الصورة الأولى لصيرورتي / عارف عبد الرحمن-سوريا

قبل النطق، عرفتُ أمي.
أعطاني الله ذاكرةَ الملامح
حين كان وجهي مائيًّا،
وحين كانت الذاكرة مزدحمةً
بمتاهاتٍ عبرتها حياةٌ أخرى،
وتركت على جدرانها
أصداءَ خطى لم أعرف أصحابها.
ربما لأتمكّن من تذويب العوائق،
وأنصتَ إلى ما لم تقله اللغة،
إلى ذلك النداء الخفيّ
الذي يسبق الكلمات.
كانت خفقةُ حبّي تحبو مثلي
تحت ركام الأيام،
وتحمل من عهدي الموشوم
بأفراحي العذبة
أثرًا لا تمحوه العواصف.
حين عرفتُ معنى الوعي،
بدت قدماي حافيتين،
كأنّ الأرض لم تكشف لي بعدُ
عن أسرار الطريق،
وكانت يداي وعدَين مترافقَين
لفتح الكتب،
وإيقاظ الحروف من سباتها،
والبحث بين الصفحات
عن حياةٍ ربما عشتها
قبل أن أعرف اسمي.
وحتى الآن،
ما زلت أفتح الكتب
كأنّني أفتح نوافذ الذاكرة،
وأبحث بين السطور
عن الملامح الأولى،
عن وجوهٍ لم يطمسها الزمن،
وعن شيءٍ منّي
ظلّ هناك،
في الجهة الأخرى من النسيان.
أُلقي أناشيدي فوق وجهي،
وأضع الطين الراجز
في سلّة ذهبية،
ثم أمضي إلى الصورة الأولى
في تكوين صيرورتي.
أمضي، لا لأعود كما كنت،
بل لأتعرّف إلى ما تبقّى منّي
بين الطين والضوء،
بين الذاكرة والنسيان،
بين الأم التي عرفتها قبل النطق
والكلمات التي ما زلت أجرّب بها
أن أقولني.



