أوراق تُباع على طاولة الخوف لكريمة الحسيني (تونس) – قراءة نقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب


نص القصيدة:
سأبيع شِعري ومشاعري
وأهرب
من مقهى الشعراء الى الحانات
الجو هناك أنقى وأسلم
الكل في أمان
لا أحد يحدق بك أو يضمر لك الشر
هاربون مثلي
يحاولون الاختفاء داخل كأس
عن عيون وقلوب خذلتهم
نور خافت وجرعة نبيذ
تعادل ألف رواية وألف قصيد
العشاق محطمون بلا مشاعر
لا حبر يتبعهم ولا أرقام هواتف
يأتون للنسيان والهذيان مع غريب
ويرحلون
في هذه القطعة الشعرية تبدو الشاعرة وهي تمارس نوعا من الاقتصاد الوجودي: تبيع شعرها ومشاعرها لتسدد ثمن النجاة من وهم المكان المألوف — مقهى الشعراء — إلى فضاء آخر أقل رُتْبَةً لكنه أكثر صدقا من حيث أمان الجرح ووضوح الهروب. المقولة الأولى «سأبيع شِعري ومشاعري» ليست مجرد تصريح بل قاعدة انطلاق تعيد تعريف علاقة الشاعر/ة بالنص: الشعر هنا ليس نصًّا مُقدَّسا بل سلعة قابلة للتبديل، للهانم أو للخيانة، لشراء وللهروب. هذه المفردة الباعية تصعِّد سؤالا أخلاقيا وجماليا: ماذا يحدث للقصيدة عندما يصبح التعبير مبادلة؟ هل تختزل الشاعرة ذاتها أم تحررها؟ القصيدة تقترح أن البيع هو فعل دفاعي قبل أن يكون اقتصاديا — ركْنٌ إلى الامتثال في وجه عالم لا يمنحك مأوى لراكع بالشعر.
التحوّل المكاني من «مقهى الشعراء» إلى «الحانات» يحمل إيحاءات رمزية واجتماعية قوية: المقهى فضاء شعري وذاكُ ذاكرة ثقافية تجمع اسماء ووجوها وتحوّل القراءة إلى طقس؛ بينما الحانة، هنا، هي الخارجية المجهولة واللامُحكَمَة، حيث تختفي الرقابة الاجتماعية وتزول قيود الإيحاءات التقليدية. تقول الشاعرة إن «الجو هناك أنقى وأسلم»، وبهذا تتجه بحس ساخر إلى قلب المتناقضات: الأنقى في الحانات؟ الأمان في الخفاء؟ هذا تعبير عن سُخف مُعاش؛ فالأمان لا يأتي من الفضيلة بل من التضامن اللحظي بين هاربين يتساوون في كسرهم. النفي «لا أحد يحدق بك أو يضمر لك الشر» لا يعني غياب كل خطر بل إزاحة الخوف من التقييم، وهو في الشعر أمرٌ مصيري: الحرية تتعاظم حين يتلاشى رقيبُ العين.
لغة القصيدة اقتصادية، قصيرة الجمل مكثفة، تفضّل البذل على التبرير، وتعتمد على تعديلات إيقاعية تخلق وقعا نثريا سهلا لكنه غني بالمعاني. ثنائيات متقابلة تغلب على البناء: الهروب/البيع، المقهى/الحانة، الضوء الخافت/جرعة النبيذ، الأمان/الخيانة. هذا التلاعب بالثنائيات يجعل النص مجالا لتقاطعات رمزية لا تنقطع، حيث كل صورة تراعي الأخرى وتخصبها. الجمل البسيطة لا تقلل من ثِقَل المعنى؛ بل تضيف حدة درامية، كما لو أن الشاعرة تختصر المدن في قول واحد أو كأس واحد.
الصورة المحورية في النص هي «الاختفاء داخل كأس» — استعارة مركزة تكثّف فكرة الانصراف عن العالم إلى داخلية ذاتية مشروخة، حيث الخلاص والإغماء والاختفاء متقاطعان. الكأس هنا ليس فقط وعاء مشروب بل مدخل إلى عالم آخر، محرابٌ مؤقتٌ للذاكرة الممزقة. «عن عيون وقلوب خذلتهم» توضح أن الهروب ليس من المجتمع فقط، بل من جروح شخصية لا تُشفى بذكريات؛ العيون والقلوب رمزان للثقة والحب اللذان تلاشيا، فالكأس تعويض عن علاقة فاشلة وعن لغة لم تعد تصل. هناك، في الكأس، تتبدل الكلمات إلى مشاعر قابلة للاستهلاك: نور خافت وجرعة نبيذ «تعادل ألف رواية وألف قصيد» — تضخيمٌ يحمل قيمة مزدوجة: من جهة استعطاف لقيمة اللحظة البسيطة، ومن جهة نقد لضعف الرواية والشعر أمام قوة اللحظة الحسية. إنها ثورة على التضخم الأدبي: القصائد والروايات لا توازي دفقة من النسيان.
غياب «الحبر» و«أرقام الهواتف» هو إعلان نزع طابَعْ التواصل التقليدي: الهاربون لا يتركوا آثارا، لا خطوة إلى الوراء، لا وعدا بالعودة. هذا العدمية التواصلية تعكس نزعة انتحارية لعلاقاتٍ قصيرة، حيث العلاقة مجرد تبادل ألم ونسيان. كما أن العبارة تحتمل نقدا للثقافة الرقمية التي تحاصر الحب في أرقام وهويات؛ الشاعرة تختار النسيان كطريقٍ نظيف لا تسجيلات فيه، لا تاريخٌ ولا دليل. لذا، الحب هنا مُحطم، بلا مشاعر راسخة، لأن الذاكرة نفسها مصابة.
الرمزية الدينية والاجتماعية تبدو دقيقة: النبيذ والكأس رمزان لتمرد على التحريم واحتضان للحيوية الممنوعة. في سياق شمال إفريقي محافظ قد يبدو المشهد مستفزا أو محفوفا بالجرأة، والشاعرة تستثمر ذلك لتسليط الضوء على عري الذات أمام قواعد المجتمع. النور الخافت لا يضيء بل يختفي — ضوءٌ يكاد يكون انعكاسا داخليا لا خارجيا، يجري معادلة بين الحواس والشعر: ما لا يكتب يُحيا في لحظة وليس في سجلات.
من الناحية الأسلوبية، ثمة موهبة في الاقتصاد اللفظي والاستعارة المركزة. التكرار الضمني في مفردات «الهروب» و«الاختفاء» و«الرحيل» يصنع شيئا من الإيقاع الحزين الذي لا يعلن عن نفسه بشكلٍ ترفيهي بل كنبض داخلي ثابت. نبرة السرد الأولى شخصيّة ومباشرة، ما يجعل الصوت الشاعري قريبا من القارئ، وفي نفس الوقت يحتفظ بفتور نِدّي: الشاعرة لا تستجدي التعاطف بل تعرض حالتها كسجلّ واقعي. تلك المسافة تجعل النص أقوى لأنها لا تُلبس القارئ عاطفةً جاهزة بل تضع أمامه موقفا ليحكم.
القراءة النفسية للنص تكشف عن شخصية مُنهكة تبحث عن ملجأ من خيبات متكررة: البيع كخيار أخير، الحانة كمكان للانتحاء المؤقت. الهاربون «يحاولون الاختفاء داخل كأس» هم في حقيقة الأمر جرحى يبحثون عن انسحاب من عالم رفضهم. هذا النص، إذن، ليس فقط عن الفقدان العاطفي بل عن إرهاق وجودي في زمن تتقلص فيه المساحات الحقيقية للصدق. كما يمكن أن تُقرأ القصيدة كتحرك ضد الشاعرية الاحتفالية: رفضُ البوح المُعلن وانسحاب إلى تجربة جسدية ومباشرة.
في الأفق الثقافي، تبدو القصيدة جزءا من تقليد الحداثة الشعرية التي تقرأ المدينة كمساحة للاغتراب والبحث عن الأصالة في الهامش. الانتقال من مقهى الشعراء إلى الحانات يعيد إنتاج أسطورة الانتقال من المثالية الأدبية إلى الواقع المادي العاري، حيث الشعر لا يصبح أكثر نقاوة بل يصبح قابلا للبيع، وبهذا تنتقد الشاعرة المقدس الشعري بينما تعترف بضرورته كقيمة داخلية لا تُقاس بالأسعار.
تقترح الشاعرة في الختام عبر نصها أن الخلاص ليس في النص وحده ولا في الذكرى، بل في فعل إنسانيٍ بسيط ومحبط أحيانا: المشاركة في نسيان جماعيّ، في لقاء عابر مع حرب على الذكريات. القصيدة تدعونا لقراءة الشعر ليس كمعبد للبداهة الجمالية بل كمكان يتكبد فيه الشاعر ثمن بقائه. البيع هنا ليس خضوعا أخلاقيا بقدر ما هو مقايضة ناجية، وفِي هذه المقايضة تكشف الشاعرة عن عالم مُعلِّن أنه لا ينقذنا إلا إذا قبلنا أن نفقد بعضنا.





