عن الموصل – د.ازهر سليمان

عُرفت مدينة الموصل منذ عقود طويلة بسمات أهلها من شهامة وكرم وأخلاق رفيعة، وبإيمان عميق يميزهم. وقد شهد كثير من المستشرقين الذين زاروها على طيب هذه النفوس ونقاء معشرها. غير أنّ الأحوال لا تثبت على حال، فالأوضاع تتبدل مع الزمن.
بعد الحرب العراقية–الإيرانية نشأ جيل مختلف عن الأجيال السابقة؛ جيل عاش أهوال الحروب وتجرّع مرارة القهر والاستعمار المذل. انعكس ذلك على نفسيته وتربيته وأخلاقه، فانهارت البنى التحتية، وتراجع الاقتصاد إلى أدنى مستوياته، وضاعت فرص العمل التي كانت متاحة للجميع، وترهل التعليم في مختلف مراحله، وانتشر الفساد في كل زاوية. أمام هذا الواقع القاسي، اضطر كثير من أبناء الموصل إلى الهجرة طلبًا للأمان والعمل، من تجار وحرفيين وأكاديميين وعلماء وكتّاب.
ما نشهده اليوم في شوارع الموصل لا يعكس الصورة المشرقة التي عُرفت بها المدينة، بل هو انعكاس لمفاسد أفرزها الواقع الجديد. تغيّرت لغة التفاهم إلى عنف دامٍ، وتحولت الطيبة إلى كراهية وازدراء، وتقطعت صلة الأرحام إلا من رحم الله. لم يعد هناك عطف على الصغير، ولا احترام للمرأة أو كبير السن. مشاهد مؤلمة تتكرر كل يوم، تدمي القلوب وتثير الحنين إلى زمن جميل مضى. الكل في سباق نحو الأسوأ، غير مبالين بما يحدث لإخوانهم وأبناء جلدتهم.
ومع تهالك القانون في كثير من الدول العربية وغياب التشريعات التي تحمي حقوق المواطن، يبقى الدين الصحيح هو الركيزة الأولى للقيم الأخلاقية وضمان استمرارها. لكن للأسف، فقد شوهته السياسة وأضعفت أثره.
أردت أن أختم حديثي بطرح حل لهذه المأساة، فوجدت نفسي عاجزًا عن صياغة فقرة واحدة تخفف وطأة الألم. ومع ذلك، أستطيع القول إن الإصلاح يبدأ من الإنسان نفسه. نحن أبناء هذه المدينة المنكوبة مطالبون بمراجعة ذواتنا وإصلاح ما فسد منها قدر الإمكان، رحمةً بأجيالنا القادمة التي قد تستيقظ يومًا على هذه المآسي فتعتبرها مألوفة وتكرر ذات المسار.
إن إصلاح الذات وتهذيب السلوك لا يحتاج إلى شهادات أكاديمية أو تخصصات، بل هو شعور ضميري صادق ونقي، ينبع من الإيمان وحب الوطن. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: 11]







