لُغَةٌ تَمشي على حافَةِ الصَّوت د.رافد حميد فرج القاضي

لم تَكُنِ الحُروفُ
أبجديَّةً صامِتة
تَتَعَثَّرُ في الفَم
وتَتركُ أَثَرَها
على المَعنى…
كُنتُ أَسمَعُ اللُّغَة
وهي تُغَيِّرُ جِلدَها
حينَ تَمُرُّ مِن بَينِ الشِّفاه
كيفَ يُصبِحُ الصَّوتُ قَرارًا
وكيفَ تَصيرُ الزَّلَّةُ
بابًا إلى دِلالةٍ أُخرى…
في نُطقٍ واحِد
قد تولَدُ مَسافَة
بينَ ما نُريدُ قَولَه وما يُقال
وفي تِلكَ المَسافَة
تُقيمُ الدَّهشَة…
ليستِ الحُروفُ بَريئَة
بَعضُها حادّ
كحَدِّ السُّؤال
وبَعضُها لَيِّن
كاعتِذارٍ مُتأخِّر
وبَعضُها يَحمِلُ ذاكِرَةَ الفَم
وارتِباكَ القَلبِ مَعًا…
حينَ أُنصِتُ لِلكلام
لا أَبحَثُ عنِ الصَّواب
بل عنِ الارتِجافَة
التي تَسبِقُه
عن ذاكَ التَّرَدُّدِ الخَفيف
الذي يَكشِفُ الإنسَان
أَكثَرَ مِنَ القَواعِد…
اللُّغَةُ ليست مَعجَمًا
إنَّها تَجرِبَةنَخوضُها
ونحنُ نَتَهَجّى أنفُسَنا
نُخطِئُ كي نَفهَم
ونَنحَرِفُ قليلًا
لِنُصيبَ المَعنى…
كم مَرَّة قالَ الصَّوتُ
ما لم نَقصِد فكانَ أَصدَق؟
وكم مَرَّة خانَنا اللِّسان
فأَنقَذَنا مِن بَلاغَةٍ زائِفَة؟
أنا لا أَثِقُ بالجُملَةِ المُكتَمِلَة
أُحِبُّها حينَ تكونُ مُفتوحَة
تَترُكُ فَراغًا لِلقارِئ
كي يَضَعَ قَلبَه…
كُلُّ حَرف يَمُرُّ بي
يُغَيِّرُني يُعَلِّمُني أنَّ اللُّغَة
ليست سُلطَة بل شَراكَة
بينَ الفَمِ والنِّيَّة…
لِهذا أمشي
في الكَلام بِبُطء
أُجَرِّبُ الأَصوات
كما يُجَرَّبُ الضَّوء
على وَجهٍ في الصَّباح
وأَترُكُ لِلخَطَأ
حَقَّه في الحَياة…
أُسلِمُ للّغةِ خَيطَها
ولا أَشدُّهُ
أَدَعُها تَمشِي كما تَشاء
وتَتَنفَّسُ في صَوتي
دونَ وَصاية…
أَكتُبُ لا لِأُثبِتَ المعنى
بل لِأُبقيهِ حيًّا
قابِلًا لِلزَّيادة
والنُّقصانِ الجميل…
فالكلمةُ حينَ تَخرُجُ
مِن قَلبِها
تَجِدُ طريقَها
وحينَ تُحبَسُ في قاعدَة
تَفقِدُ نَبضَها الأوّل…
أنا مع اللّحظة
حينَ تَسبِقُ الفِكر
ومع الصَّوت
حينَ يَتَردَّدُ
قَبلَ أن يَطمَئِنّ…
اللُّغَة
حينَ تَتَنَفَّسُ بحُرِّيَّة
تَصيرُ شِعرًا
وحينَ تُقَيَّد
تُصبِحُ دَرسًا بلا روح…
وأنا أُريدُها
سُؤالًا مَفتوحًا
وصَوتًا يَعرِفُ
كيفَ يَتعثَّرُ ليَصِل…





