ليلٌ تاه فيه أرخميدس – بسام الطعان

يا لها من ظهيرة حارقة، تذيب القار, تجف الحناجر, وتجبر كل كائن على أن يبحث عن ظلّ ورشفة ماء.
في هذه الظهيرة التموزية، انطلق موكبنا السعيد، المزيّن بالورود والشرائط الملونة، بكامل أناقتنا، نلّوح بأيد مرحة, نصفق ونغني بأصوات منتشية. وحين عدنا في المساء إلى بلدتنا , كانت ثيابنا ممزقة, شعورنا منتوفة, وأجسادنا ملوثة بالعرق والدماء .
قبل أن يفوته قطار الـزواج، جاء إليّ والفرح يتسرّب من مسام وجهه، ودعانا زوجتي وأنا لمشاركته عرسه الذي انتظره طويلاً.
قبل أن أسأله، متى وكيف تعرّف إلى صاحبة الحظ السعيد، حدد لي الموعد وودعني دون أن يرد على أسئلتي.
وصلنا إلى المدينة الكبيرة عند الأصيل، لكننا صرنا كمن يدخل متاهة مظلمة.
كان الموكب السعيد يدور في الشوارع خلف سيارة العريس، وكأن لا وجهة له، قطعنا شوارع كثيرة ونحن لا نعرف السبب، بينما وجوهنا وأعناقنا تحولت إلى مزاريب يسيل منها العرق.
أما النساء والفتيات، فقد تغيرت وجوههن بسبب المكياج الزائد والتعرق، حتى بدت وجوههن كأنها مطلية بالطحينة أو زيت الديزل
ما إن توقفت سيارة العريس، ومن خلفها سياراتنا في أحد الشوارع، حتى تنفسنا الصعداء، وقبل أن نترجل، أشار لنا العريس بيد مثقلة بألم دفين، أن نبقى في أماكننا، ثم دخل أحد المحلات, سأل أسئلة لم نعرف ما هي، وما لبث أن عاد برفقة خيبة أمل، لينطلق الموكب من جديد في رحلة جديدة محيرة.
قطعنا ثلاثة أرباع الشوارع تقريباً، وكانت نظرات العريس اليائسة، تتجه حيناً إلى اليسار، وحيناً إلى اليمين في حالة قلق. وبينما كنا نتأفف ونمسح عرقنا أشار لنا بالوقوف وصاح كمن اكتشف معجزة:
ـ وجدته.
اصطفت الـسيارات أمام أحد البيوت في شارع طويل، نزلنا بسرعة وشوق ونحن نرتب أناقتنا التي تبعثرت، ولجنا خلف العريس تسبقنا أهازيجنا وضحكاتنا التي سرعان ما ارتطمت بجدران الدهـشة والغرابة.
شاهدنا عشرات الرجال وهم جالسون وصامتون كتماثيل من خشب، ولولا بعض الحركات التي بدرت منهم لقلنا أنهم في متحف.
كان النواح ينبعث من الغرف المجاورة لأرض الدار، غير أننا لم نسمعه في البداية لأن أهازيجنا وصيحاتنا كانت تغطي سماء الحي كله.
اتجهت الأنظار نحونا موزعة بين الدهـشة والاستنكار، الحيرة والاستغراب، العتب والتقريع.
ـ فجأة ارتفعت الأصوات بين حانق ومحتج وساخر وشاتم. الحق معهم كان للمنظر وقع الصاعقة عليهم.
ولما استمر غناء النساء والفتيات اللواتي لم ينتبهن لما يجري، بدأ الحفل بسرعة ودون آلات موسيقية.
صفعة قوية لرجل منا، من رجل له وجه تتصدره عينان كعيني بومة. أقسم أنه كان مسلحا بكراهـية الفرح.
ارتفعت الصيحات عالياً، وساد المكان هرج, وخرجت النسوة المتشحات بالأسود من الغرف الكثيرة باتجاه نساؤنا في خطوات عسكرية سريعة، نثرت الهذيان، وما لبثن أن أطفأن ما تبقّى من فرح في المكان، ولم تمض دقائق حتى بدأ عرض تمزيق الثياب ونتف الشعور .
من تحت أقدام رجل بدين لم أر مثله في حياتي كلها، رأيت امرأة ترتدي الأسود, ثخينة، مربعة، جسدها الضخم يخيّل إليك أنه لا ينتمي للبشر، رأيتها تجلس بعذوبة فوق ظهر زوجتي النحيفة وتقول لها بحقد:
ـ والله وبالله وتالله سأحولكِ (مامونية بلا سكر) يا أم أربعة وأربعين”.
بينما حبيبتي المسكينة التي كنت أنظر إليها بحسرة وغيظ, فكانت تصيح:
ـ ” آخ يابو.. آخ يادي”.
ورأيت امرأة قصيرة، ممتلئة، مستديرة القسمات، تنتف شعر فتاة نتفاً عنيفاً، تغرقها فـي يم من البصاق وتقول لها باحتقار عميق:
ـ يا جيفة متحركة… يا سليلة إبليس”.
أما هي فكانت تصيح بصوت أقرب إلى الحشرجة:
ـ الحقوني…
وفي زاوية شبه مهملة، رأيت رجلاً وجهه غليظ وجسده ضخم كأنه خُلق من الغضب، يرتدي سروالا أزرق وبلوزة صوفية حمراء، ويعتمر كوفية خيوطها جهل، رأيته بأم عينيَّ ينفجر كالبركان ويوزع شتائمه بكل الاتجاهات ولم يستثن أحداً.
لأكثر من نصف ساعة, كانت العورات تظهر بشكل مقرف، وكان الدم يسيل مع العرق في جداول غير منتظمة، وبعد أن نلنا نصيبنا من الضرب والشتائم والتوبيخ وشربنا ملوحة عرقنا، استطعنا أن نخرج من ذلك البيت الذي بدا كأنه وُلد من الفوضى.
أما العريس، ارخميدس زمانه الذي كان نصيبه لكمات وبصقات كثيرة من رجل قزم على شكل اسطوانة غاز.
كان يمسك بربطة عنقه الزاهية الألوان ويقول بغضب مع كل لكمة وبصقة:
ـ لماذا تضع رسن الحمار في عنقك؟!
خرجنا من ذلك البيت تسبقنا خيبتنا، يرافقنا ليل بدأ يهبط على المدينة، بينما العريس استدار إلى الوراء، حدّق في البيت، وظلّ يكرر:
ـ هذا بيت العروس… أنا متأكد.
تجاهلنا كلام العريس، وصعدنا إلى سياراتنا نحمل يأسنا معنا. وقبل أن ننطلق، سألناه عن اسم الشارع الذي تسكن فيه العروس.”
نظر إلينا بعينين زائغتين وقال بصوت خافت:
ـ لا أذكر اسم الشارع، والغريب أنني لم أعد أذكر وجه العروس أيضاً.
وظلّ يحدّق في الظلام، كأنه ينتظر أن تلّوح له العروس.
bassamaltaan@yahoo.com





