همٌّ عند باب الصيدلية/بسام الطعان

(من راقب الناس مات همّاّ)، هذا صحيح. أما هو فيراقب لا حسداً، وإنما ليتخلص من همه الذي هو صانعه.
كان مجرد التفكير بالأمر يجعله يخفض رأسه، فكيف لو نفذه؟
على مدى ثلاثة أيام، ظل يقف في زاوية تتيح له رؤية الداخل والخارج في الصيدلية الوحيدة في البلدة.
وحين رآها خالية إلا من صاحبها، تقدّم وهو يلتفت حوله، لكن ما إن بلغ الباب حتى انقضّ عليه الخجل، فتراجع بخطوات مرتبكة.
لاحظ الصيدلي ارتباكه، فنهض من خلف الطاولة واقترب يسأله عمّا يريد، لكنه لم يلتفت إليه، وردّ بكلمات باهتة تركت الحيرة في قلب الرجل.
من يراه للوهلة الأولى سيظن أنه لص. وحين كرر محاولته الثالثة دون أن يجرؤ على طلب ما جاء من أجله، جلس على حافة الرصيف مثقلاً بتردده.
كان لا يريد أن يراه أحد وهو يشتري تلك الحبوب. والآخر كان غريباً عن البلدة، لا يثق بأحد، وأي تصرف غريب يثير قلقه. وبعد تفكير طويل، اتصل بالمخفر طالباً المساعدة.
في مساء اليوم الرابع، وبعد مراقبة المتعبة، تبعثرت أفكاره بين العودة إلى البيت أو اقتحام المحل أخيراً, فقد حان موعد الإغلاق ولم يحصل على ما يريد، وهو لا يريد أن يعود إلى البيت خالي الوفاض كي لا ينال التوبيخ.
وقف في مكانه المعتاد على الرصيف المقابل، يحدّق إلى الداخل حيث كان صاحب المحل منشغلاً بترتيب الأدوية.
جاءته شجاعة مفاجئة، فشدّ كوفيته الحمراء واقترب بسرعة. لكن قبل أن يصل، انبثق شرطي بملامح خشنة، أمسكه من رقبته وجرّه إلى الخارج:
ـ أهلا يا حرامي أفندي.
تنفس الصيدلي الصعداء، أما الرجل فبدا كديك باغته الذئب فجراً، ولم يجد سوى الدهشة ليصرخ بها.
لم ينطق بكلمة طوال الطريق. وفي المخفر تلقّى توبيخات وصفعات، فهو “ضيف” ورئيس المخفر كريم.
رمقه رئيس المخفر بنظرات غاضبة، ثم نصحه بقول الحقيقة كاملة.
بعد لحظات قال له الشرطي بعصبية:
ـ تكلم يا لص.
قال بصوت يرتعش فيه البكاء:
ـ أنا بريء، ولم أفعل ما يستحق كل هذا.
وحين أدرك أنه سيبقى متهماً، قال وهو يمسح دموعه:
ـ زوجتي طيّرت عقلي… قالت اذهب واشترِ هذه الحبوب. قلت لها لا أستطيع، لكنها أصرت، وقالت إن زوج صديقتها كل شهر يشتريها لها ولا يغلبه الحياء. وحين نفذتُ رغبتها صنعتُ الهمّ لنفسي.
عمّ الصمت غرفة التحقيق. تبادل الشرطي ورئيس المخفر نظرات غامضة، ثم ابتسم رئيس المخفر.
وضاع الرجل بين النظرات والابتسامة، كأن في الأولى تهديداً، وفي الثانية بشرى.
bassamaltaan@yahoo.com



