مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

بين انتقائية التنظير وضرورة شمول الرؤية: دفاع في معنى النقد الذي لا يهادن -عبد العزيز الخبشي- المغرب

صورتان لشخصين، الأولى تظهر رجلًا يرتدي نظارات شمسية، بينما الثانية تُظهر رجلًا يرتدي بدلة ورابطة عنق مع خلفية مزخرفة.

“تنظير حسن الفذ ل”هركاوة” المغرب الشعبي، دون “هركاوة” المغرب الرسمي فيه انتقائية وهروب وما يشبه وضعية النعامة .. عيب يا حسن !

– بوجمعة العوفي- المغرب.

يحمل قول الناقد والشاعر بوجمعة العوفي شحنة دلالية كثيفة تتجاوز مجرد تعقيب عابر على طرح فكري، ليغدو مساءلة جذرية لمنهج في النظر إلى الواقع المغربي. حين يصف العوفي تنظير حسن الفذ ل”هركاوة” المغرب الشعبي بأنه انتقائي، فإنه لا يستهدف فقط مضمون الخطاب، بل يكشف عن خلل منهجي في تمثل الظاهرة الاجتماعية والثقافية في كليتها. ف”الهركاوة”، بوصفها تمظهرا من تمظهرات الثقافة الشعبية، لا يمكن عزلها عن بنيتها الأشمل التي تتقاطع فيها الرسميات وغير الرسميات، السلطة والهامش، المركز والأطراف. إن الاقتصار على “المغرب الشعبي” دون مساءلة “المغرب الرسمي” هو في جوهره تجزيء للواقع، وتغافل عن ديناميات القوة التي تنتج هذا الشعبي نفسه. بذلك، يصبح التنظير أقرب إلى ممارسة انتقائية تسقط ما لا يخدم سرديتها، بدل أن تنفتح على تعقيد المشهد بكل تناقضاته. بل إن هذا النمط من التفكير يعيد إنتاج نفس البنية التي يدّعي نقدها، حيث يتم اختزال الواقع في صورة جزئية تخدم زاوية نظر محددة، وتقصي كل ما من شأنه أن يربك هذا التمثيل أو يفضح حدوده المعرفية.

إن دعم موقف بوجمعة العوفي يقتضي التأكيد على أن كل قراءة أحادية للواقع الاجتماعي هي قراءة قاصرة بطبيعتها، لأن الظواهر الثقافية لا تنشأ في فراغ، بل تتغذى من بنية مؤسساتية وسياسية واقتصادية تؤطرها وتعيد إنتاجها. حين يحتفى ب”الهركاوة” كجزء من “المغرب الشعبي” دون مساءلة السياقات الرسمية التي قد تكون ساهمت في تهميشها أو استغلالها أو حتى توظيفها رمزيا، فإننا نكون أمام نوع من التواطؤ غير المعلن مع تلك البنية. وهنا يكتسب توصيف “وضعية النعامة” معناه العميق، لأنه لا يشير فقط إلى الهروب من مواجهة الحقيقة، بل إلى اختيار واع لتجاهل نصف الصورة. هذا التجاهل لا يضعف فقط مصداقية الخطاب، بل يحوله إلى خطاب تجميلي، يكتفي بالاحتفاء بالمظاهر دون الغوص في الجذور، ويستعيض عن النقد الجذري بوصف سطحي لا يزعج التوازنات القائمة. ويمكن القول إن هذا النوع من الخطاب يندرج ضمن ما يمكن تسميته “نقدا منزوع الدسم”، حيث يتم تفريغ المفاهيم من حدتها النقدية وتحويلها إلى أدوات وصفية باردة لا تلامس جوهر الاختلالات البنيوية.

من جهة أخرى، يكشف نقد بوجمعة العوفي عن حس نقدي يرفض المهادنة ويراهن على شمولية الرؤية. فالمثقف، في تصوره الضمني، ليس مجرد واصف للواقع، بل فاعل نقدي مطالب بكشف تناقضاته، لا بانتقاء ما ينسجم مع ميولاته أو حساباته. إن التغاضي عن “المغرب الرسمي” في سياق الحديث عن ظاهرة شعبية، يعني عمليا إعفاء هذا الرسمي من المساءلة، وكأن ما يحدث في الهامش منفصل تماما عما يدار في المركز. غير أن التجربة التاريخية والسوسيولوجية تثبت أن العلاقة بين الاثنين علاقة جدلية، حيث يؤثر كل طرف في الآخر بشكل مستمر. لذلك، فإن أي تنظير لا يستحضر هذه الجدلية يظل ناقصا، بل ومضللا أحيانا، لأنه يعيد إنتاج وهم الفصل بين ما هو في الحقيقة متداخل ومتشابك. بل أكثر من ذلك، فإن هذا الفصل المصطنع يخدم، بوعي أو بدونه، استمرارية نفس التراتبيات التي تنتج الهامش وتعيد إنتاجه، مما يجعل من الصمت عن الرسمي شكلا من أشكال التواطؤ الرمزي مع سلطته.

ولا يمكن إغفال البعد الأخلاقي في عبارة العوفي “عيب يا حسن!”، فهي ليست مجرد عتاب شخصي، بل تعبير عن خيبة أمل في دور المثقف الذي يفترض فيه أن يكون في طليعة من يواجهون الانتقائية والاختزال. هذا النداء الأخلاقي يعكس تصورا لدور الكتابة والنقد بوصفهما مسؤولية، لا مجرد تمرين لغوي أو استعراض فكري. فحين يتحول التنظير إلى أداة لتجميل الواقع أو القفز على تناقضاته، فإنه يفقد جوهره النقدي، ويصبح أقرب إلى خطاب تبريري، مهما بدا في ظاهره جريئا أو مختلفا. ومن هنا تأتي قوة تدخل العوفي، لأنه يعيد توجيه البوصلة نحو ما ينبغي أن يكون عليه النقد: ممارسة شاملة، جذرية، لا تستثني أحدا من المساءلة. وهذا ما يمنح خطابه بعدا تقويميا، لا يكتفي بالتشخيص، بل يدعو ضمنا إلى إعادة بناء الوعي النقدي على أسس أكثر صرامة ووضوحا.

يمكن القول، كخلاصة، أن موقف بوجمعة العوفي لا يدافع فقط عن ضرورة إدماج “المغرب الرسمي” في أي حديث عن “المغرب الشعبي”، بل يؤسس لرؤية نقدية تعتبر أن الحقيقة لا تدرك إلا في كليتها، وأن كل انتقائية هي شكل من أشكال التزييف، سواء كان مقصودا أو غير مقصود. إن دعوته الضمنية هي إلى تجاوز القراءات المجتزأة، والانخراط في تفكير مركب يعترف بتعقيد الواقع المغربي، بدل تبسيطه إلى ثنائيات مريحة. وبهذا المعنى، فإن نقده لا يفهم كرفض لشخص أو طرح بعينه، بل كدفاع عن أخلاقيات الفكر نفسه، وعن ضرورة أن يظل النقد وفيا لوظيفته الأساسية: كشف ما يراد له أن يبقى مخفيا، وربط ما يراد فصله، حتى تظل الحقيقة، بكل وجوهها، حاضرة في أفق التفكير. ومن هنا، فإن قوة هذا الموقف تكمن في كونه لا يهادن ولا يجامل، بل يضع الإصبع على جوهر المعضلة: غياب الجرأة في مساءلة البنية الكاملة، والاكتفاء بانتقاد ما هو ظاهر وترك ما هو مؤسس وبنيوي خارج دائرة الضوء.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading