المقابلة الصحفية التي اجرتها المنار الثقافية الدولية مع د.ازهر سليمان – اجرى الحوار: حور محب الدين

1 بداية من هو أزهر سليمان، كيف ترى نفسك، كيف تعرّف نفسك؟
أنا دكتور أزهر سليمان، أكاديمي وباحث أجد نفسي دائماً في مساحة اللقاء بين الفكر الثقافي الرصين والتطور الرقمي الحديث..
أُعرّف نفسي اليوم، من واقع عملي كرئيس تحرير، بأنني حارس على بوابة الكلمة الجادة، وميسّر للمحتوى الذي يحترم عقل القارئ العربي. أرى في نفسي شغفاً لا ينطفئ بالأدب والأصالة — وتحديداً عيون الشعر العربي وموازينه الكلاسيكية — وفي الوقت ذاته، أحمل رؤية مواكبة للمستقبل، تسعى لتوظيف التكنولوجيا والتقنيات الرقمية الحديثة لخدمة الثقافة، وتحويل المجلات الثقافية إلى منصات معرفية متكاملة تواكب المعايير الأكاديمية والعالمية.
باختصار؛ أنا إنسان يؤمن بأن العراقة لا تكتمل إلا بالانفتاح على أدوات العصر، وأن الحداثة لا تنجح إلا إذا استندت إلى جذور معرفية صلبة.”
2 ما هي أبرز المحطات التي شكّلت شخصيتك كمثقف وأكاديمي، (الكتب أو التجارب التي شكّلت وعيك الثقافي بشكل أعمق؟)
“ثمة محطات رئيسية وتجارب متقاطعة هي التي صقلت وعيي وعززت مسيرتي كمثقف وأكاديمي، ويمكنني تلخيصها في أبعاد رئيسية:
أولاً: الجغرافيا والتاريخ (النشأة والأثر):
لا يمكنني فصل تكويني الثقافي عن مدينة الموصل؛ هذه المدينة التي تتنفس التاريخ والعمق المعرفي. العيش في بيئة زاخرة بالإرث الثقافي والإنتاج الأدبي شكّل وعيي المبكر بأهمية الهوية الثقافية وضرورة الحفاظ على الرصانة المعرفية وسط عالم سريع التغير.
ثانياً: دراسة الأدب الغربي (الماجستير والدكتوراه):
شكّلت دراستي الأكاديمية المعمقة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه المتخصصة في الأدب الغربي محطة تحول فكري كبرى في مسيرتي. لقد فتحت لي هذه الدراسة آفاقاً واسعة للاطلاع على المدارس النقدية والفلسفية العالمية، وتفكيك النصوص الإنسانية الخالدة، وفهم تطور السرد والفكر الثقافي الغربي. هذا التكوين الأكاديمي منحني أدوات تحليلية حديثة ورؤية نقدية شمولية تتجاوز الحدود الجغرافية.
ثالثاً: الإبحار في عيون الأدب الكلاسيكي والشعر:
بالتوازي مع دراستي للأدب الغربي، كانت العودة الدائمة إلى أمهات الكتب والمصادر الكلاسيكية هي التي تعيد وزني المعرفي. إن تعمقي في بحور الشعر العربي وموازينه وقوافيه لم يكن مجرد دراسة عابرة، بل كان تجربة موازية علمتني الانضباط والتذوق الجمالي، وسمحت لي بإجراء مقارنات واعية بين خصوصية الأدب العربي الكلاسيكي وعالمية الأدب الغربي، مما خلق في وعيي تكاملاً ثقافياً فريداً بين الشرق والغرب.
رابعاً: تجربة الإدارة الثقافية والتحرير الرقمي:
الانتقال من دور الباحث الأكاديمي إلى ميدان رئاسة التحرير وإدارة المنصات الثقافية شكّل نقطة تحول كبرى. مواجهة التحدي اليومي في قيادة شبكة واسعة من الكتاب، والعمل على الارتقاء بالمجلات الثقافية لتصل إلى مصاف المجلات الأكاديمية المحكمة دولياً، وسّع مداركي وجعلني أدرك أن المثقف الحقيقي هو من يصنع بيئة حاضنة للوعي ويقود التطوير المعرفي.
هذه المحطات مجتمعة — من أصالة البيئة، إلى أروقة دراسة الأدب الغربي، وانضباط الموروث الشعري، ومسؤولية النشر المعرفي — هي التي شكلت الرؤية الأكاديمية والثقافية التي أتحرك بها اليوم.”
- بين الشعر والمسرح والترجمة، أين تجد نفسك أكثر؟ ولماذا؟ وكيف توفق بيهم؟
في الحقيقة، أنا لا أرى الشعر والمسرح والترجمة كجزر معزولة، بل كأوانٍ مستطرقة يغذي بعضها بعضاً في تجاربي الفكرية، لكنني إذا أردت ترتيبها من حيث القرب والوجدان، فإنني أجد نفسي أولاً وبشكل أعمق في الشعر.
الشعر هو الملاذ والبوصلة:
الشعر الكلاسيكي، وبحوره الموزونة ، هو بيتي الأول وموطن شغفي. أجد فيه انضباطاً رياضياً وجمالياً فريداً؛ فهو يمثل لي الأصالة وجوهر الهوية اللغوية التي أنتمي إليها وأدافع عنها.
المسرح هو الفضاء الإنساني الأرحب:
من بوابة دراستي الأكاديمية للأدب الغربي، يمثل لي المسرح ذروة التجسيد الفكري والصراع الإنساني. المسرح هو المكان الذي تتحول فيه الأفكار والنصوص إلى شخوص تنبض بالحياة، وهو يمنحني كأكاديمي وباحث أدوات تحليلية عميقة لفهم الدراما وحركة المجتمعات وتطور الفكر الإنساني عبر العصور.
الترجمة هي الجسر المعرفي:
أما الترجمة، وتحديداً الترجمة الأدبية الرفيعة، فهي ليست مجرد نقل للكلمات، بل هي فعل مثاقفة معقد. أجد نفسي فيها عندما أحاول نقل الروح الإيقاعية والجمالية والرومانسية من الأدب الغربي إلى العربية، أو العكس، لتقريب المسافات بين الثقافات دون الإخلال بخصوصية كل لغة.
كيف أوفق بينهم؟
التوفيق بينهم يأتي من خلال التكامل لا التنافس. صرامة الأوزان الشعرية تمنحني دقة لغوية وإيقاعية أحتاجها بشدة عند صياغة التراجم الأدبية لتبدو منسابة وأصيلة. وفي الوقت ذاته، فإن اتساع الأفق الدرامي في المسرح يحمي قصائدي وكتاباتي من الانغلاق، ويمنحها بعداً إنسانياً وحوارياً أرحب.
في النهاية، كل هذه الفنون تصب في مصب واحد أتحرك فيه يومياً: وهو تقديم محتوى ثقافي راقٍ ورصين، سواء من خلال قلمي الخاص، أو من خلال إدارة المنصات الثقافية التي أشرف عليها.”
4 فيما يخص الترجمة هل أثرت تجربتك الطويلة في دراسة وتدريس المسرح الغربي (إبسن، شو، بريخت، شكسبير، بيكيت) على كتابتك الشعرية أو على رؤيتك للأدب العربي المعاصر؟
بلا شك، إن التعامل الطويل واليومي مع قامات المسرح الغربي — دراسةً وتدريساً وتفكيكاً لبنيتها الدرامية — قد ترك أثراً عميقاً وبصمة واضحة على مستويين؛ رؤيتي للأدب العربي المعاصر، وكتابتي الشعرية الخاصة.
أولاً: الأثر على الرؤية للأدب العربي المعاصر:
عندما تقرأ وتُدرّس تراجيديا شكسبير وصراعاتها الوجودية، أو واقعية إبسن وتشريحه للمجتمع، أو مسرح الأفكار والمفارقة عند برنارد شو، وصولاً إلى كسر الجدار الرابع عند بريخت وعبثية صمويل بيكيت؛ فإنك تكتسب راداداً نقدياً شديد الحساسية.
هذا التنوع جعلني أرى الأدب العربي المعاصر بعين ‘المثاقفة والمقارنة’. جعلني أطمح دائماً بأن يتجاوز الأدب العربي الحديث القوالب التقليدية الجاهزة، ليتناول القضايا الإنسانية الكبرى بجرأة وعمق درامي شبيه بما فعله هؤلاء الرواد في مجتمعاتهم، مع الحفاظ على أصالة الهوية واللغة. لقد علمني هؤلاء الكتاب أن الأدب لكي يكون عالمياً، يجب أن يغوص في المحلية والإنسانية معاً.
ثانياً: الأثر على كتابتي الشعرية:
قد يبدو غريباً للبعض كيف يتأثر شاعر يلتزم بالبحور والأوزان الكلاسيكية بمسرح عبثي كمسرح بيكيت أو ملحمي كمسرح بريخت، لكن الأثر هنا لا يأتي في الشكل، بل في المضمون والعمق الرقمي والصوري داخل القصيدة:
الصراع والدراما: دخلت إلى قصيدتي مسحة درامية؛ لم يعد الشعر عندي مجرد غناء وجداني أو رثاء وتغزل تقليدي، بل أصبحت القصيدة مسرحاً مصغراً تتصارع فيه الأفكار والمشاعر، وتتعدد فيه الأصوات أحياناً.
التكثيف والمفارقة: تعلمت من بيكيت وشو قيمة الكلمة المكثفة والمفارقة الذكية. فالقصيدة الكلاسيكية لدي باتت تميل نحو الاختزال وتركيز المعنى، ليكون لكل بيت ثقله الدرامي الخاص.
الصورة الشاعرية الممتزجة بالواقعية: المزج بين رومانسيته وإنسانية شكسبير، وبين واقعية إبسن الصارمة، منح قصيدتي توازناً يجمع بين الرقة الوجدانية وبين ملامسة الواقع الإنساني والاجتماعي المعاش.
في النهاية، تدريس هؤلاء العباقرة جعلني أدرك أن ‘الأصالة لا تعني الانغلاق’. يمكنك أن تكتب قصيدة موزونة ومقفية تجري على أدق بحور الشعر العربي، لكنها تحمل في أحشائها عمقاً فلسفياً وصراعاً إنساناً يستوعبه ويفهمه القارئ في أي مكان من العالم.
5 هل الترجمة نوع من الكتابة الإبداعية؟
“الترجمة في نظري ليست مجرد ‘نقل’ أو وسيط لغوي جامد، بل هي إعادة خلق وإبداع ثانٍ للنص. لو كانت الترجمة مجرد مطابقة مفردات، لجمُدت النصوص ولأغنتنا عنها البرمجيات والقواميس الآلية.
المترجم الحقيقي — خاصة في ميدان الأدب والشعر والمسرح — هو مبدع وشريك في التأليف، وذلك لعدة أسباب:
ترجمة الروح لا اللفظ:
النص الأدبي يحمل خلفه ثقافة، وتاريخاً، ومشاعر، وظلالاً للكلمات لا توجد في القواميس. المترجم الإبداعي هو من يستطيع التقاط ‘نبرة’ الكاتب الأصلي (صوت شكسبير الساخر، أو سوداوية بيكيت، أو واقعية إبسن) ثم يعيد صياغتها بلغة أخرى بحيث تُحدث في نفس القارئ الجديد الأثر العاطفي والفكري ذاته الذي أحدثه النص الأصلي في بيئته الأولى.
الخيار الجمالي والإيقاعي:
عندما تترجم نصاً أدبياً أو مسرحياً، فإنك تواجه يومياً عشرات الخيارات اللغوية؛ أيُّ المترادفات أرقّ؟ أي العبارات تنساب مع الإيقاع النفسي للمشهد؟ هنا يتوقف دور المترجم كـ ‘ناقل’ ويبدأ دوره كـ ‘فنان’ يمتلك حساً موسيقياً وبلاغياً عالياً ليصهر النص الأجنبي في قالب لغوي عربي بليغ ومستساغ.
الخيانة المشروعة (أو الأمانة الإبداعية):
هناك مقولة شهيرة تقول: ‘الترجمة مثل زوجة؛ إما أن تكون جميلة وإما أن تكون أمينة’. وأنا أرى أن الأمانة الحقيقية للنص لا تتحقق بالحرفية الجافة التي تشوه جماله، بل بالخيانة الذكية للمفردات من أجل الحفاظ على ‘روح النص وجوهره الإبداعي’. هذا التوازن يتطلب موهبة إبداعية لا تقل عن موهبة كاتب النص الأصلي.
لذلك، أرى أن المترجم الأدبي هو كاتب مبدع يمتلك ميزتين: فهو يمتلك الحساسية الفنية ليفهم النص الأول، ويمتلك المهارة الأدبية ليعيد صياغته كأنه كُتب بلغة الضاد أول مرة.”
6 التحديات التي تواجه المترجم في نقل هذه النصوص إلى العربية
“نقل النصوص الأدبية والمسرحية الكبرى إلى اللغة العربية ليس نزهة لغوية، بل هو أشبه بالسير في حقل ألغام ثقافي وفلسفي. من واقع دراستي وتدريسي للمسرح والأدب الغربي، أرى أن أبرز التحديات التي تواجه المترجم تتلخص في أربعة محاور رئيسية:
- تحدي الإيقاع والبحور اللغوية (الموسيقى الداخلية):
اللغة العربية لغة إيقاعية بامتياز، قائمة على الأوزان والتفعيلات، والقصيدة أو النص المسرحي الغربي (عند شكسبير مثلاً الذي كتب بـ ‘البحر اليامبي الخماسي’ Iambic Pentameter) يمتلك موسيقى داخلية خاصة به. التحدي الأكبر هنا هو كيف تنقل هذا التدفق الموسيقي والجمالي إلى العربية دون أن يتحول النص إلى نثر بارد، ودون أن تقع في فخ التكلف والتعقيد اللفظي. - الفجوة الثقافية والسياق التاريخي:
الكلمة الأدبية ليست ابنة المعجم، بل هي ابنة البيئة والتاريخ. عندما تواجه نصاً يعتمد على الكنايات الإنجليزية القديمة، أو الإسقاطات السياسية والاجتماعية في مسرح بريخت، أو الفلسفة الوجودية والعبثية الصارمة عند بيكيت، فإن المترجم يقف حائراً: هل يترجم العبارة حرفياً فيضيع معناها على القارئ العربي؟ أم يقوم بـ ‘تبيئة’ النص (جعله قريباً من الثقافة العربية) فيخاطر بخلع النص من سياقه التاريخي؟ تحقيق هذا التوازن هو معضلة يومية. - نقل ‘المفارقة الساخرة’ والظلال النفسية للمفردات:
في مسرح برنارد شو أو إبسن، تعتمد الحوارات على ذكاء حاد ومفارقات ساخرة (Irony) تصدر من بنيوية الثقافة الغربية وطريقة تفكيرها. هذه السخرية المبطنة والظلال النفسية للمفردات قد تختفي تماماً وتتحول إلى جمل عادية جداً إذا لم يمتلك المترجم حسّاً درامياً ونقدياً عالياً يفهم ما وراء السطور ليصيغ مفارقة عربية موازية لها في القوة والـتأثير. - طغيان ‘المصطلح الأكاديمي والتحريري’:
في ميدان النشر الرقمي والثقافي اليوم، نواجه تحدي شحّ المصطلحات النقدية الحديثة الموحدة في العربية. المترجم يضطر أحياناً للنحت اللغوي أو الاجتهاد الشخصي لنقل مفاهيم نقدية غربية حديثة، لضمان أن يصل النص إلى القارئ المعاصر بنبرة تجمع بين الرصانة الأكاديمية واليسر القرائي.
تجاوز هذه التحديات يتطلب من المترجم أن يكون أكادياً في ضبطه، وشاعراً في حسه، ومخرجاً مسرحياً في تخيله للحوار.”
7 هل تعتقد أن الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى ما زالت ضعيفة، وما الحلول التي تقترحها؟
“نعم، وبكل أسف، أقولها بوضوح: الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى ما زالت ضعيفة كمّاً ونوعاً، ولا تليق بحجم الثقافية والإرث المعرفي والإبداعي الذي نمتلكه. نحن ما زلنا في الغالب ‘مستهلكين’ للمنتج الثقافي العالمي، ولم ننجح بعد في تحويل منتجنا الإبداعي إلى رافد أساسي في المكتبة العالمية إلا في استثناءات محدودة وفردية.
أسباب هذا الضعف تكمن في أمرين:
الاعتماد على المبادرات الفردية: أغلب ما يُترجم إلى الغرب اليوم يخرج بجهود شخصية من كتاب أو مستشرقين، وهو جهد لا يصنع تياراً ثقافياً مستداماً.
خضوع الترجمة لأجندات غربية: في كثير من الأحيان، لا يترجم الغرب من أدبنا إلا ما يغذي الصورة النمطية السائدة لديه عن الشرق، متجاهلاً الروائع الفلسفية، والشعرية (كبحورنا وموازيننا الكلاسيكية)، والتجارب المسرحية والنقدية الناضجة.
الحلول المقترحة (خارطة طريق):
للخروج من هذا المأزق، لا نحتاج إلى ‘أمنيات’، بل إلى آليات عمل مؤسساتية وصارمة تتلخص في النقاط التالية:
- الانتقال من الفردية إلى المؤسساتية:
يجب أن تتبنى الحكومات، والمجامع اللغوية، والجامعات الكبرى، والمنصات الثقافية الرائدة، ‘مشروعاً قومياً عربياً للترجمة العكسية’. نحتاج إلى هيئات تمتلك خططاً خمسية وعشرية لنقل عيون الأدب العربي (القديم والمعاصر) إلى اللغات العالمية (الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، والصينية وغيرها). - صناعة المترجم ‘الناقل إلى لغته الأم’:
في أعراف الترجمة الدولية، المترجم الأكفأ هو من يترجم إلى لغته الأم. الحل يكمن في صناعة جيل من المترجمين الغربيين المستعربين الذين يمتلكون عشقاً وفهماً حقيقياً لأصالة اللغة العربية وبلاغتها، ورعايتهم مؤسساتياً ليقوموا هم بنقل نصوصنا إلى لغاتهم بأسلوب إبداعي يستسيغه القارئ الأجنبي. - استغلال النشر الرقمي والمنصات الثقافية المحكّمة:
يجب أن نطوّر مجلاتنا الرقمية وثقافتنا المعاصرة لتواكب المعايير الأكاديمية العالمية. عندما نصنع منصات نشر عربية رصينة ومحكّمة، تلتزم بأعلى مواصفات الجودة والتوثيق والترجمة الذاتية (ملخصات ودراسات موازية باللغات الأخرى)، سنفرض حضورنا على الفهارس والمحركات البحثية العالمية، ونجبر الدوائر الأكاديمية الغربية على الالتفات لنتاجنا المعرفي. - دعم صناعة ‘الوكيل الأدبي’ العربي:
يفتقر المشهد الثقافي العربي إلى ‘الوكيل الأدبي’ (Literary Agent) المحترف، وهو الشخص أو الجهة التي تأخذ بِيَد الكاتب والشاعر والمسرحي العربي، وتسوق أعماله في معارض الكتب الدولية (كيفينا، وفرانكفورت، ولندن) وتفاوض دور النشر العالمية لترجمتها.
إن عودة الحيوية إلى الترجمة العكسية هي معركتنا لإثبات حضارتنا، فمن لا يروي قصته بنفسه للآخرين، سيرويها الآخرون عنه وفق هواهم.”
8 بخصوص الموقع الإلكتروني ما الذي دفعك لتأسيس «المنار الثقافية الدولية» في عام 2012،
ماذا أردت أن تحقق من خلال الموقع؟ وهل حقق الموقع ما كنت ترغب في تحقيقه
“تأسيس «المنار الثقافية الدولية» في عام 2012 لم يكن مجرد رغبة في إضافة رقم جديد إلى فضاء الإنترنت، بل كان استجابة لضرورة ثقافية ملحة
ما الذي دفعني للتأسيس؟ وماذا أردت أن أحقق؟
في ذلك الوقت، كان المشهد الثقافي الرقمي يعاني من استقطاب حاد؛ فإما مواقع إخبارية سريعة تفتقر إلى العمق، أو مدونات شخصية مشتتة. أردت تأسيس منصة تكون بمثابة ‘جسر معرفي ورصيف ثقافي آمن ورصين’ يلتقي فيه المبدعون العربأردت بناء مجلة رقمية لا تكتفي بنشر النصوص، بل تصنع وعياً، وتحتفي بأصالة الأدب وبحور الشعر وكلاسيكياته، وتفتح في الوقت ذاته النوافذ للاطلاع على الآداب العالمية والمسرح والترجمة بروح أكاديمية منضبطة.
أردت للموقع أن يكون حاضنة لشبكة واسعة من الكتاب والمثقفين، ومساحة تفرض احترام الكلمة وجودة المحتوى في زمن التسطيح الرقمي
وهل حقق الموقع ما كنت أرغب في تحقيقه؟
أستطيع القول — بكل تواضع واعتزاز — إننا حققنا جزءاً كبيراً ومهمّاً من الرؤية الأولى، وما زلنا نطمح للأكثر:
على مستوى الانتشار والحاضنة: نجحت ‘المنار الثقافية الدولية’ في تحويل الرؤية إلى واقع وباتت اليوم مظلة ثقافية تجمع شبكة ضخمة وجادة من الكتاب والأكاديميين والمساهمين من العالم لقد استطعنا خلق بيئة تفاعلية مستقرة، ونشر محتوى متميز حظي بثقة القارئ النخبوي والعام على حد سواء.
على مستوى الهوية الفنية والتقنية: بذلنا جهوداً مضنية لتطوير أدواتنا الرقمية وتصميم منصتنا لتكون واجهة بصرية وأكاديمية تليق بالثقافة دمجنا بين عراقة المحتوى وعصرية التقديم التقني لضمان أفضل تجربة قراءة وتصفح لمتابعنا العربي في كل مكان
لكن، هل وصلنا إلى نهاية الطموح؟
بالتأكيد لا. الطموح في عالم المعرفة يتطور بتطور أدوات العصر. نحن نعيش اليوم مرحلة انتقالية كبرى ونقلة نوعية جديدة؛ حيث ينصبُّ تركيزنا وجهدنا الحالي على ترقية المجلة والارتقاء بها لتصبح مجلة أكاديمية محكّمة تخضع لأعلى المعايير والمواصفات الدولية المعترف بها
نريد لـ ‘المنار’ أن تنتقل من فضاء النشر الثقافي العام إلى فضاء البحث العلمي والتوثيق الأكاديمي الرصين لذلك، أقول إن الموقع حقق أساسات راسخة، ونحن الآن نبني فوقها قممًا جديدة تليق بمسيرتنا وبمستقبل الثقافة العربية.”
9 كيف تنظر إلى دور المواقع الثقافية المستقلة مثل «المنار» في عصر تراجع المجلات الورقية التقليدية؟
“تراجع المجلات الورقية التقليدية ليس مجرد أزمة حبر وورق، بل هو تحول هيكلي حتمي في آليات تلقي المعرفة. وفي خضم هذا التراجع، أنا لا أنظر إلى المواقع الثقافية المستقلة مثل «المنار» كبديل سدّ فراغ، بل أراها اليوم ‘حبل النجاة الأخير وثكنة الدفاع الأولى’ عن الرصانة الفكرية والأدبية في الفضاء الرقمي.
هذا الدور المحوري للمواقع المستقلة يتجسد في عدة أبعاد:
- كسر مركزية النشر والتحرر من القيود:
المجلات الورقية في عصرها الذهبي كانت محكومة بجغرافيات ضيقة، وتكاليف شحن باهظة، ومحدودية في المساحة. المواقع المستقلة حطمت هذه الحدود؛ «المنار الثقافية الدولية» اليوم قادرة على أن تجمع كاتبًا من الموصل، مع ناقد من المغرب، وشاعر من الشام، ليقرأ لهم باحث في المهجر بلحظة واحدة. هذا الفضاء منح المثقفين حرية الحركة والانتشار دون الخضوع لبيروقراطية المؤسسات التقليدية. - مأسسة ‘المشهد البديل’ وضبط جودته:
عندما تراجعت الورقيات، استسهل الكثيرون النشر عبر منصات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك وتويتر وغيرها)، مما أدى إلى سيولة لغوية وتسطيح فكري مخيف. هنا يأتي دور مواقع كـ «المنار»؛ نحن نقدم ‘السيناريو الثالث’. نأخذ مرونة الفضاء الرقمي وسرعته، ونزاوجها مع صرامة التحرير، وفحص النصوص، والالتزام ببحور الشعر وموازينه، والتدقيق اللغوي والأكاديمي. نحن نعيد الاعتبار لهيبة الكلمة في زمن ‘اللايكات’ العابرة. - التحول إلى منصات معرفية حية (التفاعل الديناميكي):
المجلات الورقية كانت اتجاهًا واحداً (من الكاتب إلى القارئ)، أما المنصات الرقمية المستقلة فهي مساحات حية متفاعلة. القارئ يناقش، والكاتب يرد، والنصوص تُحدث، والمواد تترابط بروابط معرفية تقود المتصفح من المسرح الغربي إلى النقد العربي في ثوانٍ. هذا جعل الثقافة طقساً يومياً معاشاً وليس مجرد كتاب يوضع على الرف. - الاستقلالية كضمانة للتنوع:
غياب التمويل المشروط أو الأجندات الموجهة يمنح المنصات المستقلة ميزة كبرى وهي ‘الأمانة المعرفية’. نحن ننشر للنص المبدع، وللفكرة الرصينة، وللتجربة الحقيقية، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، مما يجعلنا الحاضنة الأصدق لجيل الكتاب المعاصرين.
باختصار: المواقع الثقافية المستقلة اليوم هي التي تحمل شعلة التنوير. الورق قد يتراجع كوعاء، لكن الفكر والثقافة لا يموتان، ومنصات كـ «المنار» هي الوعاء العصري الجديد الذي يضمن تدفق هذه الدماء في عروق الأجيال القادمة، ونحن نقود هذا التحول بكل مسؤولية وثقة.”
10 ما الفرق الجوهري بين النشر الإلكتروني والنشر الورقي من حيث الوصول إلى القارئ والتأثير والاستمرارية؟
“الفرق بين النشر الورقي والإلكتروني ليس مجرد فرق في ‘الوسيط’ أو الوعاء الناقل للمعلومة، بل هو فرق جوهري في سيكولوجية التلقي، وهندسة المعرفة، وآليات التأثير. من واقع عملي في الإدارة الثقافية والنشر الرقمي، يمكنني تفكيك هذه الفروق عبر ثلاثة محاور رئيسية:
- من حيث الوصول إلى القارئ (الآنية والفرص المتكافئة):
الورقي: محكوم بجغرافيا التوزيع، وسلاسل الشحن، والموافقات الجمركية، وحدود المقاطعات؛ فالكتاب أو المجلة قد يستغرق أشهراً ليصل من عاصمة عربية إلى أخرى، فضلاً عن تكلفته المادية التي قد ترهق القارئ.
الإلكتروني: يمتاز بـ ‘الوصول العابر للقارات في جزء من الثانية’. النشر الإلكتروني أسقط الحدود وجعل المعرفة ديمقراطية؛ فالقصيدة أو الدراسة الأكاديمية التي ننشرها في «المنار» يقرؤها في اللحظة ذاتها باحث في الموصل، وقارئ في المغرب العربي، ومغترب في نيويورك [cite: ]. الوصول هنا آني، ومجاني، ومتاح لكل من يملك شاشة ومتصفحاً.
- من حيث التأثير (التفاعلية الحية مقابل الجمود البصري):
الورقي: تأثيره أحادي الاتجاه ورجعي الصدى (One-way communication). القارئ يتلقى النص سلبياً، وإذا أراد التعقيب أو التفاعل، فعليه مراسلة بريد المجلة وانتظار الأعداد القادمة، مما يقتل حيوية النقاش.
الإلكتروني: تأثيره ديناميكي وتفاعلي لحظي. النص الإلكتروني كائن حي؛ يتيح للقارئ التعليق فوراً، ومشاركة المادة عبر منصات التواصل، وإثارة حوار ونقاش نقدي يثري النص الأصلي. علاوة على ذلك، يتيح النشر الإلكتروني دمج الوسائط المتعددة (الروابط التشعبية، الصور، الفيديوهات، الإيضاحات البصرية) مما يعزز تجربة التلقي ويجعل التأثير أعمق وأكثر حساً وعصرية.
- من حيث الاستمرارية والأرشفة (الأبدية الرقمية مقابل الفناء الفيزيائي):
الورقي: عمره الافتراضي محكوم بمتانة الورق وظروف التخزين والحرائق والرطوبة، والمجلات الورقية سرعان ما تنفد أعدادها من الأسواق وتصبح حبيسة رفوف المكتبات المغلقة أو طي النسيان.
الإلكتروني: يمتلك ميزة ‘الأرشفة الأبدية القابلة للاستدعاء’. النص الإلكتروني لا ينفد من المخازن؛ وبفضل محركات البحث والفهرسة الرقمية، يمكن لباحث بعد عشر سنوات أن يستدعي مقالاً أو قصيدة نُشرت اليوم بضغطة زر واحدة. الاستمرارية هنا مضمونة تقنياً، بل إننا نعمل الآن على الارتقاء بموقعنا ليتوافق مع المعايير الأكاديمية المحكمة دولياً لضمان توثيق وأرشفة البحوث في كبرى الفهارس الرقمية العالمية، مما يمنح المادة المنشورة عمراً معرفياً لا ينتهي.
خلاصة القول:
النشر الورقي يمتلك هيبة الكلاسيكية ونوستالجيا الملمس، لكن النشر الإلكتروني يمتلك المستقبل والقدرة على البقاء. إنه يمنح الفكرة أجنحة لتطير، ويضمن ألا تموت الكلمة الجادة بموت الوعاء الذي يحملها.”
11 هل ساهم النشر الإلكتروني في إنقاذ الثقافة العربية أم في تشتيتها وتسطيحها؟ (رأيك في ظاهرة «أدب السوشيال ميديا» و«الكتابة السريعة»؟ هل هي إثراء للأدب أم تهديد له؟)
“هذا السؤال يضعنا أمام ذروة الإشكالية الرقمية المعاصرة. وفي تقديري، فإن النشر الإلكتروني هو ‘أداة ومسار’ وليس غاية في حد ذاته؛ لذا فهو لم يقم بإنقاذ الثقافة العربية بالمطلق، ولم يتسبب في تشتيتها وتسطيحها بالمطلق، بل فعل الأمرَين معاً، تبعاً لكيفية استخدام هذه الأدوات.
وإذا أردنا تشريح هذه الجدلية، لا بد أن ننظر إلى شقّي العملة:
الجانب المشرق (الإنقاذ والإتاحة):
النشر الإلكتروني أنقذ الثقافة العربية من ‘موت الاختناق الجغرافي والمالي’. لقد أتاح للمخطوطات والروائع والمجلات الرصينة أن تخرج من قمقم النخب الضيقة والمستودعات المنسية لتصبح في متناول الشباب العربي في كل مكان. هذا الانتشار خلق حراكاً معرفياً عابراً للحدود لم يكن ليتحقق في عصر الورق.
رأيي في ظاهرة «أدب السوشيال ميديا» و«الكتابة السريعة»:
عندما نأتي إلى الفضاء المفتوح المتمثل في منصات التواصل الاجتماعي، فإننا نواجه ظاهرة مغايرة تماماً للنشر الإلكتروني المنضبط. إن ما يُسمى بـ ‘أدب السوشيال ميديا’ و’الكتابة السريعة’ يمثل، في نظري، تهديداً حقيقياً لعمق الأدب ورصانته، وليس إثراءً له، وذلك لعدة أسباب جوهرية:
- غياب سلطة ‘المصفاة النقّادة’:
في الماضي، كان النص يمر عبر لجان قراءة، ومحررين، ومدققين لغويين، ونقاد يفحصون متانته وبنيته وموازينه الشعرية قبل أن يرى النور. اليوم، ألغت وسائل التواصل الاجتماعي هذه ‘المصفاة’، فأصبح بإمكان أي شخص أن ينشر ما يشاء في لحظة واحدة. هذا الغياب حوّل المشهد إلى سيولة لغوية وفوضى إبداعية، واختلط الحابل بالنابل. - طغيان خوارزميات ‘اللايك’ والتسطيح:
الأدب الحقيقي يتطلب تأملاً، وعمقاً، وقراءة متأنية تفكك النص. أما خوارزميات وسائل التواصل فهي مصممة من أجل ‘السرعة والإثارة واجترار التفاعل اللحظي’. هذا الضغط جعل بعض الكُتّاب الجدد يتنازلون عن الجزالة اللغوية والعمق الفلسفي، ويهبطون بمستوى النص إلى قوالب سطجية ومبسطة ومبتذلة أحياناً، فقط من أجل إرضاء الجمهور الرقمي السريع وصيد ‘اللايكات’. - تشويه الذائقة الأدبية للأجيال الجديدة:
الخطورة الكبرى تكمن في أن الجيل الجديد من القراء بات يتخذ من هذه المقطوعات السريعة والخواطر المفككة معياراً للأدب والجمال. إنهم يبتعدون عن قراءة الروايات الكبرى، والمسرحيات الفلسفية المعقدة (لإبسن أو شكسبير)، وعيون الشعر العربي المحكوم بالبحور والأوزان الرصينة (كـ ‘الوافر’ وغيره)، مستعيضين عنها بنصوص برقية عابرة تفتقر إلى النسغ الإبداعي الحقيقي.
الخلاصة وموقعنا في المعركة:
بناءً على ذلك، أنا لا أرى ‘أدب السوشيال ميديا’ إثراءً، بل هو ظاهرة استهلاكية طفيلية على جسد الأدب الحقيقي.
وهنا تحديداً تبرز رسالتنا ومسؤوليتنا في مجلة «المنار الثقافية الدولية». نحن نسعى لأن نكون ‘مضاداً حيوياً’ لهذا التسطيح الرقمي. نحن نستخدم التقنية الإلكترونية الحديثة وسرعة وصولها، ولكننا نُصرّ على تطبيق صرامة النشر التقليدي؛ نفحص النصوص، ونحكّم البحور الشعرية، ونلتزم باللغة الرفيعة، ونسير بخطى حثيثة نحو تحويل المنصة إلى مجلة أكاديمية محكّمة دولياً.
المعركة اليوم ليست بين الورق والإلكتروني، بل هي معركة بين العمق والتسطيح، وواجبنا كمثقفين وأكاديميين هو الانتصار للعمق والأصالة مهما بلغت موجات السطحية.”
12 في ظل كل هذه المتغيرات السريعة التقنية والاجتماعية والسياسية وغيرها كيف يبدو لك واقع الأدب العربي الجديد (الرواية، الشعر، القصة)؟… أبرز الظواهر الإيجابية والسلبية؟
“واقع الأدب العربي الجديد اليوم يعيش حالة مخاض كبرى؛ فهو يقف على أرض قلقة تمور بالتحولات السياسية، والاضطرابات الاجتماعية، والهجرات، فضلاً عن السطوة التكنولوجية العارمة. هذا الواقع لم يعد ينتج أدباً هادئاً أو كلاسيكياً بالمعنى التقليدي، بل بات ينتج أدباً قلقاً، حاراً، ومرتبكاً أحياناً.
وإذا أردنا تشريح هذا الواقع عبر الأجناس الأدبية (الرواية، الشعر، القصة)، يمكننا رصد أبرز الظواهر الإيجابية والسلبية على النحو التالي:
أولاً: الظواهر الإيجابية (مواطن القوة والتجدد)
- طفرة الرواية العربية وتدويل القضايا المحلية:
تعيش الرواية العربية اليوم عصرها الذهبي من حيث الانتشار والاشتباك مع الواقع. أصبحت الرواية هي ‘ديوان العرب الجديد’ القادر على توثيق التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى (كالحروب، واللجوء، وصدمات الهوية). الإيجابي هنا هو قدرة الروائيين الشباب على الغوص في المحلية الشديدة وتقديمها بقوالب سردية حديثة جعلتها تتجاوز الحدود وتُترجم عالمياً. - اتساع أفق التجريب ومثاقفة النصوص:
ثمة جرأة واضحة لدى الأجيال الجديدة في تجريب تقنيات سردية وشعرية غير مألوفة. هناك دمج ذكي بين الفنون؛ فنرى القصيدة أو الرواية تشتبك مع السينما، والمسرح، والتقنيات الرقمية. كما ظهرت مسحة من ‘المثاقفة الواعية’ نتيجة اطلاع المبدعين على الآداب العالمية (الأدب الغربي، والواقعية السحرية، وغيرها) وصهرها في قالب الهم العربي المعاش. - انتعاش القصة القصيرة جداً والومضة:
كاستجابة لسرعة العصر، شهدنا انبعاثاً جديداً للقصة القصيرة والقصيرة جداً (الومضة). الإيجابي في هذه الظاهرة هو قدرة بعض المبدعين على التكثيف الشديد، واقتناص المفارقات الساخرة والعميقة في سطور قليلة، وهو تكثيف نرى ظلاله الفلسفية حتى في مسارح العبث العالمية.
ثانياً: الظواهر السلبية (مواطن الخلل والتراجع)
- أزمة الشعر الكلاسيكي والسيولة النثرية:
في مقابل انتعاش السرد، يعاني الشعر العربي الجديد من معضلة حقيقية. ثمة استسهال مخيف في الهروب من منضبط بحور الشعر العربي وموازينه وقوافيه (كـ ‘الوافر’ و’البسيط’ وغيرها) نحو قصيدة النثر العابرة. السلبية هنا ليست في قصيدة النثر كجنس أدبي له رواده، بل في اتخاذها ‘غطاءً’ لضعف الأدوات اللغوية وغياب الموهبة، مما أغرق الساحة بنصوص نثريّة باردة تفتقر إلى الموسيقى الداخلية والعمق الشاعري. - الاستسهال الإبداعي والاستعجال في النشر:
تحت إغراء النشر الرقمي السريع والمنصات المفتوحة، تراجعت ظاهرة ‘تخمير النص’ وصقله. بتنا نرى أعمالاً رواية وقصصية تخرج متلاحقة دون مراجعة لغوية أو حبكة متماسكة، تفتقر إلى العمق المعرفي والنقدي، وتعتمد فقط على الإثارة العابرة لتسويقها رقمياً. - طغيان ‘أدب التروما’ (الوقوع في فخ جلد الذات):
نظراً للمتغيرات السياسية الصعبة في المنطقة، وقع جزء غير قليل من الأدب الجديد في فخ الاستغراق البكائي والاجترار المستمر للألم والصدمات (التروما)، وأحياناً تسويق هذه السوداوية لإرضاء ذائقة الجوائز أو دور النشر الغربية، بدلاً من تحويل الألم إلى طاقة إبداعية فلسفية وتفكيك بنيوي وعميق للأزمات الإنسانية.
خلاصة المشهد:
واقع الأدب العربي الجديد غني وحيوي جداً، لكنه كالنهر الجارف يحمل التبر ويحمل الزبد. دورنا نحن كأكاديميين، وكصُنّاع منابر ثقافية مستدامة مثل «المنار الثقافية الدولية»، ألا نقف موقف المتفرج الحزين على السلبيات، بل أن نفتح الأبواب لكل ظاهرة إيجابية تجريبية واعية، ونضع المصافي النقدية والأكاديمية الصارمة التي تحمي لغتنا وأصالتنا المعرفية من موجات الاستسهال، لنضمن بقاء الأدب الذي يستحق البقاء.”
13 هل نعيش اليوم «أزمة قراءة» حقيقية، أم أننا نعيش تحولاً في نوعية القراءة وأدواتها؟
“الشائع في المجالس الثقافية هو إطلاق الأحكام الجاهزة من قبيل ‘أمة اقرأ لا تقرأ’، وأننا نعيش أزمة قراءة خانقة. لكنني كأكاديمي ورئيس تحرير أرى المشهد بزاوية مختلفة تماماً: الإنسان المعاصر يقرأ اليوم أكثر من أي وقت مضى في التاريخ البشري، لكنه يقرأ بطريقة مختلفة، ومن أوعية مختلفة.
نحن لا نعيش ‘أزمة قراءة’، بل نعيش ‘تحولاً بنيوياً في أدوات القراءة وسلوكيات التلقي’، ويمكنني توضيح ذلك من خلال نقطتين:
- الانفجار الكمي ومفهوم ‘القراءة الشاشة’:
لو حسبنا عدد الكلمات التي يطالعها الفرد يومياً عبر شاشات الهواتف، والحواسب، والمواقع الإلكترونية، والمنصات الثقافية، لتجاوزت أضعاف ما كان يقرؤه الإنسان في عصر الورق. القراءة لم تتوقف، بل تحولت من ‘الصفحة الفيزيائية’ إلى ‘الشاشة الرقمية’. المعرفة أصبحت متاحة ومجانية، والوصول إليها بات ديمقراطياً وفورياً. - التحول من ‘القراءة العميقة’ إلى ‘القراءة الساحبة’ (المسح البصري):
الأزمة الحقيقية ليست في غياب القراءة، بل في تراجع جودتها وعمقها.
في عصر الورق: كانت القراءة طقساً يتطلب عزلة، وتركيزاً، وتأملاً خطياً (من البداية إلى النهاية)، وهو ما يسمى بـ ‘القراءة العميقة’ (Deep Reading) التي تبني الفكر النقدي وتخزن المعلومات في الذاكرة طويلة المدى.
في العصر الرقمي: تحول السلوك القرائي إلى ما يُعرف بـ ‘القراءة الساحبة’ أو المسح البصري السريع (Skimming / Scanning). القارئ المعاصر يمر على النص بشكل حرف (F)، يقرأ السطور الأولى ثم يقفز سريعاً لالتقاط الكلمات المفتاحية وسط سيل من المشتتات والروابط والإشعارات.
التشخيص والحل:
نحن إذن أمام تحول في الوعاء وسلوك التلقي، وهذا التحول أفرز تحدياً اجتماعياً ونفسياً خطيراً هو تشتت الانتباه. لقد أصبح من الصعب على الجيل الجديد الجلوس لساعتين لقراءة مسرحية لشكسبير أو ديوان شعري كلاسيكي، ليس لأنه لا يحب القراءة، بل لأن دماغه أعتاد على ‘جرعات الدوبامين السريعة’ التي توفرها النصوص البرقية القصيرة.
كيف نتعامل مع هذا التحول؟
في مجلة «المنار الثقافية الدولية»، نحن لا نقف نادبين حظ الورق، بل نواجه هذا التحدي بأدوات العصر ذاته. الحل ليس في إجبار القارئ على العودة للورق، بل في ‘أنسنة وتجويد المحتوى الرقمي’. نحن نقدم له في الفضاء الرقمي نصوصاً رصينة، محكّمة، ومصاغة بذكاء بصري وتقني يجتذب انتباهه، دون أن نتنازل عن جزالة اللغة وعمق الفكرة.
الهدف اليوم هو تدريب الأجيال على ‘التعددية القرائية’؛ أن يعرف متى يقرأ قراءة رقمية سريعة للاطلاع، ومتى يعود إلى القراءة المتأنية العميقة لبناء الوعي وتفكيك الأفكار الكبرى.”
14 كيف تقيّم حضور الثقافة العربية حالياً على الساحة الدولية؟
حضور الثقافة العربية حالياً على الساحة الدولية حاضر بقوة إبداعياً، لكنه غائب مؤسساتياً. ويمكن تلخيصه في نقطتين:
الإيجابي (الجهود الفردية): هناك اختراقات مميزة بفضل السينما المستقلة، الروايات المترجمة، والمعارض الفنية التي يقودها مبدعون عرب بجهودهم الخاصة، مما أثار فضول الغرب لإنتاجنا.
السلبي (الضعف الهيكلي): ناصية التأثير العالمي ما زالت بيد المؤسسات، ونحن نفتقر إلى مشاريع ترجمة عكسية منظمة، ودعم حكومي ومجتمعي مستدام، وتسويق محترف يفرض هويتنا بعيداً عن الصور النمطية.
15 لو نتحدث قليلا عن الوضع الثقافي في العراق، كيف تقيّم الوضع الثقافي في عراق اليوم، خاصة بعد الدمار الذي لحق بالمؤسسات الثقافية والجامعات وهجرة المبدعين في السنوات الماضية؟
الوضع الثقافي في عراق اليوم يعيش مرحلة “النهوض من تحت الرماد”، ويمكن تقييمه عبر معادلة صعبة تجمع بين فداحة الخسائر وعناد الإبداع:
التحديات والصدمات: الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، والمكتبات، والجامعات (لا سيما في مدن عريقة كالموصل)، بجانب هجرة العقول والمبدعين، أحدث فجوة جيلية وهيكلية عميقة في جسد الثقافة العراقية.
المقاومة والإحياء: رغم هذه النكبات، يشهد العراق حراكاً ثقافياً مذهلاً يقوده الشباب والمؤسسات المستقلة. عودة المهرجانات الأدبية، إعمار الصروح الأكاديمية والتاريخية، وانتعاش حركة النشر والمكتبات، كلها أدلة على أن الهوية المعرفية العراقية تمتلك جينات البقاء والتجدد.
16 ما هو دور المثقف العراقي في إعادة بناء الهوية الثقافية العراقية خصوصا في ظل تعدد الهويات الطائفية والاثنية
دور المثقف العراقي اليوم هو أن يكون “مهندس السلم الأهلي وجسر الهوية الجامعة”، ويتلخص دوره في ثلاث نقاط أساسية:
تفكيك الخطاب الطائفي: من خلال تقديم نقد معرفي صارم يعرّي محاولات تسييس الهويات الفرعية (الطائفية والإثنية)، وإعادة الاعتبار للمشترك الإنساني والوطني التاريخي.
الاحتفاء بالتنوع كعنصر قوة: المثقف لا يلغي الخصوصيات (العربية، الكردية، التركمانية، السريانية وغيرها)، بل يبرزها كلوحة فسيفسائية تغني الهوية العراقية الكبرى، تماماً كما يلتقي المسرح الغربي بالشعر العربي في فضاء معرفي واحد.
تأسيس منابر مستقلة وعابرة للمكونات: عبر قيادة منصات ثقافية وأكاديمية رقمية (مثل «المنار الثقافية الدولية») تجمع المبدعين على أساس جودة الإبداع ورصانة الفكرة، بعيداً عن أي انتماءات ضيقة.
17 موضوع آخر على غاية الأهمية … الذكاء الاصطناعي، هل هو فرصة أم تهديد وجودي للإبداع البشري؟
الذكاء الاصطناعي في نظري هو “مساعد رقمي جبار وليس بديلاً عن الروح الإنسانية”؛ فهو يمثل فرصة كبرى وأداة تطور، وليس تهديداً وجودياً للإبداع الحقيقي، وذلك لسببين:
الذكاء الاصطناعي كفرصة (أداة للتمكين): هو أداة مذهلة لتطوير البنية التقنية للمنصات، وتنظيم شبكات النشر الضخمة، وتسهيل الأرشفة والبحث المعرفي. كما أنه يختصر الوقت في الترجمات الأولية والعصف الذهني البصري، مما يمنح المبدع مساحة أكبر للتركيز على العمق والفكرة.
الذكاء الاصطناعي ليس تهديداً (حدود الآلة): الآلة قادرة على محاكاة الأنماط، وتركيب الجمل، ووزن القوافي آلياً، لكنها تفتقر تماماً إلى “الوعي، والتجربة الإنسانية الحية، والمعاناة”. الآلة لا تعيش ألم الغربة، ولا صدمة الفقد، ولا تستطيع ابتكار عاطفة صادقة أو تجربة وجودية كالتي يصوغها الشاعر في قصيدته أو المخرج في مسرحه
19 هل جرّبت استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عملك الثقافي (كتابة، ترجمة، تحرير)؟ وما هي رؤيتك لمستقبل المواقع الثقافية مثل «المنار الثقافية الدولية» في عصر الـ AI؟
نعم، لقد دمجنا أدوات الذكاء الاصطناعي في عملنا في «المنار الثقافية الدولية» بوعي وحذر؛ فنحن نستخدمها كـ “مساعد تقني وتحريري” لتنظيم قاعدة بيانات المجلة، وتدقيق الأكواد، وتسهيل الأرشفة، وحتى في العصف الذهني لتطوير الواجهات البصرية للموقع والمواد الإعلانية. أما في جوانب الإبداع الذاتي كصياغة الشعر، والترجمة الأدبية الروحية، والتحكيم النقدي، فالقلم يظل إنسانياً خالصاً لأن الآلة لا تملك وعياً أو تجربة شعورية.
رؤيتي لمستقبل المنصات الثقافية في عصر الـ AI:
في زمن التدفق الهائل للمحتوى الآلي، أرى مستقبل منصات كـ «المنار» ينحصر في مسارين حتميين:
- التحول إلى “ملاذات الموثوقية والأصالة”:
مع غرق الإنترنت بنصوص سريعة ومكررة تولدها الآلة، سيبحث القارئ النخبوي عن منصات تضمن له محتوى بشرياً عميقاً. مستقبلنا يكمن في أن نكون “المصفاة” التي تفحص النصوص، وتحكّم البحور الشعرية، وتقدم فكراً رصيناً لا تصنعه الخوارزميات. - مأسسة النشر والارتقاء الأكاديمي دولياً:
الذكاء الاصطناعي يفرض علينا التطور التقني؛ لذا فإن رؤيتنا المستقبلية لترقية «المنار» إلى مجلة أكاديمية محكّمة دولياً ستعتمد على تطويع الـ AI في الفهرسة الآلية، وتسهيل عمليات الترجمة الذاتية للملخصات، وتطبيق معايير التوثيق الدولية، لفرض الحضور العربي في كبرى المستوعبات البحثية العالمية.
في نهاية اللقاء الثر والممتع نتقدم بالشكر والتقدير للدكتور ازهر سليمان على تخصيصه مساحة من وقته لهذا اللقاء.





