القصة القصيرة

ليلة العيد…وزكاة المنتظرين – عبد العزيز الخبشي- المغرب

IMG 20250226 WA0042

في زحمة شوارع المدينة، تحت أضواء المصابيح الخافتة، كانت الأرصفة تضيق بالمارّة. الأطفال يركضون بثيابهم الجديدة، يضحكون ويتفاخرون بأحذيتهم اللامعة، بينما سالم يجلس على حافة الطريق، يرقب المشهد بعينين مثقلتين بالحزن.

هذه الليلة ليست كغيرها، فهي ليلة عيد الفطر، الليلة التي يخرج فيها الناس زكاة الفطر، وكان سالم يعرف أن جيوب العابرين قد تكون أكثر سخاءً من الأيام الأخرى. جمع أغراضه البسيطة وغيّر مكانه إلى قرب المسجد الكبير، حيث كان المصلّون يتوافدون لصلاة العشاء والتراويح الأخيرة.

كان في داخله يقين أن أحدهم سيمدّ إليه يده، ربما بقطعة نقود، ربما بكيس دقيق، أو حتى ببقايا طعام. جلس هناك بين مجموعة من المتسولين، كبار وصغار، نساء ورجال، كلهم ينتظرون العيد بطريقتهم الخاصة.

مرّت أولى الساعات ولم يحصل سالم إلا على دراهم قليلة، لم تكفه حتى لشراء خبز يملأ معدته الفارغة. بدأ القلق يتسلل إلى قلبه، وازداد ضيقه حين رأى السيارات الفاخرة تتوقف أمام المسجد، ينزل منها رجال بجلابيب مكوية بعناية، يحملون أكياسًا ويوزعونها بسرعة، ثم يختفون داخل المسجد.

اقترب سالم بحذر، ورأى بعض المتسولين يتسابقون إلى تلك الأكياس، كان بعضها ممتلئًا بالدقيق والأرز، وبعضها يحتوي على قطع نقدية ملفوفة في أوراق بيضاء. حاول أن يقترب أكثر، لكن يدًا قوية دفعته إلى الخلف، نظر فوجد رجلاً ضخماً يرمقه بنظرة قاسية:

— “ابتعد، هذه ليست لك!”

تراجع سالم بخيبة أمل، لكنه لم يستسلم. عاد إلى مكانه وانتظر، ربما سيجد شخصًا آخر أكرم. دقائق معدودة مرت قبل أن يقترب منه شيخ عجوز، نظر إليه بابتسامة وديعة ومدّ إليه كيسًا صغيرًا:

— “كل عام وأنت بخير، يا بني.”

فتح سالم الكيس بسرعة، كان فيه حفنة من التمر، وبعض الدراهم، لكنه لم يكن ما ينتظره. كان يتمنى أن يجمع ما يكفي ليشتري لنفسه ملابس نظيفة، ليشعر ولو للحظة أنه مثل باقي الأطفال الذين يمرحون حوله.

مع اقتراب منتصف الليل، بدأ الشارع يفرغ تدريجيًا، وبدأ الأمل في قلبه يخفت. كان العيد قد أتى، لكنه لم يطرق بابه. نهض بصعوبة، حمل جسده النحيل، وسار ببطء وسط المدينة النائمة. في داخله، لم يكن ينتظر زكاة الفطر فقط، كان ينتظر شيئًا أكبر من ذلك… ربما حياة جديدة، أو على الأقل، ليلة عيد لا يكون فيها منسيًا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading