الذاكرة والواقع/ د. ازهر سليمان

لست أدري إن كنا نكتب لجيلٍ ما زال موجودًا بالفعل، أم لذاكرةٍ جميلة نحاول استعادتها. فالأطفال الذين كبرنا معهم بين صفحات القصص الملونة وحكايات المغامرات لم يعودوا كما كانوا. لقد جذبتهم الشاشات بأضوائها المتوهجة، واحتلت الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل جزءًا كبيرًا من عالمهم، حتى غدت شخصيات القصص القديمة غريبة عن مخيلتهم. ومع ذلك ما زال كثير من كتّاب أدب الأطفال يكتبون بالآليات ذاتها، وكأن الزمن توقف عند طفولتنا نحن لا عند طفولتهم هم.
والأمر نفسه ينسحب على الرواية. فما زال الروائيون يكدّسون مئات الصفحات وهم يحلمون بقارئ يلتهم أعمالهم بشغف كما كان يحدث في عصور أخرى. غير أن الواقع العربي المثقل بالهموم اليومية والضغوط المعيشية جعل القارئ يميل إلى النص المختصر والخلاصة السريعة والمقتطفات المكثفة. لم يعد الوقت متاحًا للكثيرين كي يعبروا رواية من أربعمائة صفحة، لا بسبب ضعف الأدب، بل بسبب قسوة الحياة.
أما الشعر، فله حكاية أخرى. فقد حضرت مؤخرًا أمسية ألقى فيها أحد الشعراء قصيدة عمودية سليمة اللغة متينة البناء، لكنها كانت تستعير صورها وأخيلتها من مخزنٍ استُهلك طويلًا. وبينما كان الشاعر منشغلًا بإلقائه، كنت أراقب وجوه الشباب، فأبصرت ابتسامات ساخرة تتسلل إلى ملامحهم. لم تكن سخرية من الشعر العمودي بحد ذاته، وإنما من محاولات استنساخ الماضي بحروفه وصوره وأسلوبه وكأن قرونًا من التحولات الثقافية لم تمر.
إن المشكلة ليست في العمود الشعري، فهو أحد أعظم منجزات الأدب العربي، وإنما في الإصرار على إعادة إنتاج النماذج القديمة نفسها دون وعي بتحولات الذائقة والأجيال. فالزمن لا يقف ساكنًا، والأدب الذي لا يجدد أدواته يخاطر بأن يتحول من فن حي إلى قطعة متحفية جميلة يزورها الناس بإعجاب، لكنهم لا يعيشون فيها.
ولعل القصيدة العمودية بلغت ذروة حضورها في المراحل التي شهدت صعود المشاريع الوطنية والقومية الكبرى، حيث كانت اللغة الخطابية والإيقاع الرنان يستجيبان لروح العصر آنذاك. أما اليوم فالعالم يتغير، والإنسان يتغير، ووسائل التعبير تتغير. ولذلك فالتطور ليس خيارًا ترفيًّا، بل شرط من شروط البقاء.
قد يعود زمن آخر يعيد للعمود ألقه الجماهيري الواسع، وقد تتجدد شروط حضوره من جديد، لكن حتى ذلك الحين يبقى على المبدع أن يصغي إلى نبض عصره قبل أن يطلب من عصره أن يصغي إليه.



