مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

أهازيجُ الغيم… ونداءُ البحر- القراءة: عبد العزيز الخبشي- المغرب

رجل في نقاش جاد، يجلس أمام ميكروفون وهو يرتدي سترة داكنة وقميص برتقالي، مع وجود شخص آخر في الخلفية.

كانت لي أمنية

أن أراك كما كنتَ،

قبل البكاء.

أن لا أرى في شهقة الريحِ عاصفتي،

ولا في دفتر عمري

ما خبّأتُهُ من شجنٍ ومواجع.

سلامًا على ما تبقّى،

سلامًا على تعتعةِ الخمر،

سلامًا على أمي

التي أحنو على طيفِها ما استطعت،

سلامًا على كل الرمال

التي احتضنتْ حيرتي،

سلامًا على غيمةٍ

ترتحلُ عبرَ ثنايا المدى.

ها هنا،

أرتّقُ الموج،

وقد أبحرتْ روحي دون أشرعة.

ترى،

هل أقولُ للزبدِ إذا ساحَ إليّ:

دعني أقرأ روحَ العواصف،

فأنتَ لستَ في حاجةٍ للبكاء؟

أم أطرّزُ عمري

وشاحًا لذلكَ الذي سوف يأتي،

علّ الموجَ يجيءُ بما وعدتْهُ الرؤى؟

فليس سوى غامضاتِ البحار

تقرأُ الغيم،

وتنبئُ بما خبّأتْهُ المقادير،

وفاضَ منهُ الإناء.

الشاعرة: د. آمال بوحرب – تونس.

—-

تمثل قصيدة “أهازيجُ الغيم… ونداءُ البحر” للشاعرة التونسية د. آمال بوحرب، تمثل لحظة انسكاب شعري تأملي، ينهل من أعماق الوجدان، ويستدعي الرموز الكبرى للطبيعة كي يبوح بما لا تستطيع اللغة المباشرة قوله. فهذه القصيدة تنتمي إلى الشعر الحداثي الذي يتكئ على حساسية جمالية مفرطة، ويوظف البنية الرمزية والتكثيف الدلالي لاستبطان الأسى الإنساني ومواجهة هشاشة الوجود، فيغدو البحر غابةً من الأسئلة، والغيم نشيدًا معلّقًا بين الممكن والمستحيل، والذات الشاعرة معراجًا يتماهى فيه الصوت بالنداء، والنداء بالغياب.

القصيدة، منذ سطورها الأولى، تعلن عن فقد ما، عن انكسار دفين، يتجلّى من خلال تمنٍّ خافت: “كانت لي أمنية/ أن أراك كما كنتَ،/ قبل البكاء”. ولا يخفى أن هذا المطلع يؤسس لبنية حوارية شديدة الحميمية، تُخاطب فيها الشاعرة كينونة غائبة، يُحتمل أن تكون حبيبًا، أمًّا، أو حتى الذات القديمة التي سقطت من علياء الصفاء إلى براثن الألم. هذا الغياب لا يُعالج بالبكاء، بل بالاستحضار الشعري الذي يجعل من المخاطَب قيمة روحية، وليس مجرد شخص من لحم ودم. إن الشاعرة تضع القارئ أمام لحظة فاصلة بين ما كان وما آل إليه الأمر، وهي لحظة البكاء التي تشكّل منعطفًا وجوديًّا.

في قوله: “أن لا أرى في شهقة الريحِ عاصفتي”، يتجلى التماهي بين الخارج والداخل، حيث تتجسد الذات العليلة في تمظهرات الطبيعة ذاتها، وكأن الكون يعكس مشاعرها، أو بالأحرى، تصبغ الذاتُ الطبيعةَ بحزنها. إنه خطاب إيكولوجي شعري، يجعل من عناصر العالم مرايا لانكسارات الذات. الريح ليست ريحًا فحسب، بل شهقة تخترق الداخل، والعاصفة ليست مجرد ظاهرة مناخية بل رجة وجدانية. ثم يأتي “دفتر عمري” كاستعارة للحياة المكتوبة، للحصيلة المدوّنة من المشاعر والمآسي، وكأن الحياة تُختصر في ما كُتب من ألم، وما تراكم من شجن.

يعود المقطع التالي لينشد سلامًا هادئًا، فيه مسحة صوفية وانحناء أمام قَدَر لا مهرب منه. “سلامًا على ما تبقّى” ليس مجرد استسلام، بل اعتراف بنُدبة الزمن، وتصالح مرّ مع ما بقي من الحلم. تتوزع “التحيات” بعد ذلك على محطات مؤثرة في وعي الشاعرة: الخمر، الأم، الرمال، الغيم. وهذه التعددية ليست اعتباطية، بل تنم عن بنية وجدانية غنية بالتأويلات. فالخمر قد يرمز إلى النسيان أو الطقوس الروحية أو حتى طقوس الحب، والأم ترد كطيف حنون يرافق الذات في معراجها، والرمال حقل من الحيرة والتيه، أما الغيم فهو الكائن الرحّال، الرمز العابر للزمن والمكان، الحامل لأسرار القدر.

“ها هنا، أرتّقُ الموج،/ وقد أبحرتْ روحي دون أشرعة”. هذه الصورة من أجمل ما في النص، فهي تُقدم مشهدًا وجوديًّا بالغ الرمزية. الذات تحاول رأب الصدع، رتق الموج، وهو أمر مستحيل بطبيعته، لأنها تحاول السيطرة على ما لا يُسيطر عليه. والموج هنا هو استعارة للمصير أو العاطفة الجارفة أو حتى الزمن المنفلت. أما الروح التي أبحرت دون أشرعة، فهي تعبير بليغ عن الإلقاء الاضطراري في مجاهل الحياة، دون توجيه أو حماية، في إشارة إلى العزلة الوجودية للذات في عالم متصدّع.

تتوالى الأسئلة التي تتأرجح بين الحيرة والتمرد: “هل أقولُ للزبدِ إذا ساحَ إليّ:/ دعني أقرأ روحَ العواصف،/ فأنتَ لستَ في حاجةٍ للبكاء؟”. الزبد، بصفته ما يتبقى من انكسار الموج، يتخذ هنا وظيفة المحاوَر والمخاطب، وكأنه كائن واعٍ، يعاني كما تعاني الذات. فالشاعرة تريد أن تُقنع هذا الكائن المؤلم – وهو جزء منها – أن لا يبكي، لأنها تسعى إلى قراءة “روح العواصف”، أي الجوهر العميق للألم، لعلها تفهم وتتحرر. وهذا ما يعيدنا إلى بعض ملامح التحليل النفسي، حيث البكاء ليس نهاية الألم بل بداية مواجهته، واللغة وسيلة للتحليل، للتحرر من الصدمة.

ثم يأتي المقطع الذي يُعدّ نبوءة شعرية: “أم أطرّزُ عمري/ وشاحًا لذلكَ الذي سوف يأتي،/ علّ الموجَ يجيءُ بما وعدتْهُ الرؤى؟”. وهنا تدخل القصيدة حيز الانتظار، حيث تصوغ الشاعرة لحظة الحاضر كاستعداد لما سيأتي، حتى ولو كان مجهولًا. والوشاح رمز أنثوي راقٍ، يحيل على الاستعداد للقاء، على التكريم، على الأمل الرقيق في عودة المستحيل. إنها صورة شعرية مشبعة بالرجاء والحكمة، مشغولة بأنامل امرأة لم تفقد شغف الحياة، رغم كل ما مضى من خسارات.

ويستمر البناء الرمزي في آخر القصيدة ببلاغة عالية: “فليس سوى غامضاتِ البحار/ تقرأُ الغيم،/ وتنبئُ بما خبّأتْهُ المقادير،/ وفاضَ منهُ الإناء”. هذه الصورة الأخيرة تبلور روح القصيدة برمتها. فـ”غامضات البحار” هي القوى الخفية، اللامرئية، التي تملك سر الحياة والموت، العشق والفقد، والغيوم التي “تُقرأ” ليست سوى أصداء الحلم والقدر. في هذا المقطع الأخير تتسع الدلالة لتمتد إلى البعد الكوني، حيث المقادير تنسكب من الإناء المملوء، في إشارة إلى امتلاء الحياة بما لا يُطاق من الأسرار والمصائر. ولعل “فيض الإناء” يحيل على لحظة الانكشاف أو على لحظة الفجيعة التي تفيض عن طاقة التحمّل.

من الناحية الأسلوبية، تتسم لغة النص برهافة عالية وبحضور لافت للصور المجازية، التي تجعل القصيدة تتجاوز البوح المباشر نحو التلميح والاختزال. فالقصيدة تتوسل الإيحاء، لا التصريح، وتُراهن على الغموض المُضيء، لا على البيان. وهذا ما يجعل المتلقي مشاركًا فاعلًا في تأويل المعنى، لا مجرد متلقٍّ سلبي. وتُستثمر الطبيعة في القصيدة بوصفها حقلًا رمزياًّ غزيرًا، يُسند المشاعر ويُكثّف المعاني. فكل عنصر فيها – البحر، الغيم، الموج، الزبد، الرمال – ليس دالًّا على ذاته، بل على شبكة من الدلالات النفسية والوجودية.

أما من حيث البنية الصوتية، فإن تكرار عبارة “سلامًا على” يشكّل جملة إيقاعية تتردد كصلاة أو ترنيمة جنائزية، مما يمنح القصيدة نوعًا من الموسيقى الداخلية التي تشي بالحزن النبيل. فالنص برمّته مكتوب بلغة شاعرية مفرطة في الأناقة، تتوسل المعجم الصوفي حينًا، وتستحضر نسق الرثاء حينًا آخر، لتنتج صوتًا أنثويًّا خاصًّا، يتأمل ويواجه ويستبطن.

وإذا اعتمدنا المنهج البنيوي، فإن القصيدة تُمثّل شبكة من العلاقات اللغوية المعقدة، حيث تتكرر الرموز بصيغ مختلفة وتتشابك الصور لتبني بنية دلالية متماسكة، تُسندها التكرارات والصيغ الاستفهامية والنداءات. في حين يمكن للمنهج التأويلي أن يكشف عن الحضور الوجودي العميق في النص، حيث الذات تؤول العالم من خلال ذاتها المجروحة. أمّا على مستوى القراءة النفسية، فإن النص يبدو وكأنه عملية تطهير داخلي، تُمكن الذات من إعادة التوازن عبر الكتابة، بوصفها فعلًا علاجيًا ومقاومة ضد التلاشي.

في النهاية، تمثّل هذه القصيدة نموذجًا راقيًا للشعر الحداثي العربي، الذي لا يكتفي بالتعبير عن الذات، بل يعيد خلق العالم من خلال حساسية أنثوية مفرطة، تتقاطع فيها الذكرى بالحلم، ويحتشد فيها البحر بالغيم والريح بالرمال، لتصوغ مرثية كونية، لا تُرثي شخصًا بعينه بل الوجود في جوهره. فالشاعرة لا تنوح على فَقْدٍ فردي، بل تُجيد كتابة الشجن الجمعي بلغة فردية، تجعل من “الأهازيج” وهمسات “النداء” موسيقى للغياب، وتأملًا شعريًا عميقًا في جغرافية الحنين

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading