الأخلاق والسياسة في عصر الذرة/أ. تيتارينكو-ترجمة شوقي جلال

لم يشهد التاريخ قرنًا من الزمان مُعقدًا ومتناقضًا مثل القرن العشرين الذي نعيش فيه، حيث تتزايد عجلة التقدُّم التاريخي بمعدلٍ مهول. وها نحن نرى قاراتٍ بأكملها تغلي وتختمر، والرجعية العالمية تحاول في يأسٍ أن تقاوم وتُعرقل نمو القوى الثورية. وأصبح الصراع بين النظامَين الاجتماعِيَّين العالميَّين، النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي، هو الاتجاه الرئيسي لحركة التقدُّم الاجتماعي المعاصر. ويمثل النظامان اتجاهَين تاريخِيَّين أساسيين — أحدُهما اتجاه خلَّاق يدفع بحركة التقدُّم الاجتماعي إلى الأمام، والثاني اتجاه رجعي يدعم القهر ويؤكده. وها هو ذا الاتجاه الاجتماعي التقدُّمي الذي يُمثل النظام الاشتراكي قلعته الحصينة، يتقدم باطرادٍ ويقهر كل الصعاب. بيد أن تقدُّمه ليس سهلًا ليِّنًا. إن تأكيد هذا المنحنى التاريخي، وهو تقدُّم البشرية وصولًا إلى المثل العليا للشيوعية، ليس عملية تلقائية يسيرة، بل هو ثمرة صراع ونتيجة جهد اجتماعي خلَّاق من جانب ملايين البشر. وطبيعيٌّ أن مثل هذا الجهد الخلَّاق والمُبدع مثله كمثل كل عملية خلقٍ وإبداع بوجهٍ عام لا بد وأن يقهر صعابًا وأخطاءً وأوهامًا، ولا سبيل إلى تحقق كل هذا إلا بفضل الجهود الواعية من جانب الشعب العامل ومُبادرته الحرة الطليقة.
إن عشرات السنين الماضية حملَت مِن المعاناة والألم ما لم يشهد له البشر مثيلًا من قبل. فقد شهدت هذه الحقبة من الزمان ظهور طاعون الفاشية وانتشاره حتى بلغ ذُروتَه في الحرب العالمية الثانية، وفتك بما يقرُب من خمسين مليونًا من صرعى الحرب، وأفسد حياة مئات الملايين من البشر. وجاءت في أعقابها الحرب الباردة التي نراها بين الحين والآخر تهبُّ «ساخنة» فتجلب معها القسوة والوحشية والمعاناة. وتشهد أيضًا الآن الثورة العلمية والتكنولوجية التي تُغير من طبيعة الاقتصاد وتؤثر بقوة على العلاقات الاجتماعية فتُغير من حياة الملايين. بيد أنها في يد القوى الرجعية الإمبريالية تخلق الشروط المادية لاندلاع حرب جديدة قد تَفنى معها الأمم قاطبة.
والملاحظ أن الصراعات والهبَّات، والنبض السريع للحياة الاجتماعية في القرن العشرين، كل هذا يدفع الأيديولوجيين إلى التأكيد على أن التقدُّم الاجتماعي إنما يرتكِز على دعائم واهية. ويقول هؤلاء: لقد فقدت البشرية وجهتها وضلَّت السبيل وباتت تقِف على عتبة الفناء الشامل، وليس عصرنا غير الغسق الذي يسبق الظلمة الحالكة — زوال الحضارة قاطبة — ويزعمون أيضًا أن الصراع السياسي في عصر الذرة لن يُفضي إلَّا إلى نتيجةٍ واحدة هي هلاك البشرية وفناؤها. وسبق أن قال ذات مرة المؤرخ الإنجليزي توينبي: لقد كانت البشرية وقتما كانت تُواجِه النموَّ الكاسر في العصور الأولى، تملك فرصةً للبقاء أفضل مما هي عليه الآن؛ حيث باتت لا تدري كيف تحمي نفسها من ذاتها الآن. إن نزعة التشاؤم العميق هي الطابع المُسيطر على الكثيرين من مفكري البرجوازية ممَّن يعملون على تحليل آفاق الصراع السياسي الحديث. وكان منظرو الطبقة المُستغَلة يؤمنون دائمًا — ويحاولون إيهام غيرهم — بأن هلاك البشرية رهن بهلاك الطبقة المُستغَلة وأن زوالها هو نهاية التاريخ. ويقول في هذا الصدد القاموس الفلسفي لمؤلِّفه هنريخ شميدت الصادر في ألمانيا الغربية: «إن فكرة النبوءة هي الحقيقة الأساسية في تاريخ الفلسفة المعاصرة. الانهيار والكارثة والانحطاط والفناء والنهاية — هذه هي الكلمات التي تقع عليها في أي دراسة عن تاريخ الثقافة. وتُشير كلها إلى النظام الاقتصادي البائد وإلى نسَق القِيَم بأكمله …»
اللاأخلاقية السياسية وأحلام التنبُّؤ
لم يعُد بمقدور كثيرٍ من علماء الاجتماع البرجوازيين إغفال ما تتَّسِم به الاتجاهات السياسية الإمبريالية المعاصرة من لا أخلاقية وعُقم ووحشية لا إنسانية. بيد أنهم لا يستطيعون فهم المعنى الطبَقي لهذه الظواهر والطبيعة الانتقالية للحقبة التاريخية الراهنة، ولهذا فإنهم يرَونها وقد انطوت على نذيرٍ يُحذِّر من انهيار العالم، ويعتقدون أن جيل عصر الذرة مآلُه الهلاك. حقًّا إنهم يلجئون إلى التاريخ بحثًا عن أمارات تُبشر بإمكانية درء «النبوءة الذرية» التي تتراءى لهم قدرًا لا فكاكَ منه، حتى يتسنى إنعاش الأمل في مستقبل أكثر إشراقًا. وهم لهذا يلجئون إلى الأخلاق التي يرَون فيها شعاعًا من الأمل. وتختلف الآراء اختلافًا بيِّنًا بشأن أثر الأخلاق في عصرنا الراهن وهو ما أدى إلى ظهور العديد من التفسيرات والنظريات. ومن اليسير علينا فَهم علَّة الاهتمام بالأخلاق، فاتجاه التطور التاريخي لا تدفعه قوة غيبية مفارقة، بل تُحركه الأهداف والعواطف والمُثل العُليا لمختلف الطبقات والبشرية في مجموعها. ولا ينفصل هذا الاتجاه عن التقدم الباطني للإنسان وبخاصة تقدُّمه الأخلاقي.
وإذا كان الصراع السياسي الشرس الدائر الآن بين دول العصر الحديث هو الذي دفع الناس في مجموعهم إلى فقد غريزة المحافظة على البقاء فهل تستطيع الأخلاق أن تعوِّضهم عن الغريزة؟ وهل يمكن أن تكون الأخلاق هي الحصن الذي يدرأ عن الناس خطر جحيم حربٍ نووية؟ هذان هما السؤالان اللذان يطرحهما مُفكرو البرجوازية. وثمَّة إجابات عديدة ومُتباينة. وإذا كانت الأسئلة مطروحةً في صورة تجريدية إلا أن الإجابات تكشِف عن الاتجاهات الرئيسية والقسمات الخاصة المميزة للفكر الاجتماعي السياسي المعاصر في العالم الرأسمالي. ولعلَّ خير نموذج يُمثل هذه الإجابات هي إجابة الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي «و. واجار» حين قال: «ولكن القرن العشرين يضع الإنسانية في مواجهة أخطر وأعمق أزمةٍ عرفها التاريخ، وتقع المسئولية على الإنسان وحده. إذ منذ يومٍ من أيام صيف ١٩١٤م في ساراييفو بدأ الإنسان يتخبَّط على طريق القتل والعنف. لقد ذبح واغتال الملايين في حرب آليةٍ، وقدَّم أطفاله طعامًا لأفران الإبادة، واستباح جسدَه وفكره خدمة وقربانًا لدول كبرى عاتية، وتوَّج جهده وعمله باختراع كابوس نووي قادِرٍ على إبادة الحياة من على وجه الأرض١ ولكنه يخلص من هذا إلى النتيجة التالية: «إن الإنسان يقف فاقد الحيلة بلا حولٍ ولا قوة تقريبًا إزاء هذا المصير.»٢ ويعتقد أنَّ كل هذا يُنذر بانهيارٍ أخلاقي يُصيب المدنية الحديثة. ومِن العبَث أن نركن إلى الأخلاق، ذلك لأنها عاجزة عن تجنِيبِنا الكارثة الوشيكة، فهي ذاتها في حالة تحللٍ وانحطاط.
ويُمثل هذا النهج السمة المميزة لأسلوب كثيرٍ من مُفكري الغرب. وإذا سألتهم عن أهم نجاحات حقَّقْتها البشرية في القرن العشرين فإنهم يُحدثونك الطاقة الذرية ورحلات الفضاء والتليفزيون والسيارات والطائرات النفاثة والبنسلين والصناعات البتروكيماوية، يقولون كل هذا دون أن يذكُروا أبدًا أن الناس تقدموا أخلاقيًّا وأن إحساسهم بالمسئولية الأخلاقية إزاء مصير المجتمع قد ازداد عمقًا. ويشاركون جميعًا برتراند رسل في رأيه الذي يقول فيه إنه على الرغم من كل نجاحات العلم والتكنولوجيا فقد ظلَّ الإنسان هو إنسان الكهف من وجهة النظر الأخلاقية.
ولو تأمَّلنا الفلاسفة الذين يؤمنون بأن الإنسان قد ابتدع لنفسه مبادئ أخلاقية أسمى وأرفع، نجد الشكَّ يحكُم نظرتهم بشأن دور الأخلاق في الحياة الاجتماعية المعاصرة. ونسوق هنا مثالًا نموذجيًّا لمِثل هذا الضرب من التفكير قدَّمَه لنا «كران برنتوف» عالم الاجتماع الأمريكي حيث يقول: «إننا بالفعل من الناحية الأخلاقية قد لا نكون أسوأ من أسلافنا، وربما نكون في المتوسط أقلَّ منهم قليلًا من حيث القسوة والوحشية، ولكن نظرًا لتجمُّعنا في شكل أُمَم ودول، فإننا قادرون على اقتراف قدْرٍ أكبر من الشر وعلى نحو أسرع وأنكى مما كانوا هم يفعلون.»٣ وسواء أصبحت البشرية أفضل أو أسوأ من الناحية الأخلاقية، وسواء أكان ثمَّة تقدُّم أخلاقي أم لا، فإن هذا كله لا يُهمُّ إذا ما كانت الأخلاق ذاتها عزلاء ضعيفة، لا حول لها ولا قوة، إزاء تفاقُم وضراوة الاتجاهات السياسية اللاإنسانية والجاحدة في عصرنا الراهن.
إن النزعة الآلية الوحشية والنزعة اللاإنسانية اتجاهان يسودان السياسة الإمبريالية الحديثة، حتى ليبدو أنهما سحَرَا لُب بعض الأيديولوجيين في الغرب. يقول الفيلسوف ج. أندرز: «لنتخيَّل معًا أن القنبلة الذرية انفجرت، فإن سلسلة الأحداث التي قادت إلى انفجارها تتضمَّن عديدًا من الحلقات، بحيث يتعذَّر على المرء في نهاية الأمر معرفة المُذنب المباشر، وإذا كل الضمائر براء، حيث لا نجد ضميرًا نُدينه. إن الضمير القذِر، إذا شاء لك أن تُسميه كذلك، هو الذي تستبدُّ به الآلات، ووعي الإلكترونيات: ونعني بذلك الاختراعات السيبرنية وجوهر العلم، ومِن ثَم جوهر التقدُّم والأخلاق، فهذه كلها هي التي تتحمل على كاهلها كل المسئولية، بينما يغسل الإنسان يدَيه من كل هذا.»٤ وحينما تقترب السياسة مِن البشرية بأن تُصبح في رأيه «بمنأًى عن وصفها بالخير أو بالشر». وإذا كان أندرز يُريدنا أن يتحكم «الضمير» في القرارات السياسية إلا أنه لا يدري كيف يكون ذلك. وهذا هو السبب في أنَّ نظراته الصائبة في جوهرها والمُثيرة للقلق عن الأوتومية اللاإنسانية و«اللامسئولية الكاملة» في السياسة، وهي نظراتٌ مستقلة موضوعيًّا عن عواطفه الشخصية، تَقضي به إلى خاتمةٍ آسِيةٍ كئيبة، تقضي بأن مُثيري أي حربٍ نووية سيكونون أخلاقيًّا «غير مُذنبِين».
إن المشكلات التي تبدو في نظر الأيديولوجيين البرجوازيين زاخرة بالتناقُضات يمكن بوجهٍ عام حلُّها مُستعينين بنهج مادي جدلي. وسواء أكانوا متشائمين إلى أقصى حدٍّ في تقويمهم للأخلاق أو كانوا متفائلين (إذ ثمة أيديولوجيون برجوازيون متفائلون)، وسواء أكانوا ينظرون إلى السياسة نظرة اشمئزازٍ ونفورٍ أو ارتياحٍ وقَبول، فإنهم جميعًا يعتقدون أنَّ ثمَّة صراعًا لا سبيل إلى حلِّه وانفصامًا بين الأخلاق والسياسة. ويرَون أن هذه الهوة المتزايدة الاتِّساع التي تفصل بين الاثنَين هي مأساة التاريخ الخالدة. خلاصة القول أنَّ كل ما ذهب إليه علماء الاجتماع هو إصدار حكم تجريدي يقضي بوجود مثل هذا الانفصام، وهذه ظاهرة تحتاج هي ذاتها إلى دراسةٍ وبحث، كما أن تناقضاتها تُخفي مشكلة أخرى عميقة.
وتقِف الماركسية موقفًا معارضًا لعلم الاجتماع المثالي الحديث، ومن ثم فإنها ترفض النهج التجريدي اللاتاريخي في تناول الأخلاق. إن الأخلاق ليست خالدةً ولا ثابتة لا تتغير، إنها دائمًا وأبدًا أمرٌ مُحدد تاريخيًّا وموضوعيًّا. فالأخلاق في المجتمع الطبقي تحمل طابعًا طبقيًّا، وتكون السيادة دائمًا لأخلاق الطبقة الحاكمة، بل إن السياسة أكثر قابليةً للتغير وأكثر دينامية بالقياس إلى الأخلاق؛ ذلك لأن السياسة، وهي العلاقة بين الطبقات أو الأمم، تعتمد أولًا وأساسًا على المصالح المادية للطبقة والأمم. وتُحدد المصالح المتعارِضة للطبقات المتباينة الاتجاهات السياسية المُتعارضة لكلٍّ منها. ونظرًا لأن أي قاعدة أخلاقية تُعبر عن هذه المصالح فإن الاعتماد عليها يصبغ اتجاهاتها السياسية بصبغةٍ أخلاقية مُعينة، وتطرأ في نفس الوقت تحولاتٌ جديدة على سياسة الطبقة فتؤثر بقوة على أخلاقها. ومن ثم فإن هناك دائمًا تفاعلًا مُعقدًا ومتناقضًا إلى حدٍّ كبير، بين السياسة وبين الأخلاق. إن العامل الأخلاقي في التقدم التاريخي الحديث، شأنه شأن العامل السياسي، ليس بسيطًا ولا مُتجانسًا، وإنما يتألف من عديدٍ من العناصر، ومن عديدٍ من المبادئ المُتناقضة التي يستحيل ردُّها إلى وجدانٍ أخلاقي خاص «الإنسان بوجهٍ عام». ولهذا فإن التحليل الطبقي والتاريخي الموضوعي العياني للأخلاق وللسياسة في علاقتهما المركبة هو شرط جوهري لأي بحث أو دراسة للأيديولوجية السياسية البرجوازية.
صدام العمر
أدرك مفكرو العصور السابقة أنَّ ثمَّة تصادمًا بين الأخلاق وبين السياسة، على الرغم من حدودهما التي تتحدَّد تاريخيًّا. وأكثر من هذا أن أيديولوجيي القرن الماضي عكفوا على دراسة هذه الظواهر في ظروف اجتماعية أكثر استقرارًا مِن تلك الظروف السائدة في القرن العشرين. ولعل أولئك المُفكرين المشتغلين بعلم الاجتماع وبعلم الأخلاق ممن يرَون هذا التصادم مأساةً بشرية لا فكاك منها، إنما يفعلون ذلك لأن كلًّا من سياسة الطبقة الحاكمة، والأخلاق السائدة في المجتمع، قد طرأت عليهما تحوُّلات جوهرية خلال العصر الإمبريالي، ومعنى هذا بوضوح أنَّ التفاعل بينهما قد تغيَّر أيضًا، وأن الانفصام والتناقُضات بينهما أمرٌ تحسُّ به ملايين البشر على نحوٍ أكثر حدةً وإيلامًا.
ولم يشهد التاريخ طبقةً مُستغلَّة قاومت في الماضي الضرورة التاريخية بيأسٍ وعنادٍ ودهاء، على نحوِ ما تقاوم به البرجوازية الاحتكارية المُعاصرة. والنظام الرأسمالي على خلاف أي جسمٍ متداعٍ لا يلقى حتفه تلقائيًّا؛ إذ ما دامت الطبقات المقهورة عاطلةً من أي قوة تُمكنها من تحطيم النظام الاجتماعي الراهن فإن الرأسمالية ستُجدِّد نفسها بنفسها من جديد، وسيكتشف سياسيُّوها دائمًا وأبدًا كل الأساليب المُجدية لتجنيبها المواقف اليائسة. إن تحلُّل وركود وتدهور الإمبريالية المعاصرة يسير جنبًا إلى جنبٍ مع نموِّ وتزايُد النزعة العدوانية الرجعية والثقة بالنفس بالإضافة إلى استعمال العنف الشامل، ويقول لينين: «إن البناء الفوقي السياسي لهذا النظام الاقتصادي الجديد أعني الرأسمالية الاحتكارية (حيث إن الإمبريالية هي النظام الرأسمالي في مرحلة الاحتكار) هو تحوُّل من الديمقراطية إلى رجعية سياسية political reaction وتصبح الإمبريالية بهذا المعنى بالضرورة «نفيًا للديمقراطية بعامة».»٥ ولا ريب في أن أحداث العصر هي تجسيد لكلمات لينين، بل أكثر تجسيدًا ممَّا كانت عليه في مطلع هذا القرن.
وتعيش الطبقة العاملة الآن في عالمٍ مُعقد يُعاني فيه مئات الملايين من البشر من جرَّاء السياسة الإمبريالية المعادية للشعوب واللاإنسانية، ويتميز جوهر سياسة البرجوازية الاحتكارية بأنها سياسة العنف الوحشي وأشد ضروب السياسة إمعانًا في الرجعية. وبات طبيعيًّا ما يُعانيه الشعب العامل من ضغوطٍ سياسية سافرة وعنيفة. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تصاعدت الحركة الثورية على نحوٍ لم يسبق له مثيل، شاع استعمال الدول الإمبريالية لأساليب الإرهاب ضد شعوبها وشعوب بلدانٍ أخرى غيرها. بيد أن أساليب القهر والاسترقاق لم تعُد كافية الآن، على الرغم من أن الإمبريالية قد طورتها. ومِن ثم فقد استكملتها بأعمال العُنف — العمليات الفاشية المساحة لسفك الدماء، والأساليب البوليسية الوحشية والنزعات العنصرية والشوفينية. ويُمثل العنف الإمبريالي، كأداةٍ سياسية، تجسيدًا واضحًا لأشد الأساليب وحشيةً التي استخدمت في الماضي لقهر البشر، بيد أن الإمبريالية عملت على تطوير هذه الوسائل وضاعفت من أجهزة القهر لدرجةٍ لم يُسمَع بها من قبل. تُرى هل يستطيع المرء أن يقارن بين الوحشية المهذَّبة لرجال المخابرات وبين الوحشية الفجَّة للبرابرة، وأن يقارن بين إبادة البشر في تربليكا وبين مذابح تامبرلان، وأن يقارن كذلك بين قصف طائرات الولايات المتحدة لقرى فيتنام بقنابل النابالم، وبين غارات البدو؟
وتكشف السياسة الإمبريالية عن طابعها اللاإنساني وعن إفلاسها الأخلاقي بصورةٍ أكثر فأكثر شراسة. ولقد بلغت حدًّا لم يعُد بالإمكان تجاهلها حتى بالنسبة للأيديولوجيين البرجوازيين. ويشير الكاتب الأمريكي ر. ل. هلبرونر إلى أن «… كل الآراء المتفائلة قد باءت بالفشل. حقًّا لم يعُد السؤال البيِّن هو عما إذا كانت قوى التكنولوجيا والديمقراطية والرأسمالية هي العوامل التي تُبشر بمستقبل زاهر، بل أصبح السؤال عن درجة مسئولية هذه العوامل عن الآثار الحاقدة التي تولَّدت عن الماضي.»٦ ويربط كثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع بين النزعة المعادية للإنسانية التي تصطبغ بها سياسة الدول الإمبريالية، وبين تزايد القسوة وسيادة العنف والإرهاب في تلك البلدان، ويشير الفيلسوف البريطاني المُبرِّز كارل بوبر إلى أن «… عالم اليوم يشهد عنفًا ووحشية أكثر مما كان يمكن أن يكون مسموحًا به حتى في السنوات العشر التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.»٧ ويلحظ عالم الاجتماع الأمريكي لويس ممفورد أن «الخوف والكراهية والشك والعنف أصبحت جميعًا وباءً مستوطنًا.»٨ ويعتقد جوليان هكسلي أن هذه الحقبة «حقبة شديدة الحرج، يسودها العنف والصراع والثورة والدمار والوحشية والأخطار الذرية والانفجار السكاني والانفصام الأيديولوجي والإضراب العام.»٩
ولعل أوضح صورة للَّاأخلاقية السياسية الإمبريالية المعاصرة إنما تتمثل في الحرب الدموية التي شنَّتها دوائر البنتاجون ضد فيتنام.
ولم تكن حرب الولايات المتحدة ضد فيتنام حدثًا عشوائيًّا في خضمِّ التفاعُلات الدولية التي تستهدف العودة بعجلة التاريخ إلى الوراء، وخنق حركة الحرية التي شملت كل شعوب المعمورة. بل كانت حربًا تكشف عن المحتوى المُميز لكل الاتجاهات السياسية الإمبريالية وطابعها اللاإنساني. وتؤكد هذه الحرب من الناحية الأخلاقية سعي الإمبريالية عن عمدٍ إلى دمار كل البشرية، وأن نزعة التعصب التي تستبدُّ ببعض رجال السياسة هي جزء من حالة الإفلاس العام واللامسئولية التي تُصيب الدولة. إن أصحاب النزعات المنحطَّة والشرسة أخلاقيًّا، وهم كثيرون داخل الدوائر الحاكمة في أمريكا، يرغبون عن عمدٍ في المخاطرة بمصير البشرية؛ ومِن ثم يدفعونها نحو كارثةٍ نووية. وما الذي يَعنيهم من أمر هذه الكارثة إذا كانت الفوضى والمعاناة البشرية كفيلة بأن تشبع رغباتهم المجنونة.
ويقول بعض المُفكرين في الغرب إن الجرائم التي اقترفتها العسكرية الأمريكية مُبالغ فيها كثيرًا، وألَّا سبيل إلى مقارنتها بجرائم النازية، ولكن ليست القضية هي المقارنة بين السياسة الفاشية وسياسة القوى الإمبريالية المعاصرة. إن التاريخ لا يُعيد نفسه، بيدَ أن الحقيقة هي أن الجرائم التي ترتكبها الإمبريالية اليوم والتي تُشبه ما شهده الماضي القريب من مآسٍ وروع، إنما هي نذير يُحذرنا من خطر يتهدَّد البشرية جمعاء.
وتتَّجه السياسة الإمبريالية المعاصرة، بحكم جوهرها الرجعي والمعادي للإنسانية، نحو الإفلاس الأخلاقي وفقدان الثقة عند الناس، بيد أننا نكون سُذَّجًا إذا ما عقدنا الأمل على أن يقع هذا الإفلاس وحده تلقائيًّا دون نضالٍ سياسي ودون صراعٍ ثقافي ضد القوة الرجعية. وقد كشفت لنا دراسات لينين، بشأن سياسة واقتصاد وأيديولوجيا الرأسمالية المنهارة، عن الجدليات الباطنية لانهيارها. وأوضح لنا أن تحلُّلها قد يحدث بفضل ما تُحققه من تقدُّم سريع في بعض المجالات مثل التكنولوجيا والاقتصاد وقطاع الخدمات، وقد تظهر إلى الوجود عوامل تُفيد منها البرجوازية الاحتكارية، لتُوقف انهيارها أو تحدَّ منه، وأكد لينين، بالإضافة إلى ذلك، أنَّ الطبقة العاملة لا يعزلها جدار صلد عن المجتمع المنهار، إذ إنها تعيش وتعمل في مجتمع يُحاول إفساد ورشوة وإعاقة قطاعٍ من الشعب العامل. بل إن قطاعًا من البروليتاريا ذاتها — وهي الطبقة التي تحمل على كاهلها عبء إنجاز رسالة تاريخية لبناء عالم جديد — ليس مُحصنًا تمامًا من الآثار الضارة للأفكار والأخلاقيات المتحللة. وتفيد الطبقة المُستغَلة من تحلُّلها الأخلاقي كسلاحٍ لمصلحتها، وتحاول — وتنجح أحيانًا — إفساد الشعب العامل أخلاقيًّا بأن تروِّج بين صفوفه خصالها الأخلاقية المُتمثلة في عدم الضمير والتحلُّل الأخلاقي والنفعية الأنانية والرشوة والوحشية ومعاداة الإنسانية.
وطالب لينين المكافحين البروليتاريين من أصحاب الوعي السياسي أن يكونوا قادرين على ملاحظة كل طبقة اجتماعية فيما يتعلق بمظاهر حياتها الثقافية والأخلاقية والسياسية. ومثل هذا الطلب ضروري تمامًا اليوم، حيث أصبحت مسألة المبادئ السياسية والأخلاقية لكل طبقةٍ من طبقات المجتمع البرجوازي الحديث أمرًا له شأنه الخطير. إن القرن العشرين قد غيَّر كثيرًا من القِيَم الثقافية للمجتمع الرأسمالي. لقد غيَّر عادات الأسرة الأبوية التي كانت راسخةً في الماضي وغيَّر كل معايير عصر المنافسة الحُرة بعد أن فقدت كلَّ دلالةٍ لها، كما تلاشى، إلى حدٍّ كبير، أثرها على الحياة الاجتماعية. وبدأ الناس يُفكرون ويشعرون ويسلكون أخلاقيًّا على نحوٍ مختلف. وتغيَّر المناخ الأخلاقي للحياة في المجتمع البرجوازي مع بداية الخمسينيات من هذا القرن. وهكذا لم تتغير السياسة وحدَها وتحوَّلت إلى سياسةٍ رجعية مُمعنة في رجعيتها ومعادية للإنسانية، بل تغيَّرت الأخلاق أيضًا.
عندما تفلس العلاقات الاجتماعية أخلاقيًّا
عندما حلل كارل ماركس الشهوة السلعية في كتاب «رأس المال» أشار إلى أن العلاقات بين الناس (وهي في الجوهر علاقات تنظمها الأخلاق) تتحول إلى علاقاتٍ مادية، أي إلى علاقات بين أشياء (خارج النطاق الأخلاقي). إن النظام الرأسمالي يُفضي إلى اغتراب الأخلاق عن العلاقات الاجتماعية وتبدأ المعايير الأخلاقية في اصطناع وجود وهمي يحوم فوق علاقات الاستغلال العملية ويؤدي إلى تبلُّد ضمائر الناس ويخلق أوهامًا تخدعهم. ولقد تطورت تلك العملية التي كشف عنها ماركس تطورًا سريعًا بصورةٍ مذهلة، واكتسبت قسماتٍ ذات دلالاتٍ جديدة في ظل الإمبريالية. وفقد العامل الأخلاقي كل أهميةٍ له في الحياة الاجتماعية، وتجرَّدت العلاقات الاجتماعية من الأخلاق. وطبيعي أن هذه البيئة الاجتماعية تُفضي إلى ظهور قصورٍ أخلاقي على نطاق واسع جماهيري أي تُفضي إلى حياة «مجردة من الإنسانية».
وقد وصف عالم الاجتماع الأمريكي المبرز إريك فروم الظروف التي أدت إلى تكوين شخصيةٍ من هذا الطراز الأخلاقي السيكولوجي. وفي رأيه أن عملية الاغتراب والتجرد الإنساني قد تفاقمت كثيرًا في عصر المجتمع الصناعي الحديث. إن الإنسان المعاصر «أصبح موضوعًا لقوًى اقتصادية عمياء تحكُم حياته.»١٠ لقد تآكل وعيه الذاتي الأخلاقي وتصدَّع، وتشعُر جمهرة الناس أنهم أصبحوا لا شيء سوى أسنانٍ صغيرة في تروس آلة إنتاجية ضخمة. وكثيرًا ما يجهلون من هو مُستغلهم المباشر، ذلك لأن الذي يستخدمهم هو مؤسسة جامدة خرساء أو خدام الشركات المساهمة والترسانات. وفي السياسة أيضًا حيث يبدو على السطح مظهر سياسي من أجل «الإنسان الضئيل» المدعو لكي يُبدي رأيه ويختار، هنا يساوره الشك في أن قراراته عاجزة عن تغيير مسار الأحداث السياسية. هذا فضلًا عن أن خطر الحرب والبطالة اللذين يُهددانه يستبدَّان به كأنهما كابوس. وتقطعت كلُّ الصِّلات التي كانت تصل الناس بالطبيعة وتُمثل جزءًا من حياتهم حتى أصبحوا اليوم سُجَناء داخل غابة المدن الكبرى حيث بَلِيَت وتهرَّأت كل روابط التضامن والرفاهية مع شركائهم في الحياة. وباتت الأفكار التي تستحوذ على عقل العامل في المدينة هي خواء الحياة وعُقم الوجود. ويذهب إريك فروم إلى أن هذا كله نموذج للعمليات التي تجري في كل البلدان الرأسمالية الكبرى المُتقدمة. وأصبحت مشاعر اليأس والخواء والعقم أمورًا غير مُحتمَلة ويسعى الإنسان جاهدًا لقمعها. ويجد العون هنا من المجتمع العاجز عن أن يسمح لأكثر أبنائه بفهم تناقُضاته الأساسية، وإلَّا سيَحُولون دونَه وأداء وظيفته على نحوٍ سوي. ويقول إريك فروم إن الإعلام الذي يتلقَّاه الإنسان المعاصر يمرُّ عبر «مصفاة اجتماعية» وثمَّة قِيَم مُعينة تمر عبر هذه «المصفاة» بحُرِّية، بل إن الدولة تفرضها على الفرد وبصورةٍ مبالَغٍ فيها. وثمة قِيَم أخلاقية ووقائع أخرى مَصيرها المنْع، بل تبذُل الدولة محاولاتٍ لجرْف الانتباه بعيدًا عنها لتظلَّ خارج مجال البصر، أو ربطها بدلالاتٍ سلبية إذا ما حدث ووصلت إليه. ولعلَّ أهم وسيلة لمثل هذا القمع الإعلامي وأكثرها مُباشرةً هي عملية غسيل المخ المُعادية للشيوعية التي تتمُّ عن طريق الإذاعة والتلفزيون والسينما والصحافة. وتصل إلى الناس هنا صورة شائهة عن الوقائع، فيُمثلون بعض الحقائق ويُغفلون بعضها لا شعوريًّا. وهذه هي مهمة أجهزة الدعاية الجبارة في البلدان الإمبريالية التي تدفع المرء ليرى ويُفكر «مثلما يفعل كل إنسان آخر». ولا ريب في أن هذا الضرب من محاكم التفتيش التي تُميز القرن العشرين تُحقق أغراضًا بحيث يعجز الإنسان المُستهلك المخدوع عن أن يُدرك طبيعة الخدعة التي وقع في حبائلها. وينتهي الأمر بأن ينبذ المرء فرديَّته، بل ويستشعر بهجةً أخلاقيةً سامية لأنه يفعل ذلك، ويستكين استكانةَ الكلب لسادتِه، بل نراه في آرائه عن نفسه يتمثَّل التكوين النفسي والقِيَم الأخلاقية والمُثُل العُليا التي تُغذيه عليها السلطة بسخاء. وإذا به لم يعُد يستشعر مهانةً أو خنوعًا ويستحلُّ أي شيءٍ غريب بشِع نتيجة إحساسه بالرضا عن انحطاطه الأخلاقي. ويُلائم، بصورةٍ تامة وكاملة، بين نفسه وبين النمط السلوكي الذي يفرضه عليه المجتمع حتى وإن استشعر في أعماقه أنه سلوك غريب عنه. وسرعان ما تحلُّ «أنا» جديدة محلَّ ذاته الحقيقية، وبدلًا من أن يُصبح إنسانًا مستقلًّا إذا به خانع مُمتثِل.
وثمَّة كثيرون من علماء الاجتماع غير إريك فروم يَعرضون وصفًا مُقنعًا لعديد من حالات الإفلاس الأخلاقي و«التجرد الإنساني» للإنسان، ونزوع الصفوة الحاكمة في الدول الإمبريالية إلى تحويل أكبر عددٍ مُمكن من أبناء المجتمع إلى أنماط مُتماثلة. ويُطلق عالم الاجتماع الأمريكي دافيد ريزمان David Reisman على هذا الطراز من الناس اسم «الإنسان المُوجَّه من الخارج» ويُسميه دافيد هوايت «الإنسان المُنظم» ويُسميه روبرت موتون «المُمتثل». وواضح أنه وإن اختلفت الأسماء إلَّا أن جوهر العملية واحد وهو تجريد الإنسان من شخصيته. ويَستعمل علماء الاجتماع البرجوازيون مصطلح «التميُّع Anomie» لتصوير حالة التآكُل الأخلاقي والمعنوي لضمير الفرد. ويشير مرتون إلى أن الشخصية التي تُعاني من حالة التميُّع تُصيبها حالة تفكُّك وانفصال حادة بين المعايير الثقافية والأهداف والقُدرات التي كوَّنها المجتمع لدى أفراد الجماعة للعمل بمُقتضاها.١١
ويستثمر جهاز الدعاية، لأغراضه الأنانية، هذه المأساة الأخلاقية التي يُعاني منها الفرد في المجتمع البرجوازي. إن الإنسان الذي فقد استقلاله الروحي يفقد أيضًا قُدراته الأخلاقية والمعنوية ويُطابق بين اتجاهاته وقِيَمه الذاتية وبين القيم والاتجاهات التي تفرضها عليه الجماعة الحاكمة عن طريق وسائل الإعلام ووسائل الترفيه الموجَّه طبقًا لمعايير موضوعة. وكم هو يَسير نسبيًّا توجيه مثل هذا الطراز من الناس في المجالات السياسية والاجتماعية، إذ إن الإنسان المخدوع على هذا النحو يفقد قُدرته على استنباط انطباعاتٍ مستقلة وذاتية من وسطه الاجتماعي والسياسي. ويُشير ريزمان إلى أنَّ هذا قد يتَّخذ صورًا تدعو إلى السخرية، حتَّى إن المرء قد لا يُصدِّق عينَيه إلَّا إذا قرأ عما شاهده في صحيفته اليومية، أو إذا سمِع عنه في المذياع؛ أي إلَّا إذا أكدت له وسائل الإعلام خبرته الشخصية.
وتفرض وسائل الإعلام على الناس أنماطًا أوَّلية للتفكير، وتغرس فيهم الولاء للنظام السياسي، وتُضلل جمهورها أخلاقيًّا واجتماعيًّا. وتُمثل هذه الوسائل جهازًا جبارًا وظيفته نقل أشكال التحيُّز المعادية للشيوعية والتشويهات المعادية للديمقراطية التي تُفسد الرأي العام. وهذا هو ما أعلنه صراحة م. تشوكاس الذي يصف الدعاية بأنها «فنُّ دفع الناس إلى عمل ما يرفضون عملَه لو تيسَّرت لهم معرفة كل الحقائق الخاصة بالموقف.»١٢ ويرى عالم الاجتماع الأمريكي أن الدعاية هي «إعلام كاذب»١٣ تعمل عن عمد على نشر معلوماتٍ من جانب واحدٍ ويحاول وضعَها على «أساسٍ علمي» ويستخدمها في «حرب أيديولوجية عالمية» ضد الشيوعية. هذه هي المزايا السياسية والأيديولوجية التي يسعى الرجعيون إلى اكتسابها من حالة «التميُّع» المعنوي التي تُصيب الإنسان في المجتمع الرأسمالي.
إن الإمبريالية تخلق جمهورًا يُعاني مرارة الفشل، مُضللًا لا يعرف طريقةً لتبني مُثُلٍ عُليا أخلاقية ذات دورٍ إيجابي. ويفتقر جمهور اللامُبالين إلى عمودٍ فقري أخلاقي، ومن ثَم فإنهم قوة رجعية قابلة للانفجار. وتبدو هذه العملية واضحة بوجهٍ خاص بين البرجوازية الصغيرة التي تُماثل أخلاقها أخلاق البرجوازية، هذا على الرغم مِن أن لها قسَماتها الخاصة المميزة لها. لقد كان البرجوازي الصغير دائمًا تجسيدًا للأخلاق الرأسمالية المرائية. ويرى أن من «دواعي الاحترام» أن يكون له عمله الخاص ما دام أنَّ «العمل هو العمل»، سواء أكان عظيمًا أم وضيعًا. بيد أنه في ذات الوقت يَحسُد الغنيَّ الواسع الثراء، نظرًا لأنه هو نفسه مُهدَّد دائمًا بالخراب، ويرى أن المجتمع الأمثل هو الذي لا يضع بين أبنائه غنِيًّا واسع الغِنَى أو فقيرًا شديد الفقر، ولا تحقُّ الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج. وتتميَّز أيضًا الشرائح الدُّنيا من الطبقة المتوسطة بصفات الشر، وحُب المال، والسخط الذي تضاعف على مرِّ السنين، وفقدان التضامُن الطبقي الذي تتميَّز به البروليتاريا. ولعلَّه بات واضحًا الآن لماذا هذا القطاع السُّكاني على وجه التحديد هو الذي يُولِّد قوًى رجعية شرسة.
وتلعب الصفوة الاحتكارية على غرائز الجماهير التي تعيش في حالة لا مبالاة، وتستغلُّهم لأهدافٍ رجعية، إذ إن هذه القطاعات يُمكن أن تُصبح في ظروفٍ معينة دعامةً للفاشية وأرضًا خصبة لغرس العرقية. ويحاول دائمًا قادة العالم الإمبريالي وضع جماهير اللامُبالين كقوةٍ معارضة للقوى الثورية والديمقراطية. وجدير بالذكر أن هؤلاء الذين يعيشون في حالة لا مبالاة سياسية والمُنهكين الذين فقدوا ذاتيَّتهم، إنما تستخدمهم البرجوازية للفوز بما تُسمِّيه «أغلبيتها» ولدفع هذه القطاعات التي يستبدُّ بها إحساس اليأس ومرارة الحياة لخدمة حركاتٍ اجتماعية رجعية. وثمَّة وصف رائع للرابطة بين حالة «التميُّع» المعنوي للشخصية وبين النظام الاجتماعي السياسي للمجتمع الرأسمالي، ونجد هذا الوصف في كتابات عالم الاجتماع الأمريكي الراحل ك. رايت ملز. يقول ملز: «الملاحظ في عالم المال والتجارة وعالم صناعة الحروب والسياسة أنَّ ضمير الفرد ينحل ويضعف وتتدعَّم اللاأخلاقية حتى تسود مؤسسات المجتمع. وليست القضية هنا مجرد فسادٍ في الإدارة داخل المؤسسات أو الجيش أو الدولة، بل هي قسَمة تُميز القطاع الرأسمالي وتتداخَل بعُمق في نسيج سياسة الدولة العسكرية١٤ ويُطلق ملز على مُمثلي رأس المال الاحتكاري اسم السياسيين العسكريين والقادة والصفوة صاحبة السلطة في مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية. ويرى أن المكان الذي يحتلُّونه في البناء الاجتماعي ونشاطهم السياسي يؤثِّر تأثيرًا هائلًا على الرأي العام والأخلاق السائدة. ويُشير إلى هذه الظاهرة في الحياة العامة الأمريكية باعتبارها صبْغ السياسة بصبغةٍ بيروقراطية. فقد تحوَّلت المبادرة وصناعة القرارات مِن الهيئات المُنتخبة إلى الهيئات التنفيذية، بينما نما وتزايد دور العناصر التي وضعتها المؤسسات الفنية داخل الهيئات التنفيذية. ويجري نشاط الصفوة صاحبة السلطة في سريةٍ تامة. ومِن ثَم فإن الجماعات الحاكمة لا تتمتع فقط بسلطةٍ هائلة وأجهزة قهرٍ قوية، بل إنها أيضًا حُرة من أي رقابةٍ ديمقراطية من جانب الشعب. وتتحكَّم هذه الجماعات في وسائل الإعلام التي تصوغ الرأيَ العامَّ، ولهذا تستطيع الصفوة الحاكمة أن توجِّه الجماهير لخدمة أغراضها، وبذا تُفرِّغ الديمقراطية من أي معنًى لها. إن النداءات والشعارات والمعايير والمُثُل العُليا والآراء التي تُبرر أي حركةٍ سياسية، تصبُّ كلها كوابلِ المطر على رءوس المُواطنين الذين يشهدون بأعيُنهم سرعة تحوُّل القِيَم الأخلاقية وقواعد السلوك، ومِن ثَم يستبدُّ بهم الشك رويدًا رويدًا. ويتحوَّل الناس إلى ما يُسميه ملز «مكيافيليين لا مُبالين». إن الإفلاس الأخلاقي واللامُبالاة المكيافيلية والتميُّع الأخلاقي، كل هذه مظاهر لعمليةٍ واحدة هي عملية تحوُّل الشعب الكلاسيكي إلى «مجتمع عامة»١٥ وهو ما يعني مُجتمعًا خاملًا سياسيًّا.
ويُعبر عن هذا الرأي أيضًا عالم الاجتماع الأمريكي دانييل بيل.١٦
يعتقد بيل أن الحياة والأفكار السياسية فقدت منذ الخمسينيات القدرَ الأكبر من أهميتها بالنسبة للناس في «آلة الحضارة» الحديثة. لقد كفَّ الناس عن الاهتمام بالسياسة وباتوا يُعنون أساسًا بالمشكلات الشخصية اليومية. وأصبح «الإنسان السياسي» شيئًا فشيئًا إنسانًا مُستهلكًا حرًّا. وتكشف «حضارات السيارة» عن سُعار البحث عن الربح والراحة دون الروح السياسية، وإيثار ممارسة طقوس عبادة الجنس واللذة البدائية التي تدور معها الرءوس نشوةً واستمتاعًا.
البيروقراطية واللامسئولية الأخلاقية
يعتقد كثيرٌ من علماء الاجتماع الراديكاليين في الغرب أن الرأي العام المُشوَّه و«الخامل سياسيًّا» والأعزل أخلاقيًّا إنما هو نتاج نظام «اللامسئولية الجماعية» الذي تولَّد عن التفاقم الخطير للبيروقراطية، ويقول إريك فروم إن الجهاز البيروقراطي المهول ليست له نغمة شخصية ومُمثلوه معزولون تمامًا عن الناس، الذين لا يفترقون في شيءٍ عن الموضوعات التي يسيطرون عليها، موضوعات لا يُحبها موظفو الدولة ولا يكرهونها ويقفون حيالها غير مُبالين مثلما يقفون إزاء الأشياء الجامدة التي تُحيط بهم.
إن هذا المكانيزم البيروقراطي اللاشخصي بكل مكوناته التي لا تقع تحت حصرٍ، وأوتوميَّته التي لا ترحم، وتجرُّده من المسئولية، ولامُبالاته، إن هو إلَّا سخرية من كل الأحلام العذبة عن إعادة بناء السياسة الإمبريالية وصبْغها بصبغةٍ إنسانية. إنَّ كلَّ القِيَم الإيجابية مآلها بالضرورة الاختناق داخل هذا التِّيه السياسي المهول الذي أصابته حالة من عدم الضمير والخواء الأخلاقي. ويولِّد النظام البيروقراطي حالةً من اللامبالاة الأخلاقية بين الجيش الضخم من موظَّفيه الحكوميين. ويَجبُّ النهج البيروقراطي النهجَ الأخلاقيَّ ويصبح من الصعب تمامًا إصدار حُكمٍ تقييمي بشأن أي قرارٍ يصدُر عن هذا الجهاز الخرِب. إذ إن كل من يحاول ذلك يجد نفسه في مواجهة عددٍ لا حصر له من العملاء السياسيين والموظفين المدنيين، كل منهم لا يعرف سوى مكانه الضئيل في الجهاز البيروقراطي، ويعتمد بالتالي على سُلَّم السلطات الذي يُحلق فوق رأسه شامخًا. وطبيعي أن كل نقدٍ موجَّه ضد النشاط البيروقراطي مُوجَّه بالتالي إلى الجهاز المعنوي الذي يؤلِّف ضماناتٍ مُتبادلة ولامسئولية مُنظمة.
لقد كان بعض الكُتَّاب في الماضي من أمثال ديكنز وساليتكوف شيدرن وهازبك يسخرون من المؤسسة البيروقراطية ويُصوِّرونها كجهازٍ فاقد الحسِّ يُخفي في حرصٍ وعنايةٍ عُقمَهُ وعنته. ولكن أصبح مألوفًا اليوم أن نُطالع صورة كافكاوية عن البيروقراطية — تصويره كقوةٍ عالمية أو كونية تُشوِّه وتقمع كل شيءٍ إنساني وتجعل من الإنسان ضحيةً يائسةً لا حول لها ولا طَول. وتعكس هذه الأفكار، بصورةٍ مُبالَغٍ فيها إلى حدٍّ ما، العصر الجديد الذي ضاعفت فيه البيروقراطية الرأسمالية سطوتها وبات جهازُها يستعين بالعنف بصورةٍ لم يسبق لها مثيل، ويَنفُذ إلى أبعد أركان الحياة الاجتماعية ويُنظم حياة الناس في نظام جامد ويمارس تأثيره القوي والثابت على الفرد.
وتتعارض البيروقراطية تعارضًا تامًّا مع الأخلاق، وتجعل ردود الفعل الأخلاقية من الناس إرجاءات خامدة فاقدة للحسِّ ولا طائل تحتها. إن جهاز الدولة السياسي بتنظيماته وهيئاته وتشابُكه المُعقد وسطوته وعدم خضوعه للديمقراطية، هذا الجهاز من شأنه أن يُحيل موظفيه والعاملين فيه إلى آلاتٍ فاقدة الحسِّ إزاء كل ما هو إنساني. إن النشاط البيروقراطي يُولِّد تكوينًا نفسيًّا جامدًا يُشبه الإله، وهو تكوين وصفَه كُتَّاب مُعاصرون أفذاذ أمثال مكسيم جوركي وأناتول فرانس وتوماس مان وجون جالسوبرثي وأرنست همنجواي وألبرتو مورافيا، وصفوه بأنه يقترن حتى بالوحشية الباردة. ويُصبح الجهاز البيروقراطي بهذا المعنى الأداة الملائمة والرهيبة التي يمكن للرجعية أن تستخدِمه لصالحها ضد الشعب. وتنمو البيروقراطية وتتفاقم، شأنها شأن أي مرض خبيث؛ إذ ترى البيروقراطية تنفُذ إلى كل جوانب الحياة الاجتماعية في الغرب وتحطم خلايا الأخلاق في نفوس البشر وتفرض عليهم «لامسئولية منظمة» (رايت ملز) تُعطل الإحساس الشخصي بالمسئولية الأخلاقية عند السياسي وموظف الدولة.
بيدَ أنَّنا نُخطئ تمامًا إذا تصوَّرنا أنَّ جذور البيروقراطية تكمُن في «الوجود الإنساني» كما يزعم بعض أيديولوجيي البيروقراطية. إن البيروقراطية إذ تتفشَّى وتسود تتحول عمدًا إلى نوعٍ من الغيبية الاجتماعية، خدمة لمصالح سياسية واقعية وطبقية. إن الماركسيين حين ينظرون إلى الشئون الاقتصادية لا يلومون الأفراد، بل يلومون النظام الاجتماعي الذي يسرق الشعب العامل. بيد أنهم بالنسبة لسياسة الدولة لا يُبرئون الطبقةَ الحاكمة ولا يُعفونها من المسئولية الأخلاقية عن جرائمها ومؤامراتها السياسية لخداع الشعب.
الأزمة الأخلاقية والنضال الاجتماعي السياسي
إن حالة «التميُّع» الأخلاقي التي تصيب الفرد في ظل الرأسمالية واضمحلال دور الأخلاق في الحياة الاجتماعية، هما نتيجتان طبيعيتان لتحلل القِيَم البرجوازية التقليدية في ظلِّ الإمبريالية، ذلك لأن قمع المنافسة الحرة، والتمركُز الهائل لرأس المال وتفشِّي البيروقراطية في الحياة الاجتماعية، كل هذا وأدَ الأمل عند كل مَن كان يؤمن بأفكار النزعة الفردية البرجوازية والرخاء الخاص. ولقد وصلت الإمبريالية إلى حالة تصادمٍ مع المعايير الكلاسيكية للنزعة الفردية البرجوازية.
إن الفردية في ظلِّ الإمبريالية تتَّخِذ طبيعةً خاصة مُتميزة، إذ تُصبح غير مأمونةٍ إلى أقصى حد، مريرة ومتمردة. وتتحول الفردية هنا إلى نزعة امتثالٍ وانقياد تُميز المرء «المحافظ» أخلاقيًّا الذي يرفض تحمُّل مسئولية الاختيار الأخلاقي الحُر، ويرفض المبادرة الشخصية ويُحاول التخلُّص من إحساسه بالعزلة والدونية؛ أي تُصبح الإجابة الوهمية الخادعة التي يتلقَّاها الإنسان الفردي القانط.
إن الخطأ الأساسي الذي وقع فيه المُفكرون الغربيون الذين انتقدوا تَحلُّل الشخصية من الطابع الإنساني في ظلِّ الرأسمالية وقرنوا «التميُّع» الأخلاقي بأزمة القِيَم التقليدية للنزعة الفردية البرجوازية، هو أنهم حصروا أنفسهم في نطاق وصف العمليات ورفضوا تحليلها من موقف طبقي. وإذا حاولوا كشف المظاهر القبيحة للإفلاس الأخلاقي نراهم ينزعون إلى المبالغة في تضخيمها، ويفشلون في إدراك القوى التقدُّمية القادرة على تقديم العون بفضل نشاطها للتغلُّب على العمليات التي تهدم أخلاق البشر وتُحطم روحهم المعنوية.
وجدير بنا ألَّا نُبالغ في أهمية دور الأخلاق في ظلِّ الإمبريالية، وهو دور يتناقض ويضمحلُّ باطِّراد، ويكشف لنا العصر الراهن وتطوُّر الأخلاق عن قسَماتٍ مُتعارضة أشد التعارُض. إن العالم المُحتضَر يصطدم بعالمٍ وليدٍ خلَّاق، وتُقابلُ حالةَ التحلُّل الأخلاقي في ظل الإمبريالية حالةُ الإنعاش الأخلاقي والتقدُّم الروحي المُتزايد في البلدان الاشتراكية، وتُناظر الشخصية المُتحلِّلة من كل طابعٍ إنساني في المجتمع الرأسمالي شخصية المكافح البطل من أجل مُثلٍ عُليا اجتماعية وأخلاقية نبيلة، وتقابل حالة اليأس التي رانت على الطبقات المستغلة الدارسة، حالة ثقةٍ هادئة تملأ نفوس القوى الاشتراكية والديمقراطية التقدمية. إن النوازع المعادية للإنسانية التي تصيبُ الشخصية إنما هي نتيجة علاقات اجتماعية منحرفة وفاسدة. بيد أننا نجد في موازنتها نزعةً أخرى تُعبر عن احتجاج الشعب العامل ضد هذه العلاقات، وهو ما يشهد على الصحة الأخلاقية والمعنوية لجمهور البسطاء من الناس. إننا إذا ألقَينا نظرة إلى العاملين في المصانع والمكاتب والمِهَن المختلفة في البلدان الإمبريالية فسنشهد توفُّر المبادئ الأخلاقية السامية مثل الإنسانية والتضامن والمساعدة المتبادلة والتعاون والإيثار والشجاعة ومقت الرِّياء وكراهية العنف. وهي خصال لا يمكن استئصالها بمحاولات «التحلل من الصفات الإنسانية» ذلك الوباء المتفشي في الظروف الاجتماعية المعادية للإنسانية.
إن نضال الشعب العامل ضد الاستغلال والقهر والإذلال دفاعًا عن كرامته الإنسانية تتولَّد منه معايير أخلاقية جديدة تختلف اختلافًا أساسيًّا عن المبادئ البرجوازية للنزعة الفردية ونزعة الانقياد. ويأخذ هذا النضال الطبقي والسياسي صورًا مُتباينة استنادًا إلى النضج الأخلاقي-السياسي لمختلف قطاعات الشعب العامل في البلدان الرأسمالية. ونذكُر من بين صور هذا النضال، الإضرابات وحركة السلام والديمقراطية، والصراع ضد الفاشية الجديدة والعرقية والشوفينية، ثم أخيرًا النضال الواعي من أجل الاشتراكية. ولن يُكلَّل هذا النضال بالنجاح إلَّا إذا اعتمد على القوة الأخلاقية والاحتياطي الوافر من الطاقة الأخلاقية المهولة للشعب العامل. وهذا هو السبب في خطورة المَيل نحو تآكُل وهدْم وتحلُّل هذه القوة، وخطورة الميول التي تُعبر عن الطبيعة المعادية للإنسانية وهي السِّمة المميزة للإمبريالية الحديثة. وإذا كانت البرجوازية تحاول فرض ثقافة احتكارية، وتلجأ إلى وسائل فعَّالة لدعم تدخُّل الدولة ولتشويه وتضليل الرأي العام، إلَّا أن الشعب العامل يُدرك، رويدًا رويدًا، حقيقة الأسباب الاجتماعية السياسية للمعاناة الأخلاقية التي يدينها واقع «هامِد لا حياة فيه».
إن أي تقييم معتدل لدور الأخلاق في البلدان يكشف وظيفته الاجتماعية والسياسية، ويكشف أزمته، واتجاه «التحلل من الصفات الإنسانية» وما يواكب ذلك من تآكُل أخلاقي. وعلى الرغم من أن أخلاق الطبقة الحاكمة، وهي أخلاق البرجوازية الاحتكارية، لا تزال هي السائدة والمُسيطرة على الأخلاق في البلدان الإمبريالية، إلَّا أنها تفقد مكانتها وتتحلَّل شيئًا فشيئًا. وهذا التحلُّل وتلك الأزمة اللذَين يُمسكان بخناق النظام الإمبريالي ينعكسان بصورةٍ مُحزنة أليمة في مجال الأخلاق التي انحطَّت قيمتُها في عصر الإمبريالية كصورةٍ للقيم التقليدية للبرجوازية. لقد تآكلَت المعايير والمبادئ الأخلاقية نتيجةَ عمليةِ التحلُّل الإنساني حتى إنها لم تعُد تُفيد كأساسٍ موثوقٍ به لإدارة النزعة المكيافيلية في السياسة إدانة أخلاقية.١٧ وهذا هو الشيء الوحيد في واقع الأمر الذي يُشير إليه الكتَّاب البرجوازيون في مجال علم الاجتماع والأخلاق عندما يُعربون عن شكوكهم بشأن فعالية الأخلاق في مجال السياسة الإمبريالية. والتشاؤم أمر طبيعي ما دام أنَّ وعيَهم الذاتي الأخلاقي لا يتجاوز بوجهٍ عام المبادئ الأساسية للأخلاق والمُثل البرجوازية السائدة في ذلك المجتمع.
وهذا هو السبب في أن أكثرهم يؤيد آراء نيكولاي برادييف الذي انتقد البرجوازية التقليدية؛ فقد قال: «إننا نشهد في أحدث ثمار التاريخ الحديث مأساةً غريبة وغامضة بشأن مصير الإنسان. فثمَّة من ناحية تطوُّر فكرة الفردية، التي لم تكن تعرفها الحقبة السابقة، وهي فكرة تكشف عن شيءٍ جديد في الثقافة الإنسانية وتُضيف بعض القيم الجديدة، ونلاحظ من ناحيةٍ أخرى تآكُلًا لم يسبق له مثيل لفردية الإنسان. إن الفردية تذوي بسبب الاتِّساع اللانهائي والعنف الشديد للنزعة الفردية. ونحن نلمس النتيجة الحقيقية للنزعة الإنسانية في عملية التاريخ: إذ تتحول النزعة الإنسانية إلى نزعة مُعادية للإنسانية.»
إن التشاؤم والتحرُّر من الوهم الأخلاقي عند أيديولوجيي الطبقة المُحتضَرة يُقابله تفاؤل ونزعة أخلاقية هادفة عند القوى المناضلة لبناء نظامٍ اجتماعي جديد وإنساني أصيل. إن الاتجاهات البرجوازية التي تعمل الطبقة الحاكمة على الترويج لها في الحياة الاجتماعية لا يمكن الإفادة منها لإصدار تقييمٍ أخلاقي سليم عن السياسة، إذ إن مثل هذا التقييم لا يمكن أن نصِل إليه إلا بتطبيق المُثل العُليا والمبادئ الأخلاقية للجماهير المسحوقة التي تكافح لتُحرر نفسها. ويقدم لنا التاريخ البرهان القاطع على الآفاق الرحبة لأخلاق حركة التحرر التي تخوضها الشعوب في الحقبة الراهنة. ويفسر لنا هذا نزعة التفاؤل التاريخية المُعتدلة للماركسية بالنسبة للعلاقة بين الأخلاق والسياسة في عصر الذرة، وهو عصر التحول الاجتماعي الذي يشهد صدامًا ضاريًا بين ماضي البشرية ومُستقبلها.
١ W. Warren Wagar, The City of Man, Boston, 1964, p. 3.
٢ نفس المرجع.
٣ Crane Brinton, A History of Western Morals, New York, 1959, p. 443.
٤ الاقتباس عن مجلة Inostrannaya literatura عدد ١، سنة ١٩٦٦م، ص٢٣٣.
٥ لينين، الأعمال الكاملة، مجلد ٢٣، ص٤٣.
٦ Robert L. Heilbroner, The Future as History, New York, 1959, p. 46.
٧ Karl R. Popper, Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge, London, 1963, p. 355.
٨ Lewis Mumford, In the Name of Sanity, New York, 1934, p. 166.
٩ Julian Huxley, The Human Crisis, University of Washington Press, 1963, p. 20.
١٠ Erich Fromm, Beyond the Chains of Illusion, New York, 1962, p. 29.
١١ Robert K. Merton, Social Theory and Social Structure, Glencoe, 1957, p. 162.
١٢ M. Choukas, Propaganda Comes of Age, Washington, 1965, p. 3, Co..
١٣ نفس المرجع، ص٣٨.
١٤ C. Wright Mills, The Power Elite, New York, 1957, p. 343.
١٥ نفس المرجع، ص٣٠٠.
١٦ Daniel Bell, The End of Ideology, Glencoe, 1960.
١٧ يُستخدَم مفهوم «النزعة المكيافيلية» على نطاقٍ واسع للتعبير عن الآراء الاجتماعية السياسية التي ترفض دور الأخلاق كعامل مُسيطر في مجال السياسة، وتُبرز هذه النزعة استخدام وسائل مثل الغدر والقتل والتآمُر. ويجدُر بنا ألَّا نتصوَّر المعنى الراهن باعتباره تقييمًا لأفكار نيكولو مكيافيلي (١٤٦٩–١٥٢٧م).



