبْوَابَ لِلأَطْفَالِ.

وَتَدْفِنُ عِنْدَ الأَعْتَابِ أَسْرَارَها

وَتَرْفَعُ لِلأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتِها حِينَ تَتْعَبُ الأُمَّهَاتٌ

وَتَحْمِلُ بَيْنَ ذِرَاعَيْها أَحْلَامَهُنَ

فَرَحٌ أنتِ بِمِلْءِ السَّمَاءِ

كُنَّا بِهِ نَهْتَدِي، ونلْتَفُ حَوْلَه.

أَنْتِ النُّورُ الَّذِي مَلَأَ الجِبالَ والرَّوَابِي

السَّاقِيَةُ جَفَّتْ

والطِّفْلُ لَمْ يَغْرَقْ

وَزَيْتُونُ الْبَلَدِ الأمينِ يَتَضَرَّعُ إِلَى السَّمَاءِ

أَنْتِ النُّورُ الْبَاقِي يَا أُمِّي،

يَا فَاطِنَةَ الْفَاطِنَات، يَا سَيِّدَةَ النُّورِ.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading