حين تصير الدائرة وجعا: قراءة في شعرية الخوف والحب عند كريمة الحسيني

القراءة: عبد العزيز الخبشي- المغرب
ليس للحب دائرة
ذلك الشي الذي يطوقك
لا أعرف ما هو
لكنه يشبهني كثيرا
يجعلني أجري نحوك بلهفة
وأرمي كل الحزن خلفي
أرسم على الأرض دائرة
لا تسع سوانا
كلانا مكبل بالخوف
لم يعد يروقه السفر
ولا السباحة على شواطئ هشة
تسحب خطواتنا الى الوراء
وحده صوت فيروز يغمرنا بالدفء
يجعلنا نحلم ونغرق في المشاعر
باكرا تختلط الموسيقى بالقهوة
فتحدث الولادة
وتحيا الإبتسامات على الوجوه الكئيبة
المكتظة بالمخاوف
أحاول أن لا أخذلك حين ينتهي الصباح
وتنتهي الأغنية
أحاول أن أكتب اسمك ياحبيبي
على الطاولة
وأغازل شفتيك بقبلة خاطفة
قبل أن يأتي المساء
ربما تركتك وحدك بالدائرة
أخشى عليك من أنثى ثائرة
ترسم للحب دائرة
في هذه القصيدة التي تومض من خلالها كريمة الحسيني بضياء مشوب بالحزن، نكتشف عالما شعريا يحكمه الحب لكنه لا يخضع لنواميسه التقليدية، عالم هشّ، متوتر، تهيمن عليه دوائر الخوف والانكسار والحنين، وتغمره في الآن ذاته نداءات الرغبة والدفء والرغبة في الخلاص. فبعيدا عن الحب بوصفه علاقة وجدانية مألوفة بين كائنين، تنزع القصيدة إلى تقديمه في بعده الوجودي كقوة تطوّق الشاعرة وتستبد بها وتضعها على تخوم الجنون والدهشة. هذه المسافة التي تفتحها الشاعرة بين الذات والمحبوب لا تنبني على التوتر الإيجابي المألوف في النصوص الغزلية، بل هي مسافة القلق، مسافة اللايقين، مسافة الذات التي تعرف ولا تعرف، تخاف وتحب، تحضر وتغيب، تكتب وتمحو، كأنها ترسم على الماء شكلا، وتعلم أنه سيتبدد.
منذ السطر الأول، نلج عتبة تأملية فلسفية “ليس للحب دائرة”، وهي عبارة تنطوي على نفي مزدوج: نفي الشكل ونفي التحديد. فالدائرة، بما هي رمز للكمال والانغلاق والحدود الصارمة، يتم تفكيكها هنا بوصفها نقيضا للحب، فالحب لا يمكن أن يُطوّق، ولا أن يُرسم، ولا أن يُمسك، لأن في جوهره هروب دائم وحرية متدفقة. غير أن المفارقة الكبرى أن الشاعرة نفسها، في حركة شعرية تنطوي على تمزق داخلي، تقوم برسم دائرة على الأرض “لا تسع سوانا”، دائرة رمزية تحتضن الحبيبين، لكنها في العمق دائرة خوف وانكفاء لا كمال واحتواء. بهذا التوتر بين النفي والإثبات، بين رفض الدائرة وتشكيلها، تتأسس التيمة الجوهرية للقصيدة: الحب كفعل وجودي لا يخلو من اغتراب.
تنفتح القصيدة على مشهد عاطفي يمتح من التداعيات النفسية أكثر من الوصف الخارجي، إذ تصف الشاعرة شعورها إزاء ذلك “الشيء” الذي يطوقها دون أن تحدده، وتقول “لا أعرف ما هو”، لكنها في آن تعترف بأنه يشبهها، ما يعني أن الحب هنا ليس موضوعا خارجيا، بل هو ذاتها، هو امتدادها النفسي، ظلها الداخلي. هذا التماهي بين الذات والحب يمنح القصيدة كثافة سيكولوجية تجعل منها لحظة اعتراف أكثر منها لحظة احتفاء. تتدفق العاطفة إذن، لا بوصفها استجابة للآخر، بل كحركة داخلية تحركها الذات نحو الآخر الذي يبدو بدوره شريكا في الخوف والقلق والفرح المشوب بالألم.
إن الوظيفة الرمزية للفيزياء في هذا النص تُظهر قدرة الحسيني على تحويل العناصر اليومية إلى مجازات مشحونة بالدلالة: القهوة، الموسيقى، الطاولة، الشاطئ، المساء… كلها صور يتم شحنها بطاقة وجدانية قوية، فيتحول “صوت فيروز” إلى لحظة انبعاث، و”اختلاط الموسيقى بالقهوة” إلى “ولادة”، بينما يكون المساء لحظة فناء أو ابتعاد، تتقاطع فيه نهاية الأغنية مع رحيل الشاعرة خارج دائرة الحبيب. هذه اليوميات التي لا تروى على نحو تسجيلي، بل عبر ترميز فني دقيق، تُظهر انشغال الشاعرة بخلق شعرية التفاصيل، تلك التي تنبع من التجربة الحية اليومية ولكنها تتجاوزها نحو بعد فلسفي أعمق، حيث كل فعل بسيط (ككتابة الاسم، أو القبلة الخاطفة) يغدو قولا كونيا عن الإنسان والحنين والزمن.
تسكن النص طاقة نسوية كامنة، تتجلى في الخوف من “أنثى ثائرة”، وهي صورة مثيرة للتأويل، إذ تشير إلى تنازع داخلي في وجدان الشاعرة بين ثنائية الحبيبة والمرأة، بين الخضوع للعرف الرومانسي وبين الرغبة في التمرد، فالأنثى الثائرة في نهاية القصيدة ليست خصما خارجيا، بل قد تكون ذات الشاعرة الأخرى، تلك التي ترفض الحب المقيد، الراكد في دائرة، وتتمرد على النمط. هنا تبرز براعة الشاعرة في استدعاء الصراع الثقافي حول الأنوثة من خلال لغة الشعر، فالحب عندها ليس فقط فعلا وجدانيّا بل فضاء ثقافيا تُستعاد فيه أسئلة الانتماء، التحرر، الملامح، والموقع داخل العلاقة.
جماليا، تحافظ القصيدة على توتر فني هادئ ينبني على إيقاع داخلي ناعم، وخطاب شاعري مشبع بالعاطفة، مع ميل إلى الاقتصاد في اللغة والانزياحات البلاغية غير المتكلفة. تتكئ الشاعرة على الحكي أكثر من الغنائية الصريحة، وتفتح قصيدتها على فضاء حواري داخلي لا يحتكم لقواعد السرد الصارمة، بل يخضع لانفعالات الذات وتداعياتها العاطفية. هذا الشكل الفني يعبّر عن رغبة النص في تجاوز التقنيات التقليدية نحو شكل أكثر مرونة، يراهن على الإحساس والرمز أكثر من الزخرف البلاغي.
إن التوتر القائم بين الرغبة في الحب والخوف منه، بين حضن الدفء ورعب الفقد، بين القبلة والمسافة، يشكل قلب القصيدة النابض. تحاول الشاعرة أن تلتقط هذه اللحظة الهاربة من الدفء إلى البرد، من الدائرة إلى اللاشكل، من الحب بوصفه دفئا إلى الحب بوصفه تهديدا. وحتى حين تتجلى اللحظة الحميمة، فإنها لا تكتمل إلا بتوجس “ربما تركتك وحدك بالدائرة”، وهو ما يجعل القصيدة لا تنتهي بحل بل بفتح جديد للأسئلة، لأن الحب عند كريمة الحسيني ليس أجوبة بل أسئلة متلاحقة، ليس لحظة اكتمال بل استيهاما ناقصا.
هكذا، تقدم لنا هذه القصيدة نموذجا للكتابة الشعرية النسوية الحديثة التي تنخرط في مساءلة المفاهيم الكبرى من زاوية ذاتية – فلسفية – وجدانية، دون الوقوع في الغنائية المجانية أو التعقيد المتصنع. إنها قصيدة تحتفي باللحظة وبالغياب معا، وتكتب الحب لا كاحتفال بل كهاجس، وبهذا التوتر الفني والدلالي تصبح الدائرة، التي يُفترض أنها تحتضن، مجرد قيد آخر في قلب حب لا يقبل القيد، لأنها ببساطة دائرة رسمتها امرأة تخشى على حبيبها من أنثى فيها، تعرف أن الحب حين يثور لا تعود له دائرة.





