الخلاص اللاهوتي / حميد المصباحي

أدرك الكائن البشري حتمية الموت، وهي الحقيقة المطلقة الأولى التي وعى بها وجوده المؤقت والمؤرق له في الوقت نفسه، وهي ما دفعه لتأمل ما حوله، مفكرا في كيفية استمرار الوجود بعد موته، مما مهد لأسئلة أخرى من قبيل، إلى أين أمضي بعد هذه الحياة القصيرة؟
من هنا كان إدراك التحول الذي يطال الجسد المنذر للزوال بعد الضعف أو المرض وحتى القتل، الحكاية عاشها الإنسان قبل أن يحكي عنها في البداية، ثم يؤولها في مرحلة لاحقة، ليهبها دلالات تتجاوز الملموس والجسدي، الذي اهتدى إلى أنه مجرد وعاء لشيء آخر، مغاير له ومختلف عنه ضرورة، وما دام الأول زائل ومعدوم، فالثاني خالد وأبدي.
وهذا الغائب لا بد له من اسم، به يتميز عن غيره ويسمو أيضا عليه، إنه النفس أو الروح الخالد ضرورة، ومصدر كل سعادة لأنه ضد الفناء والزوال، والإنسان يهاب النهاية والشيخوخة وكل مهدد لاستمراره، إذ الموت مؤرق لكل كائن واعي بوجوده، بإدراكه لحقيقة الموت كمعطى مطلق وجوده، ولذلك كان الإنسان مهووسا بمطلق وجود آخر، يهزم الموت نفسه، موقفا زحفه نحو الكائن العاقل، ليطرح السؤال، فمن أين أتى الموت ولماذا هو موجود وما هي غايته؟؟
1 الموت لاهوتيا:
الموت في اللاهوت اليهودي والمسيحي، كان حصيلة للخطيئة التي اقترفها آدم، بعصيانه للوصية، التي أمرته ألا يأكل من شجرة معرفة الشر والخير، إذ خاطبهما الإله: إن أكلتما منها فموتا تموتان. مما يعني أن الموت لم يكن مصيرا للإنسان إلا بعد اقترافه للخطيئة وعصيانه لأول وصية أمر الرب بالامتثال لها وعدم تكسير أمره، مما أوجب فداء تمحى به بدون المس بعدالة الله، فكل دم لا يغفر إلا بدم وألم، من هنا تولدت ضرورة القرابين لنيل الغفران أو التخفيف من الذنوب وغفرانها، لكن غفران الخطيئة الأولى لا يمحى بالقرابين الحيوانية، فهو أعظم منها، بل لابد من الفداء الأعظم، الذي هو المسيح، أي يسوع البشري الفداء، الذي تحقق بالدم والجسد ويقوم من الموت كبشارة للذين يرغبون في خلود أرواحهم من خلال الإيمان بالمسيح الفادي، لكن هذا الخلود ليس جسديا، بل بجسد آخر، ملائم للملكوت الإلهي، الذي صعد إليه المسيح ليعده للقادمين إليه بعد إيمانهم بفدائه لهم ومحو خطيتهم الموروثة.
هنا الخلاص الإلهي بالمسيح المخلص من الخطيئة التي طالت البشر جميعا، ولم ينج منها حتى الأنبياء والرسل أنفسهم، وبهذا الإيمان يحدث الخلاص دنيويا وأخريا أو حتى بعد العودة الثانية للمسيح، في آخر الزمن ليصعد للملكوت المؤمنون به وينسحق غيرهم من مكذبين وكفار، إنها النهاية وتحقق الخلاص الأبدي حيث نهاية العالم والوجود، لكن إن كان هذا هو الخلاص المسيحي وإلى حد ما اليهودي الذي ما يزال ينتظر المخلص أي المسيح، وما شابه ذلك إسلاميا، من حيث نهاية العالم وحشر الناس فيما يعرف بالقيامة، لينال الجنة المسلم ويلقى في الجحيم غير المسلمين حتى لو كانوا من أهل الكتاب، يهودا ومسيحيين، مع وجود آيات قرآنية تؤكد أن الذين هادوا والنصارى والصابئين من عمل صالحا وآمن بالله واليوم، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أو الله يحكم بينهم في آيات أخرى، لكن النسخ في الفقه الإسلامي يؤخر ويقدم حسب الحالات والمذاهب الفقهية، لكن الكل مصر أن الخلاص، أي الجنان التي لن ينالها اليهود ولا المسيحيون مهما قيل عنهم ما لم يعلنوا الشهادتين، فالإيمان بالله وحده غير كاف ولا ينال به المؤمن خلاصا.
فهل هناك خلاص آخر في ديانات أخرى غير لاهوتية أو لاهوتية بصيغ غير يهودية أو مسيحية؟
2 إسلاميا:
لا يعتبر خلاصا، لكنه بوابة الدخول لعالم الجزاء، حيث العذاب أو النعيم وفق ما عمل الإنسان في دنياه، فإن غلب خيره شره، كان من الفائزين، فأما إن كانت شروره أكثر من خيره، عوقب بالجحيم وساءت مصيرا.
الخلاص في هذه الحالة هو الخلود في النعيم، التي تختلف عن نعيم المسيحية، فالمسلم ينتظر بفارغ الصبر حياة أخرى أكثر متعة وسعادة، بخلوها من المرض والموت وكل أشكال المعاناة والحرمان التي عرفها في الدنيا أو عاشها، فالجنان خلود أبدي ومتع أبدية في دوامها مع الحور لتجسيد متعة الجنس مع شراب وخمر لا يسكر وأطعمة لم يتذوق مثلها في دنياه وربما لم يسمع بها ولم يطلها حتى خياله، وكأن الدنيا كانت مجرد تعريف بتلك المتع وتنبيه إلى أقصاها لذة ودواما وطولا في الزمن، وقد أبدع الفقه الإسلامي في تصويرها، تصويرا له سنده في الأحاديث، لكنه مطور بغيره، ليصير ذلك العالم مثيرا بكل ما فيه ومختلفا عما عرف في الحياة، لكنه حتما ليس شبيها بعالم المثل العقلاني الأفلاطوني، بحيث لا مجال فيه للمعرفة كمتعة وجمال، فكل ما يهم هو المتع الخالدة والسلام الأزلي.
3الخلاص البوذي:
آسيا بعجائب الهند فيها، انبثقت من هندوسيتها بوذية غريب خلاصها، فهي لا جنان فيها ولا متع، بل ظهرت كمحاولة للتخلص من الشيخوخة والمرض والموت، بفهم هذه الحالات والتغلب عليها من خلال آليات انتقال النفس في دورة خالدة وانتقالها الروحي المستمر إلى أن تصير روحا مستقلة عن هذا العالم، وتحقق بذلك السمو المأمول بعد اعتبار الحياة مجرد مآسي متكررة والقبول بها كما فعلت الهندوسية، إن البوذية مقترح روحي، يرى خلاص الروح في روحانيتها التي تفهم الشرط الإنساني مسيجا بمصير يمكن التحكم فيه بوعي لا يتنكر للمآل، لكنه يدرك الحال بآلية لا تتجاهله أو تنساه، بل تنخرط في محاولات عديدة لتدرك قدراتها فتعمل وفقها، بحيث تدرك قدرات الجسد، فلا تنهكه وقدرات الروح فلا تغالي في التنكر لحاجاتها أو الهروب منها، إنها حكمة بوذية قائمة على خلق التوازن بين الممكن والمأمول والطموح.
إن البوذية حكمة دينية أو لنقل دين حكمي فلسفي، فلسفته، لا تعادي الديانات ولا تحرض عليها أو على ما يناقضها من فلسفات إلحادية أو تنكرية لما هو روحي أو روحاني.



