مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

قرد يطلّ من نافذة حمراء✍بسام الطعان

صورة لرجل بالغ يرتدي نظارات وقميص مخطط، يظهر تعبير جدي، مع خلفية لونها كريمي.

                       

   لم يخطر بباله أبداً، سيرى أمامه يوماً خليفة التيس، أسنان القرد، ذيل الحمار، روث البعير، انقطاع الماء، لوثة الهواء، حرارة الصحراء، هجوم المغول، غباء المسؤول، فروع المخابرات، عذاب صيدنايا، ومذيع قناة الدنيا.

  صباحاً، أقصد بعد هروب الفجر مباشرة، استيقظ الكاتب على رنين جرس الباب، رنين مزعج، أيقظه من موته الليلي الذي يسمى النوم، وطرد دون خجل أحلامه الوردية، حاصره الرنين ففتح عينيه ببطء، نهض من سريره بتثاقل وتكاسل، بحث عن فردة مداسه تحت السرير، لكن الرنين المتواصل أجبره على الركض حافياً نحو الباب.

   فتح الباب بحركة سريعة، فطار النوم من عينيه دون أجنحة أو عيون، شاهد أمامه قرداً مسلحاً بكراهية الطيبة، متوسط القامة، وجهه آسن وأحمر، شعره أشقر ومجعد، ترتسم على جبينه ووجنتيه بحيرة حقد، ويحمل بين أصابعه الحمراء بقايا قلم معبأ بحبر اللؤم.

   ما إن اصطدمت نظراته به، شعر بشيء من الدهشة ،وشيء من الخوف، وكثير من الضعف، إنه يعرفه تماماً وإن لم يتحدث إليه من قبل، أشهر كاتب في المدينة كلها، كاتب من نوع خاص، خطه جميل هكذا يقولون  ويتغامزون ، والتهم  عنده  جاهزة  مثل طوابع البريد، يلصقها على ظهور البشر دون خوف من أحد.

   بعد دقيقة أو أقل بقليل ، تخلص الكاتب من دهشته وخوفه، ومع ابتسامة مصطنعة  رحب به رغماً عما به من مشاعر، ترحيب خارجه جميل مع لقب لا يستحقه، وباطنه وابل من اللعنات، لكم القرد فتل شاربيه الكثين وظل متعالياً ومتباهياً بقلمه.

   هل يستطيع القبح أن يتحول إلى جمال؟

   بدا أمامه كاليتيم على مائدة اللئيم، سأله بهدوء عما يريد ، فحدّجه  بنظرة غاضبة، رفع القلم في وجهه وقال بصوت أجش:

   ـ هل تعلم أنني أستطيع بهذا القلم أن أجعلك تنسى الأدب إلى الأبد يا قليل الأدب؟

   تغيرت كل ملامحه حين سمع هذه الكلمات وأيقن أنه سيسقطه لا محالة في هوة سحيقة إن لم يذعن له، وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة، استدار القرد وأخذ معه كل أفكاره التي كانت مبدعة.

   عاد إلى غرفته منهزماً، منكسراً، وعلى السرير وزع كلاماً لا ينتمي إلى الكلام.

   ظهراً، الواحدة  إلا ربعاً تحديداً، شعر بالحصار فارتدى ثيابه وخرج لا لسبب واضح، وإنما  لرغبة عرشت في داخله كاللبلاب، سار تحت  الشمس الغاضبة التي  تلفح  بوهجها وجوه البشر، يده اليسرى تنام في  جيبه، واليمنى تقوم بحركات غريبة وسط نظرات المارة، بينما رأسه حجر رحى يجرش أفكاراً سوداء، واصل سيره من  شارع  إلى  شارع ، ومن رصيف إلى رصيف، وفي الشارع المؤدي إلى  بيته ، لمح  القرد  من البعيد، فاستدار وكل همه الابتعاد عنه، اختبأ بين أجساد المارة، لكنه لحق به بخطوات سريعة، أمسك به من كتفه ، أخرج قلمه من جيبه ، رفعه في وجهه وقال بغضب وبصوت أشبه إلى الهمس:

   ـ لو حاولت الهرب مرة أخرى فسأجعل لك مسكناً في دياجير الظلام.

   ثم ابتعد عنه وكأن شيئاً لم يكن، عندئذ انفتحت أمامه كل أبواب الخوف، ورأى الدنيا كلها مظلمة ، لكنه  شعر بشيء من السعادة حينما حاور وحدته وذاته وسمع صوتاً لم يعرف إن كان يأتي من داخله أم من مكان آخر:” لا تستمع  إليه، إنه قرد مكروه بل جرد لا مكان له غير المجاري”.

   مساءً، أقصد السابعة والنصف بالتحديد، كان الكاتب يشارك في أمسية ثقافية مع زملائه الثلاثة، القاص والشاعر والشاعرة، لكنه لم يجب على تساؤلات أصدقائه عن سبب انكساره وتعبه الواضح على وجهه وشفتيه وتسريحة شعره، وحين جاء دوره، صعد بخطوات متعبة، وقف على المنبر،  فرد أوراقه أو بعثرها، ألقى نظرة على الحضور قبل أن يبدأ  بالكلام ، وفجأة   اصفـّر وجهه اضطربت أنفاسه ، وتبعثرت نظراته باتجاهات شتى، كل هذا حصل لأنه لمح القرد جالساً بين الحضور ومعه آخر يشبهه شكلاً وموضوعاً وهما يسددان إليه راجمات النظرات ، أنتظر الحضور أن يبدأ بالكلام، لكنه بقي جثة واقفة وسط الدهشة والهمس والابتسامات.

   ليلاً، أقصد قبل منتصف الليل بقليل، عاد الكاتب إلى بيته تسبقه خطوات متعبة، خائفة، مترددة، كأن كل خطوة تزرع في من روحه ألماً.

   فتح الباب ببطء، دخل، جلس في الصالة دون أن يشعل الضوء. جلس على الكرسي  قرب النافذة، وأخرج أوراقه التي لم يجرؤ على قراءتها في الأمسية من جيبه، وقبل أن يفعل شيئاً، سمع نقرات خفيفة على زجاج النافذة، رفع رأسه بشيء من الخوف، فرأى ما يشبه ظل أحمر، يقف كعمود ضخم ويبتسم ابتسامة آتية من قرد.

لم  يجرؤ على فتح النافذة، ولم يهرب، بقي جالساً، يحدّق في الظل الذي يحدّق فيه.

وفجأة، سمع صوتاً  يدخل اذنيه:

“القلم له فعل الرصاصة، من يستعمله بالشكل الصحيح ينجو بنفسه”.

لم يفهم إن كان الصوت معه أو ضده، ولم يفهم إن كان الظل يريد منه شيئاً، أم يهدده.

   بغتة اختفى الظل الأحمر، كأنه ذاب في الظلام، فأحس الكاتب بشيء من الراحة، أرسل نظراته إلى الخارج، ثم أخرج قلمه من جيبه، ظل ممسكاً بالقلم، ولم يكتب شيئاً، ولم يعرف إن كان سيكتب مرة أخرى، أم سيمزّق كل ما كتبه.

bassamaltaan@yahoo.com

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading