مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
النثر الفني

البابُ الذي لم أطرقه – ماريا دانييلا كريم

صورة شخصية لفتاة ذات شعر بني ومجعد، ترتدي قميصاً أسود، وتظهر تعبيراً هادئاً في غرفة مضيئة.

:

كم باباً تركناهُ خلفنا؟

كم طريقاً لم نسلكه؟

كم كلمةً ماتت على شفاهنا،

خوفاً ممّا قد يحدث؟

لا أحدَ يعدّ.

أجلسُ عند النافذة،

أراقبُ جراحَ الخارجِ، وأتفقّدُ جراحي.

القهوةُ باردة.

متى بردت؟

لا أدري.

كنتُ غارقةً في التفكير.

التفكيرُ يسرقُ الوقت،

والوقتُ لا يشكو.

أمي كانت تقول: “لا تفكّري كثيراً”.

لم أسمع.

الآن أفهم..

لكنّ الفهمَ جاء متأخّراً،

كالعادة.

هل لاحظت؟

نفهمُ الأشياءَ فقط حين تصبحُ ذكرى.

حين تبتعد.

حين لا نملكُ قدرةً على تغييرها.

هراء.

أمسِ، رأيتُ صورةً قديمة.

فتاةٌ تضحك،

عيناها مليئتان بشيءٍ ما.

ما هو؟

لا أعرف.

تلك الفتاةُ كانت أنا،

لكنّها لم تعد أنا.

نتغيّر.

خليةً خلية.

يوماً بعد يوم.

حتى نصبحَ غرباءَ عن أنفسنا.

هل هذا مخيف؟

ربما.

هل هذا جميل؟

ربما أيضاً.

الخوفُ والجمالُ توأمان..

لا يفترقان.

أحياناً أسأل:

لماذا نتمسّك؟

بالناس..

بالأماكن..

بالأوطانِ التي تنزف..

بالأشياء.

ونحن نعلمُ أنّ كلَّ شيءٍ يمضي.

ثم أُجيبُ نفسي:

لأنّ التمسّكَ هو كلُّ ما نملك.

الوهمُ الوحيدُ الذي يُبقينا واقفينَ وسطَ الركام.

الليلُ طويلٌ الليلة،

والصمتُ ثقيل.

لكنّه صادق.

الصمتُ لا يكذب..

الكلماتُ هي التي تفعل.

نقول: “أنا بخير”،

ونحن لسنا بخير.

نقول: “لا يهم”،

وهو يهمّ.

نقول: “نسيت”،

ونحن نتذكّرُ كلَّ شيء.

كلَّ شيء.

الجرحَ الأوّل.

القبلةَ الأولى.

الخيبةَ الأولى.

كلُّها هنا،

في مكانٍ ما،

تنتظرُ أن نعودَ إليها في ليلةٍ كهذه.

لكنّني لن أبكي.

ليس لأنّني قويّة،

بل لأنّ الدموعَ أيضاً تتعب.

غداً ستُشرقُ الشمس،

وستُقرعُ الأجراسُ هناكَ وهُنا.

سأنهض.

سأشربُ قهوةً جديدة،

ساخنةً هذه المرّة.

سأمشي..

سأتظاهر..

مِثلنا جميعاً.

والبابُ الذي لم أطرقه؟

سيبقى هناك.

ينتظر.

أو ربّما… نسيَني هو أيضاً.

لا فرق.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading