مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

رقصة الجنية في هدوء الليل – بسام الطعان

صورة لرجل يرتدي نظارات ويظهر بجانب وجهه تعبير جدي.

يا لها من سفّاحة، متصابية، ومصّاصة دماء. لو لم تكن كذلك، لما أرادت أن يكون وجهه البهي شارعاً تتسكع فيه، ومصدراً دائماً للإزعاج.
كان ممدداً على ظهره في فراشه. وبعد أن تناول عشاءه، أخذه النعاس إلى عالم النوم. كان فمه مفتوحاً ليفسح المجال للعاب كي يسيل في جداول منتظمة عبر ذقنه وعنقه، بينما أنفه يعزف ألحان الشخير التي يتقنها. أمّا هي، فكانت تقتحم خلوته بغرور، تتنقل من مكان إلى آخر، تعزف طنيناً على شحمة أذنه، ترسم قبلة على أرنبة أنفه، وترقص رقصة مزعجة فوق خده، فتستفز غضبه.
في البداية لم يكن يملك سلاحاً غير التأفف، ثم الكلمة. طلب أن تبتعد عنه، ونبّهها أكثر من مرة، لكنها لم تذعن له. هدّدها بعواقب وخيمة، لكنها بقيت تدور في دوائر التحدي والعناد.
حلّقت من حوله كأنها تسخر منه:
ـ اسمع يا ولد… لن أتركك ما دمتُ جائعة. في ذهني أن أمتص دمك ذا الرائحة الزكية، وأن أتغذى من وجهك البهي.
ـ ابتعدي وإلا فقأتُ عيونك.
ـ ما حزرت! أنا مثلك من لحم ودم، ولا تنسَ أن لي معدة أيضاً.
أطلق تهديداته وهو يحاول النهوض، لكنها لم تُبالِ، بل أطلقت ضحكاتها الطنانة.
توتر جسده دفعة واحدة، وقال كلاماً جارحاً، لكنها لم تبتعد.
وصل إلى قناعة راسخة بأنه لن يستطيع معاودة النوم وهي في الغرفة، فاستعمل سلاح اليد وهو مصمم على تكسير أرجلها وأجنحتها.
غابت للحظات ثم عادت أكثر إصراراً، وهي تغني بمرح، وتهيء خرطومها الثاقب لتبدأ بمص دمه.
أنذرها بالهلاك، فغابت من جديد. وعندما دخل عالم النعاس مرة أخرى، عادت وكأن صاعقة انفجرت. استفزته بذهابها وإيابها ولا مبالاتها، فارتفعت في داخله رايات الاحتجاج والانتقام. غير أنه خاطبها وكأنها صبية من بنات حواء، وطلب بصوت هادئ أن يعقد معها اتفاقاً، لا يتدخلان بموجبه في شؤون بعضهما البعض، وكان شرطه الوحيد ألا تريه وجهها:
ـ افعلي ما يحلو لك في البيت كله، ولكن لا تقتربي مني.
لكنها أصرت على تجاهل ندائه السلمي، وأن تمتص دمه وتأخذ منه ما تريد ومتى أرادت. ظلت تدور بخيلاء من حوله، فما كان منه إلا أن انتفض، وصار كل همه أن يلطمها لطمة يرى على أثرها نجوم الظهر.
راقبها بكل ما فيه من يقظة، واستعد لها. وقبل أن تقترب يده منها، ابتعدت بخفة ورشاقة كأنها تتنبأ بحركاته.
كانت تظهر وتختفي بسرعة تجعل وجودها أشبه بظل يمر في زاوية العين، لا يمكن أن يُمسك أو يُرى بوضوح.

استعد لمعركة أخرى. أمسك بفردة حذائه وكله إصرار على الانتقام. بحث عنها، راقب كل شيء في الغرفة، وكاد يشعر بالهزيمة واليأس.
ظلت نظراته تدور كرادار حتى رآها واقفة فوق صورته المعلقة على الجدار. نهض بهدوء وهو يرى في عينيها سخرية وعدم اهتمام. وقبل أن يصل الحذاء إليها، اختفت من جديد، ولولا أنه انتبه وقفز من مكانه لكان زجاج الصورة قد هشّم رأسه.
جنّد كل حواسه لخدمة المعركة بعدما طار النوم من عينيه. لم يعد يريد شيئاً سوى إلقاء القبض عليها حيّة أو ميتة.
كثيراً ما شاهدها وهي تصخب فرحاً وتملأ الغرفة طنيناً، إلا أنه لم يستطع الانتقام منها. شعر باليأس والضجر، فعاد إلى فراشه ينظر بحسرة إلى صورته، وإلى إطارها المهشم وقطع زجاجها المبعثرة على الأرض.
أرسل وفود نظراته في كل الاتجاهات، ورغبة جامحة تدفعه للانتقام. شاهدها واقفة على الحائط المقابل، في مكان قريب من السقف. أحضر كرسياً وصعد فوقه، وقبل أن يمد يده نحوها أطلق آهة.
سقط على الأرض بعدما تدحرج الكرسي. نهض وهو يتأوه والغضب يطل عملاقاً من عينيه.
خبّأ أنينه وتابع البحث عنها. شاهدها تطير وترقص في فضاء الغرفة كمهرج ماهر يتقن فنون ألعابه. نثر الصمت من حوله وهيأ لها نفسه، وحين مرّت من فوقه، وثب وثبة عالية ثم أطلق آهة أخرى.
ارتطم بالتلفاز الجاثم فوق طاولة صغيرة، فسقط فوق البلاط. لكنه شعر بالفرح، رغم الألم المسيطر على رأسه وجسده، لأن التلفاز لم يتهشم.
وبينما كان جالساً على الأرض يلهث من التعب، والعرق يتصبب منه، مر بالقرب من أذنه صوت يشبه رفرفة أجنحة، ثم سمع صوتها المزعج، كأنها تقرأ أفكاره:
ـ هل تظن أن المعركة انتهت يا عزيزي؟ الليل ما زال في أوله، وأنا لم أتعب بعد.
نهض بتثاقل وجلس على الكرسي. رفع رأسه ببطء، فرأى ظلّها يمر فوق الجدار ثم يختفي.
عاد إلى سريره وإن كان النوم قد طار. تمدد، وظلت يده تقبض على فردة الحذاء.
وفي تلك اللحظة، سمع طنيناً خافتاً، لكنه لم يعرف إن كان طنين صديقته،
أم مجرد صدى خوفه وتعبه ويأسه؟

bassamtaan@yahoo.com

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading