وَعْدُ السَّمَاءِ (مرْثِيَةُ أُمِّي) عبد القادر بوطالب

مَا كَانَت مَرْيَمُ أُمِّي،
وَمَا كَانَ اسْمُهَا مَرْيَمَ.
كَانَتْ تَهُزُّ النَّخْلَ؛ فَيَتَسَاقَطُ الرطَبُ.
كَانَتْ تُسَمَّى: أُمِّي
صَارَتْ تُسَمَّى أُمِّي البَرْنُوسِيَّةَ.
كَانَتْ تَدُكُّ الأَرْضَ بِثَبَاتٍ، لَعَلَّهَا تَكُونُ مُسْتَقَرًّا وَمَتَاعًا لِأَطْفَالٍ لَمْ تَلِدْهُمْ.
كَانَتْ تَرْقُبُ السَّمَاءَ خَوْفًا وَأَمَلًا.
كَانَتْ تَقْطَعُ القِفَارَ وَمَسَاكِنَ الجِنِّ بَرْدًا وَسَلَامًا.
كَانَتْ تُرَدِّدُ آيَاتِ الرَّحْمَانِ الَّتِي مَا حَفِظَتْ سِوَاهَا فِي الصِّبَا: جَادْ وَجُمَادى وَرَجَبْ وَشَعْبَانَ…..
كَانَتْ تَدُكُّ الأَرْضَ بِثَبَاتٍ؛ لَعَلَّهَا تُخْرِجُ لِلْأَطْفَالِ أَلْعَابًا وَدَفَاتِرَ.
تَبْتَسِمُ حِينَ تَتْعَبُ مِن ضَنَكِ الحَيَاةِ؛ وَتَمُدُّ لِعَابِرِي السَّبِيلِ سَجَّادَةً مِن قُوتِ حَمَامِهَا كَفَّارَةً وَمرْحمَةً.
مَا هَلَّلَتْ لِلْحُجَّاجِ؛ إِنْ هُمْ خَرَجُوا فِي الرَّكْبِ. وَلَا لِلنُساكِ إِنْ هُمْ صَامُوا أَوْ وَصَلُّوا.
لَكِنْ هَلَّلَتْ تَهْلِيلًا؛ إِنْ هُمْ مَسَحُوا دَمْعَ طِفْلٍ؛ إِذَا مَا شَحَّ الزَّادُ.
تَمْشِي؛ كَانَتْ تَحْمِلُنِي كَوِشَاحِهَا الأَبْيَضِ.
كَعبَاءَتِهَا الَّتِي مَا مَلَكَتْ غَيْرَهَا.
تَمْشِي. كَانَتْ تَحْمِلُنِي كَنُبُوءَةٍ لَمْ يَأْتِ عَلَى ذِكْرِهَا مَجَاذِيبُ الزَّمَانِ
وَهَبَتْنِي بَلْسَمًا لِكُلِّ بَكَّاءٍ لَمْ يَبْلُغِ الفِصَامَ.
وَقَفَ فِي طَرِيقِهَا مَنْ كَانَ بِجِيلَانَ مَوْلِدُهُ؛ وَبِهَذِهِ الرُّبُوعِ نُورُهُ وَمَوْطِنُهُ،
مُبَشِّرًا وَشَاهِدًا:
“سَتَلِدِينَ عَلَمًا”
.”عَلَمًا يُوَاطِئُ اسْمَهُ اسْمِي”
ثُمَّ مَضَى؛ تَارِكًا وَعْدَ السَّمَاءِ بَيْنَ يَدَيْهَا كَقَبَسٍ مِن نُورٍ.
وَمَا كَانَتْ لَهُ مِنَ السَّاخِرِينَ.
وَهَا أَنَا ذَا.
أَحْمِلُ الاسْمَ.
وأَمْشِي، وَفِي أَعْمَاقِي صَوْتُ الجِيلَانِي،
يَهُزُّ سُكُونَ المَغِيبِ، وَعَلَى شَفَتَيْهِ:
” “مَا كَانَتْ أُمُّكَ نَسْيًا مَنْسِيًّا
كَانَتْ وَجْهَ السَّمَاءِ حِينَ يَسْرِقُ الحُجَّاجُ قُوتَ الحَمَامِ””
أُمِّي.
أُمِّي البَرْنُوسِيَّةَ.
أَنَا العَلَمُ الَّذِي كُنْتُ وَعْدًا؟
أَنَا الابْنُ الَّذِي كَانَ حُلْمًا؟
صَارَ عَلِيلًا.
مَقْطُوعَ الظِّلَالِ. صَار
أَمُدُّ يَدِي فِي الظَّلَامِ لَعَلِّي أَرَاكِ وَأَبْكِي.
وَأَشُمُّ رَغِيفَكِ، وَأَشْكُو إِلَيْكِ حَالِي مِن حَالِي.
وَأَتَعَرَّفُ فِي مَلَامِحِكِ الخَائِفَةِ عَلَى أَوَّلِ طِفْلٍ قَبَّلْتِ خُطَاهُ.
الطِّفْلُ الَّذِي مَا يَزَالُ يَعِيشُ عَلَى ذِكْرَاكِ، وَيَحْلُمُ أَنْ يَرَاكِ ثَانِيَةً.





