مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

من أجل مشروع عربي بديل: نحو نهضة تحررية في مواجهة الصهيونية والصفوية والعثمانية الجديدة

Portrait of a middle-aged man with short gray hair and glasses, wearing a navy suit and a light blue shirt with a patterned tie.

حين يعلن ترامب – بصفته ناطقا باسم الإمبريالية الأميركية لا مجرد رئيس– أن الحرب انتهت، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد توقف طلقات المدافع أو تراجع نيران الصواريخ، بل بانتهاء لحظة صراع محددة كانت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان مواجهة مباشرة أو بالوكالة مع إيران. هذا الإعلان في حد ذاته يُعدّ لحظة فارقة، لأنه يكشف بوضوح معالم الخريطة الجيوسياسية الجديدة للشرق الأوسط، حيث تتراجع الحروب الساخنة، لكن تتعاظم صراعات المشاريع الكبرى التي تتنازع المنطقة: المشروع الصهيوني، والمشروع الفارسي الصفوي، والمشروع التركي العثماني الجديد. وفي ظل هذا المشهد المتناحر، يغيب المشروع العربي أو يظهر مفككا، عاجزا، دون روح استراتيجية، ودون القدرة على المبادرة أو حتى رد الفعل المنظم.

في هذا السياق، يصبح من الملح التفكير في ملامح مشروع عربي بديل، لا كحلم رومانسي قومي، ولا كاستعادة لماضوية ناصرية أو بعثية متآكلة، بل كمشروع تحرري مادي تاريخي، ينطلق من قراءة دقيقة للواقع ويهدف إلى تحصين الكينونة العربية، وتحرير الإرادة الشعبية، وبناء مناعة حضارية وسياسية واقتصادية في وجه مشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية.

إن الشرط الأول لقيام مشروع عربي هو الوعي بأن المنطقة ليست مجرد مسرح لتصارع الدول، بل فضاء لصراع نماذج حكم ورؤى للعالم: فالمشروع الصهيوني يقوم على إحلال كيان استيطاني عنصري توسعي فوق أنقاض الحق الفلسطيني والعربي، ويعيد تشكيل المنطقة عبر التطبيع الاقتصادي والثقافي والأمني. أما المشروع الصفوي الإيراني فيتمدد عبر أدوات مذهبية وشبكات عسكرية وطائفية، ويروم الهيمنة على القرار السياسي في بلدان عربية عدة، من العراق إلى اليمن، ومن لبنان إلى سوريا، باستراتيجية تراهن على التفكيك المجتمعي والانقسام الأهلي. بينما يتكئ المشروع التركي العثماني الجديد على خطاب إسلاموي شعبوي، ويغلف طموحه التوسعي بلغة الأخوة الدينية، مراهنا على فصائل الإسلام السياسي كحصان طروادة للعودة إلى عمق نفوذ السلطنة القديمة.

هذه المشاريع ليست عفوية، بل تتكئ على تصورات استراتيجية، وأدوات متعددة: من الاقتصاد إلى الإعلام، ومن التعليم إلى شبكات النفوذ الأيديولوجي والعسكري. وهي تتكامل جزئياً، لكنها تتصارع على مناطق النفوذ، مستفيدة من انكسار النظام الرسمي العربي، وتفكك البنى السياسية العربية، وضعف المجتمعات المدنية، وتواطؤ أو سلبية النخب.

في مواجهة ذلك، لا يمكن لمشروع عربي بديل أن ينهض على خطاب شعاراتي أو عنتريات جوفاء، بل ينبغي أن ينبثق من فهم جذري لطبيعة الصراع الطبقي والمجتمعي والسياسي في المنطقة. وهذا يقتضي اعتماد منهج تحليلي مادي تاريخي، يربط السياسة بالاقتصاد، ويقرأ البنى التحتية للمجتمعات العربية لا مجرد سطح الأحداث. فالتحرر الوطني لا ينفصل عن التحرر الاجتماعي، ومواجهة المشاريع الإقليمية لا تنجح دون بناء قاعدة شعبية واعية، ومتماسكة، ومسلحة بمعرفة نقدية، ومشروع اقتصادي بديل، ونموذج ثقافي مقاوم.

في هذا الإطار، يجب أن يقوم المشروع العربي على عدة مرتكزات أساسية. أولها، أن يكون مشروع وحدة لا اندماج، وتكامل لا صهر، بين مكونات الأمة العربية، في المشرق والمغرب، من الخليج إلى المحيط، على قاعدة احترام الخصوصيات المحلية، وتجاوز العصبيات القُطرية، وإعادة بناء الوعي الجمعي العربي على أسس مادية ومصلحية، لا مجرد نوستالجيا قومية.

ثانيها، أن يُبنى المشروع على قاعدة استقلال القرار السياسي، وتحرير الإرادة الوطنية من التبعية للخارج، سواء كان هذا الخارج أميركياً أو روسياً أو صينياً أو إيرانياً أو تركياً. وهذا يفترض إعادة صياغة التحالفات الإقليمية والدولية، لا على أساس الولاءات الإيديولوجية، بل وفق مبدأ المصلحة الوطنية والقومية التحررية.

ثالثها، أن يرتكز المشروع العربي على نمط تنموي مستقل، يقطع مع اقتصاد الريع والفساد والتبعية، ويراهن على العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، وبناء اقتصاد إنتاجي، وتشجيع التصنيع والزراعة الحديثة، مع إعمال منطق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة والدواء، وعدم الارتهان لمؤسسات النهب العالمي كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

رابعها، أن يستند المشروع إلى ثقافة مقاومة، تُعيد الاعتبار للهوية العربية كمجال مفتوح ومتعدد ومتسامح، لكنها في الوقت نفسه هوية نضالية وممانعة، ترفض التطبيع مع الصهيونية، وتقف ضد الطائفية والمذهبية والتكفير، وتناهض الذكورية والاستغلال الطبقي، وتفتح المجال أمام ثقافة المواطنة والمساواة والحرية والعقلانية.

خامسها، أن ينخرط المشروع العربي في بناء قوة عسكرية وأمنية عربية مستقلة، قادرة على حماية المجال السيادي، وردع العدوان الخارجي، ومواجهة الإرهاب الممول من الخارج، من دون الارتهان للقواعد العسكرية الأجنبية، أو التنسيق مع أجهزة أجنبية تعمل على اختراق القرار الأمني العربي.

سادسها، أن يُبنى المشروع على أساس دعم القضية الفلسطينية، لا بوصفها ورقة للمزايدة، بل باعتبارها جوهر الصراع العربي مع الصهيونية، ومفتاح بناء وعي تحرري جديد. إن المشروع العربي البديل لا يمكن أن ينجح من دون إعادة الاعتبار للكفاح الفلسطيني كرافعة مركزية، ليس فقط للتحرير، بل لإعادة توجيه البوصلة السياسية والأخلاقية للمنطقة.

وتجليات هذا المشروع يجب أن تتعدى الخطاب السياسي لتظهر في السياسات العمومية، في مناهج التعليم، في الإعلام، في العلاقات الخارجية، في شبكات التضامن الشعبي. ولا يمكن لهذا المشروع أن يتحقق إلا من خلال قوى شعبية تحررية، يسارية ديمقراطية جذرية، مناهضة للرأسمالية، وغير خاضعة لأي ابتزاز طائفي أو مذهبي أو إمبريالي.

هذا المشروع لا يمكن أن يُنتظر من الأنظمة القائمة، ولا من الطغمة الحاكمة التي أغرقت شعوبها في الفساد والقمع، بل من خلال بناء جبهات شعبية عريضة، تفرز قيادات ميدانية جديدة، من رحم المعاناة اليومية للمواطنين، من مخيمات اللاجئين، من المصانع، من الجامعات، من النقابات، من الأحياء الشعبية.

وهو مشروع صعب، لكنه ضروري، لأن البديل هو التبعية الكاملة، والتفكك النهائي، والضياع في مشاريع الآخرين. لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل من الممكن بناء مشروع عربي؟ بل: هل لدينا ترف الانتظار بينما تنهشنا مخالب المشاريع الثلاثة؟ الجواب ينبغي أن يكون بوضوح: لا. فإما مشروع عربي تحرري وحدوي ديمقراطي اشتراكي، أو استمرار في التمزق والذل.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading