مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءة نقدية في قصيدة (سلام) للشاعر ازهر سليمان✍️د.خالدة مرزوق-النرويج

القصيدة التي بين أيدينا (سلام) للشاعر ازهر سليمان من العراق تنتمي إلى فضاء الشعر الحر (قصيدة التفعيلة)، حيث تتكثف الصور الرمزية وتتداخل الأصوات الداخلية لتشكّل مشهدًا وجدانيًا مشحونًا بالأسى والخذلان. لغة بسيطة تتفاعل مع انزياحات شعرية بكلمات حبلى بالمعاني.

القصيدة:

قصيدة شعرية باللون الأسود والأبيض، تحمل عنوان 'سلام' للشاعر أزهر سليمان. تحتوي على نص مكتوب بخطوط فنية وتصميم يبرز صورة وجه امرأة مع إضاءة خافتة في الخلفية. تبرز الأضواء من أعمدة الإنارة، مما يخلق جوًا مظلمًا وحزينًا يعكس موضوع القصيدة.

يمكن تقسيم القراءة النقدية إلى مستويات عدّة:

الانفتاح على الشعر الحر: النص لا يلتزم بوزن تقليدي أو قافية موحّدة، بل يعتمد على الإيقاع الداخلي الناتج عن التكرار (“سلام… سلامْ”)، وعن التوازي بين الجمل القصيرة والمتقطّعة واستخدام تفعيلة بحر المتقارب (فعولن / فعول).

التقطيع البصري: توزيع الأسطر القصيرة (“وحدي بقيتُ / أحاورُ ظلّي”) يخلق فراغًا بصريًا يعكس الفراغ النفسي للشاعر.

التكرار: كلمة “سلام” تتكرر في بداية النص ونهايته، لكنها تتحوّل من معنى المصالحة إلى معنى المفارقة والخذلان، ما يضفي على النص طابعًا دائريًا مأساويًا.

المفارقة بين السلام والخراب: يبدأ النص بسلامٍ ظاهري، لكنه ينكشف عن جوع، بكاء، وركام. هذه المفارقة هي محور النص، إذ يفضح التناقض بين الكلمات المطمئنة والواقع المأساوي.

الليل كرمز: “الليل يطفئُ كل منايا” يوحي بالانطفاء، بالخذلان، وبالظلام الذي يبتلع الأحلام. الليل هنا ليس راحة، بل محوٌ للأمل.

الطفل والجوع: صورة “رعشة طفل تسربل جوعًا بذاك الفطام” تحمل قوة مأساوية، إذ تجمع بين البراءة والحرمان، وتحوّل الفطام الطبيعي إلى رمز للفقد القاسي.

الركام: النهاية مع “حبيبكِ تحت الركام” هي ذروة النص، حيث يتجسد الموت والدمار كخاتمة لكل محاولات التماس السلام.

الحوار الداخلي: الشاعر يحاور ظلّه، في إشارة إلى العزلة والانكسار، وكأن الذات لم تعد تجد مخاطبًا سوى انعكاسها.

الخذلان العاطفي: النص يلمّح إلى علاقة عاطفية أو إنسانية انتهت بسلامٍ بارد، تاركة وراءها فراغًا ودمارًا.

الانكسار الجمعي: رغم الطابع الشخصي، فإن صور الركام والجوع والطفل تتجاوز الفرد لتشير إلى مأساة جماعية، ربما حرب أو كارثة.

اللغة المكثفة: استخدام كلمات قليلة لكنها مشحونة بالمعنى (“المصابيح”، “الركام”، “النحيب”) يمنح النص قوة تصويرية.

التضاد: بين الضوء والظلام، السلام والخراب، الطفولة والجوع، الحب والموت. هذا التضاد هو العمود الفقري للنص.

الإيقاع الداخلي: يتولد من التكرار ومن الوقفات الطويلة عند السكون (سلامْ، الركامْ)، ما يخلق موسيقى حزينة متقطعة.

القصيدة تنجح في تحويل تجربة شخصية إلى مشهد إنساني عام، حيث يتقاطع الحب مع الحرب، والوداع مع الموت، والسلام مع الخراب. إنها قصيدة قصيرة لكنها مشبعة بالصور الرمزية، وتترك أثرًا وجدانيًا قويًا لدى القارئ.

هذه القصيدة تقوم على المفارقة الكبرى: أن كلمة “سلام” التي يُفترض أن تحمل الطمأنينة، تتحول إلى كلمة فارغة، بل إلى شاهد على الخراب. النص يقدّم تجربة شعرية صادقة، مكثفة، ومفتوحة على التأويل، تجمع بين البعد الشخصي والبعد الجمعي، وتستثمر أدوات الشعر الحر في بناء مشهد مأساوي متكامل.

استطاع الشاعر ازهر سليمان في التفنن باستخدام اللغة الشعرية الثالثة للعربية والتي تقع بين العامية المتداولة والفصحى دون المساس بالقواعد النحوية المتعارف عليها للغة العربية. ان هذ النمط اللغوي الذي بدأه بدر شاكر السياب وطوره نزار قباني هو من يمنح القصيدة عبق الحاضر وواقعية المشهد والصورة. وأتمنى ان يقتدي شعراء الشعر العمودي بهذه النماذج من الشعر وترك الصور الشعرية المكررة واللغة الارستقراطية المتعالية لانها لاتصل الى نتيجة مطلقا.

تحيتي الى شاعرنا الرائع د.ازهر سليمان متمنية له دوام الموفقية

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading