النثر الفني

في مثل هذا اليوم -عبد الكريم الحلو

صورة لشخص يرتدي نظارات وقميص بألوان متعددة، مع خلفية داكنة.

في مثل هذا اليوم

سقطت ورقة النور من شجرة الخلود

سقطت ورقة أمي من سدرة المنتهى

وغادرت أمي الأرض لتسكن السماء

تاركةً خلفها فراغًا بحجم الكون

ووجعًا لا يُقاس بمقاييس البشر

كان رحيلكِ، يا أمي،

أشبه بانطفاء الفجر قبل ولادة النهار

وبغيابكِ، صمتت الأشياء

وغدت الأيام بلا معنى

كل زاويةٍ في البيت تناديكِ

وكل رائحةٍ تحمل عبيركِ

حتى صدى خطواتكِ القديمة

على أرض الدار ما زال يتردّد

في الذاكرة كأنكِ لم تغادري بعد

صوتك … صلواتك .. أدعية الغروب

أمي

كانت إذا ابتسمت أزهرت الأيام

وإذا دعت تبدلت الأقدار

كان حضورها صلاة،

وصوتها دعاءً لا يُرد

كانت لي السماء حين تضيق الأرض

وكانت يداكِ وطنًا حين تهبّ رياح الحزن

رحلتِ برفقٍ كنسمةٍ أنهكها الضوء،

وصعدتِ حيث لا وجع،

ولا بكاء، ولا فراق.

لكنّ الأرض بعدكِ

ما زالت تبكي الحنين،

وما زال القلب يسكنه صوتكِ

كآيةٍ لا تُتلى إلا بالدموع

في هذا اليوم،

أستعيدكِ لا كذكرى عابرة،

بل كحقيقةٍ تعيش معي

في كل تفاصيل حياتي.

كأنكِ ما زلتِ هناك،

خلف الغياب،

ترسلين لي الرضا

في هيئة سلامٍ خفيٍّ

وتزرعين في روحي طمأنينةً

من عالمٍ لا يُرى.

أتذكركِ في الفجر كل صلاة

حين كنتِ توقظينني بالدعاء

وفي المساء

حين كنتِ تُصلّين بصمتٍ يشبه البكاء

أتذكركِ في الخبز الحار

المزين بالفقاعات

في عينيكِ شعور غريب

كان الوطن يبدو أكثر أمانًا

كنتِ بسيطةً كالماء،

عظيمةً كالنهر

طاهرةً كالسلام

أمي العظيمة

كانت إذا ابتسمت اطمأن القلب،

وإذا دعت انفرجت كل الهموم

اليوم هو ذكرى انطفاء نور نصف القلب

وغياب من كانت تدعو لي دون أن أطلب

هل مت حقاً يا أمي !

ومن قال إن الأمهات يمتن؟

الأمهات العظيمات لا يمتن

لأن الحنان لا يُدفن

والرحمة لا تُنسى

الامهات العظيمات لا يمتن

لأن أسماءهنّ تُكتب بالنور

في دفاتر الخلود

سلامٌ عليكِ يا سيدة النور، يا أمي،

يا ورقةً سقطت من سدرة المنتهى

لتزهر في قلبي إلى الأبد

رحمكِ الله رحمةً تسكن بها أرواحُ الطاهرات،

وجعل ربي مثواكِ الجنة المستقر الأبدي برفقة مولاتي الزهراء (ع)، كما كنتِ تتمنين.

سلامٌ على من كانت جنتي في الدنيا

وسلامٌ عليها في مثواها الأبدي

و رحمةُ الله تغمر روحها الطاهرة

أمي

ما زال قلبي معلّقًا عند آخر دعوةٍ

خرجت من شفتيكِ.

أرقدي بسلام يا أمي

في ظلال الرحمن

فدعاؤكِ ما زال يحرسني،

ونوركِ ما زال يمتدّ في أيامي

رحمكِ الله رحمة سرمدية أزلية

بقدر ما كان فيكِ من حنانٍ

وسلامٍ وضياء

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading