مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

ذاكرة تمحو الوجوه ✍ بسام الطعان

صورة لرجل متوسّط العمر يرتدي نظارات وقميص مخطّط، ينظر مباشرة إلى الكاميرا.

أجل, كادت تكون ليلة قاتلة, ليلة ضاقت فيها الأرواح في الصدور, ونحن الذين كنا أبدا متماسكين في وئام ومحبة, كادت تمضي بنا إلى أبغض الحلال, ثم منحتنا زوجتي وأنا رصيداً جديداً, أضيف إلى رصيدنا من الحب والسعادة, وتأكدنا بعدها بأن عُرى الروح لا يمكن لها أن تذوب بسبب نزوى أو بداعي غيرة.
مضى زمن طويل وظلت ذكرى تلك الليلة حيّة في أعماقي.
شدنا الشوق والواجب نحو منزل صديقنا, سنوات طويلة ونحن نعيش في بناء واحد, لا يفصلنا عن بعضنا البعض سوى جدران صماء, نتبادل الزيارات دون استئذان أو مواعيد, نتحاور ونتناقش حول أمور كثيرة وكأننا أسرة واحدة.
احتوتنا صالة مشبعة بالنور, مزدحمة بالتحف والآثاث بشكل مبالغ فيه, ودار بيننا الكلام, شيء من الثرثرة والتسلية, وصوت “فيروز ينساب من آلة التسجيل, الصوت الذي أعشقه منذ وعيت الدنيا راح يسقط في أذنيّ, فأسترجع الصورة الأولى التي انطبعت في ذاكرتي يوم عرفت أن هذا الصوت هو صوت فيروز, صوت ملائكي يشدني إلى الأعالي, ويهبط بي إلى السهول والوديان.
تناولنا كل ما اشتهت نفوسنا, وانتهى كلامنا , ولكي لا نشعر بالملل, طلب صديقي من زوجته أن تحضر ألبوم الصور, لعلنا نسترجع بعض ذكرياتنا, فقامت وعادت بعد قليل حاملة الألبوم وعلى وجهها ابتسامة عريضة أضاءت ملامح وجهها البشوش.
تحلقنا حول الألبوم, بينما صديقي يقلب صفحاته القاتمة الزرقاء بترو, كثيراً ما كان يقف أمام صورة له مع زوجته أو مع آخرين لا اعرفهم, أما أنا فكنت ارسم على شفتيّ ابتسامة مصطنعة.
ـ هل تتذكر هذه الصورة؟
ملت إلى الأمام, مددت يدي وأدرت الألبوم نحوي, كانت الصورة قديمة لدرجة أن الزمن استطاع أن يمحو الكثير من ملامحها, لكني عرفت على الفور أنها لي ولصديقي نقف في أحد البساتين ومعنا فتاة اختفت معالم وجهها, أخذت أحدق في الصورة محاولاً الغوص إلى داخل الذاكرة, لكنها رفضت أن تدلني إلى شريكتنا, فرجعت برأسي إلى مسند الكرسي, أغمضت عينيّ وسافرت إلى البعيد, استدعيت بذاكرتي كل ما فات, توغلت في أزمنة وأمكنة بعيدة ولكن دون فائدة, ولم أجد ما أقول, تبلد رأسي كعادته, فحدقت في فراغ الصالة, أرقب انهيار أشيائي في صمت.
ـ أما عرفتها؟
اكتفيت بهز رأسي علامة النفي.
تطلع إلى زوجته, ابتسم, وقال بشيء من الخبث:
ـ إنها حبك الأول, أنسيته؟
ـ فما كان من زوجتي إلا أن أطلقت شهقة الدهشة, وقالت بعصبية تولدت فجأة:
ـ ماذا؟ حبه الأول؟!
ـ نعم حبه الأول. أضافت زوجة صديقي ضاحكة.
عندئذ رجها غضب مرعب, التفتت إليّ وخاطبتني بلهجة لا تخلو من توبيخ:
ـ كنت تغشني إذن كل هذه السنوات؟
” يبدو أن هذه الليلة ستكون منذورة للأحزان والمواجع”.
أقسمت لها بأغلظ الإيمان بأنها وحدها حبي الأول والأخير, لكنها أبت أن تصدق, وظلت تتأملني وشراسة نمور تختبىء في عينيها:
ـ لا تحلف, فأنت غارق في مستنقع الخيانة الآسن, يا للمهزلة, وأنا ظننت نفسي مدركة لماضيك!
احتل الحزن دواخلي, ولم أعرف كيف أصوغ لائحة الدفاع عن نفسي, ففضلت الصمت على أن استفزها, بينما صديقي وزوجته يبتسمان ويتغامزان فيما بينهما.
بدأت تفقد زمام نفسها, كأنما الحمى تمسك بتلابيبها, شعرت بترددي وبما يجول في خاطري من أفكار, فعادت تقول وغضب عينيها يتوزع في المدى:
ـ إذا كنت تريد أن تعيش معي, فأنا لا أرضى بالعيش مع خائن.
أحسست بجرح الإهانة لكنني لم أغضب ولم أعتب, وإنما قلت بعد صمت:
ـ لست بخائن, أنت دائما في القلب وتعلمين مدى حبي لك, فلماذا تقولين هذا الكلام؟
ولكي لا يضيع الحب والحنان أضفت:
ـ أقسم بأن حبي لك عميق بلا قرار.
لكنها هدّت المسافات التي بيننا, ومع انفصال عسير يدب في كيانها, وقفت في مكانها وأصابعها تعبث بخاتمها وأعماقها تستغيث, انتظرت أن تهدأ, لكنها ازدادت اشتعالاً, وهاجمتها آلاف الوساوس, وبدت تائهة لا تبيّن شرقها من غربها, أما صديقي وزوجته فلم أعرف لماذا كانا يبتسمان.
حين تأكد الصديق من أنها جادة في ثورة غضبها، وأن جدار الثقة بدأ يتصدع بالفعل، سارع بانتزاع الصورة من الألبوم. لم يضحك هذه المرة، بل غلف وجهه وجومٌ مفاجئ وهو يرى الدموع في عيني زوجتي.
أمسك بالصورة وقربها من عينيها، قائلاً بصوت مرح:
ـ انظري.. انظري جيداً يا ابنة الحلال، لا تظلميه فهي ذكرى جميلة.
تناولتها بيد ترتجف، حدقت فيها جيداً وهي تمسح بيدها أحزان دموعها. ساد صمت ثقيل في الصالة لم يقطعه شيء سوى صيحات أنفاسها، حتى صوت “فيروز” بدا وكأنه يبتعد وينحسر في زوايا السقف.
حدقتْ في الصورة طويلاً، ثم نظرتْ إليّ نظرة غريبة، لم أعرف هل كانت نظرة حب، أم نظرة اعتذار، أم نظرة حيرة ممزوجة بقلق أو ذهول.
بعد حين قالت بصوت مخنوق:
ـ أتذكر كل لي ثوب يشبه هذا الثوب.. نعم.. ولكن..
صمتت فجأة، وأعادت الصورة إلى الصديق دون أن تكمل جملتها. تراجعت إلى الخلف، أسندت رأسها إلى مسند الكرسي، ثبتت نظراتها على السقف، وضعت راحة يدها على جبينها، ولم تطلق ضحكتها الرنانة المعهودة، لأن كل ما فيها أخذها إلى القلق.
أردتُ أن اعيدها إلى الطمأنينة، فالتفتتُ نحو الصديق، كي يؤكد لها أنها هي، وينهي المهزلة التي بدأت تتكون بكلمة قاطعة، لكنه لم يستجب لنظراتي واكتفى بإغلاق الألبوم ببطء شديد، ووضعه جانباً وهو يهمس:
ـ الذاكرة أحياناً تمحو الوجوه ولكنها تبقي على الشعور.
بعد برهة صمت، نهضت زوجتي بهدوء مريب، وطلبت أن نعود إلى بيتنا.
في طريق بقينا صامتين، ولم تلتقِ أصابعنا. كانت تنظر من نافذة السيارة إلى أضواء الشوارع الهاربة، بينما كنتُ أقود السيارة دون التفاتة وأنا أسأل نفسي: “هل كانت هي حقاً؟ أم أن الصديق تدارك الموقف لينقذنا من المشاكل؟
ما إن دخلنا إلى بيتنا، حتى وقفت أمام المرآة، وظلت تطيل النظر إلى وجهها لدقائق أحسستها سنوات، وفجأة التفتت إليّ وقالت بابتسامة غامضة لم أفهم أي معنى:
ـ تصبح على خير.. بعض الصور لا يمكن أن تكتمل ملامحها إلا حين نغمض أعيننا ونذهب في رحلة إلى الماضي.
دخلت الغرفة بهدوء وأغلقت الباب خلفها، وبقيت أنا في الصالة، أفتش في زوايا ذاكرتي المهترئة عن ذلك البستان، وعن وجه الفتاة التي غابت ملامحها في الصورة، وظل السؤال يدور من حولي: هل كانت هي أمنيتي وحلمي الأول؟ أم أن الزمن يريد أن يمنحني خديعة جميلة؟

Bassamaltaan@yahoo.com

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading