حين مرّ البحر ولم ينتبه – احمد نصر الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرّت فترةٌ رمادية…
مرّت لا محدّبة، ولا مقوّسة.
فترةٌ عجنتها الأيام
بيد قاسية
عجنتها بعفن القلق الخانق،
وفحيح الشهوة الغامض،
وحنينٍ شرسٍ يلتهم ذاكرةً
محمومةً بالعطر المالح.
في المواسم المحتقنة
بالفكرة ونقيضها،
بالحزن وثمرته الملتهبة،
بالوهم وجنوده السبعة…
لا شيء يقيك برد الأسئلة،
لا قطيفةَ ستّ الحسن،
ولا نبيذَ مسرور.
مرّت دون أن ينتبه
البحرُ لغشاء بكارته النازفة…
ولا للغبار المنساب من فمه،
انسيابَ الأسرار
من سراديب الصمت،
كأنه لم يكن البحر،
وكأنها كانت كلّ الأشياء.
حدث ما حدث،
والبحّارة يتساءلون
عن شجرةٍ كانت تخرج كلّ مساءٍ
من حنجرة الصبر،
عن منارةٍ تطلّ
من موتٍ مؤجّل…
أو من رغبةٍ مشغولةٍ
بتراب الشغف.
النهر صامت،
الأخضرُ يحبو على أطرافه المكسورة…
والحبّ، هذا الضيف المشوَّه،
يفترش سوأته،
يطفئ القنديل،
ويبتسم بشحوب.
مرّت فترةٌ…
اكتسبت حجمها المبالغ فيه،
وتركت الفضول مفتوحاً
من كلّ الجهات.
وحين أتى “الآن”
بوجهه الغارق في المجهول،
أطلق صفيره الظافر
في وجه آذار،
ملقياً ثماره الطازجة
في خزانة الرماد…
كأنّ الانتظار فخٌّ
نصبه سرابٌ أعمى.
بعضٌ من ملح الصمت قد يفيد،
أو قليلٌ من شهد الحديث…
تلك معادلتك الأثيرة…
علّك تنجو من لسعة الندم.
حدث ما حدث…
وها نحن نجلس
على ظهر سفينتنا المثقوبة،
ننتظر حكم الموج…
وسخرية الريح
من نجاتنا الهشّة.





