حين يتحول الحنين إلى لغة: قراءة في دفء الغياب عند نجية تازروت – عبد العزيز الخبشي- المغرب

الخاطرة:
[…] ويأتي المساء….وتصيبني رعشة الحنين…فأبحث عن الدفء في رسائلك القديمة!…كأن الكلمات ما زالت تحتفظ ببعض من نبضك…
الكاتبة: نجية تازروت – المغرب.
.
تتأسس هذه الخاطرة المكثفة للكاتبة نجية تازروت على بنية شعورية عميقة، تنبثق من لحظة مساءية مشبعة بالانكسار الوجداني، حيث لا يكون المساء مجرد زمن عابر، بل يتحول إلى كيان ضاغط يستدعي الذاكرة ويحرض الحنين. إن عبارة “ويأتي المساء…” ليست افتتاحا زمنيا بريئا، بل هي عتبة دلالية مشحونة بالإيحاء، إذ تحيل إلى ذلك التحول الوجودي الذي يرافق الإنسان حين ينفض عنه صخب النهار، فيجد نفسه وجها لوجه أمام فراغ داخلي يتوسل الامتلاء. هنا، يتخذ المساء بعدًا نفسياً، فيغدو استعارة عن الوحدة، وعن انكشاف الذات على هشاشتها.
من الناحية اللغوية، تنبني الخاطرة على اقتصاد تعبيري لافت، حيث تتكثف المعاني في جمل قصيرة، لكنها محملة بطاقة إيحائية عالية. الفعل “تصيبني” في “تصيبني رعشة الحنين” يحمل في طياته دلالة المفاجأة والعنف الرمزي، وكأن الحنين ليس شعورًا إراديًا، بل هو قوة خارجية تهاجم الذات وتربك توازنها. أما لفظ “رعشة”، فيحيل إلى بعد جسدي للحنين، فيتحول الشعور إلى تجربة حسية ملموسة، تتجاوز المجرد إلى المحسوس، وهو ما يعكس قدرة الكاتبة على تجسيد الانفعال النفسي في صورة جسدية.
وتبلغ اللغة ذروتها الشعرية في قولها “فأبحث عن الدفء في رسائلك القديمة”، حيث يتجلى التوتر بين الماضي والحاضر، بين الغياب والحضور. إن “البحث” فعل دال على القلق والتيه، بينما “الدفء” رمز للحب والاحتواء والأمان، مما يجعل من الرسائل القديمة بديلاً عن الحضور الفعلي. هنا، تتحول الكتابة إلى مأوى، وإلى فضاء يعيد إنتاج العلاقة الغائبة، ولو بشكل وهمي. إن الرسائل ليست مجرد نصوص، بل هي كائنات حية تختزن “نبض” صاحبها، كما تشير العبارة الأخيرة “كأن الكلمات ما زالت تحتفظ ببعض من نبضك”.
من الناحية الفنية، تعتمد الخاطرة على تقنية الانزياح الدلالي، حيث تنقل الكلمات من معناها القاموسي إلى أفق مجازي أرحب. فالكلمات، في بعدها العادي، مجرد رموز لغوية، لكنها هنا تتحول إلى حوامل للنبض، أي للحياة. وهذا الانزياح يمنح النص بعدًا شعريًا، ويجعله مفتوحًا على تأويلات متعددة. كما نلاحظ حضور التشبيه الضمني في “كأن الكلمات…”، الذي يضفي على النص طابعًا تأمليًا، ويعكس حالة من التردد بين التصديق والتخييل، بين الواقع والرغبة.
أما على المستوى الرمزي، فإن الخاطرة تنسج شبكة من الرموز المتداخلة: المساء، الرعشة، الدفء، الرسائل، النبض. وكلها عناصر تتقاطع لتشكّل بنية رمزية تعكس تجربة الفقد والحنين. المساء رمز للغياب، الرعشة رمز للاضطراب، الدفء رمز للحب، الرسائل رمز للذاكرة، والنبض رمز للحياة. وبهذا، يتحول النص إلى حقل دلالي غني، تتفاعل فيه هذه الرموز لتنتج معنى مركبًا، يتجاوز المباشر إلى العميق.
وفي البعد الرومانسي، تنتمي هذه الخاطرة إلى تقليد أدبي يحتفي بالعاطفة الفردية، ويجعل من الحب تجربة وجودية تتجاوز الزمان والمكان. غير أن رومانسية نجيب تازروت ليست ساذجة أو حالمة، بل هي رومانسية مشبعة بالوعي بالفقد، وباستحالة استعادة الماضي. إنها رومانسية مأزومة، تبحث عن العزاء في اللغة، وتدرك في الآن ذاته حدود هذا العزاء. فالدفء المستعاد من الرسائل يظل دفئًا ناقصًا، لأنه لا يعوض الحضور الحقيقي.
ثقافيًا، يمكن قراءة هذه الخاطرة في سياق تحولات العلاقة الإنسانية في العصر الحديث، حيث أصبحت الوسائط المكتوبة—من رسائل ورقية إلى رسائل رقمية—تلعب دورًا مركزيًا في حفظ الذاكرة العاطفية. إن العودة إلى “الرسائل القديمة” تعكس نوعًا من الحنين إلى زمن أكثر بطئًا وصدقًا، حيث كانت الكلمات تُكتب ببطء، وتحمل وزنًا عاطفيًا أكبر. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار النص نوعًا من المقاومة الرمزية لزمن الاستهلاك السريع للمشاعر.
كما أن الخاطرة تطرح، بشكل ضمني، سؤال العلاقة بين اللغة والوجود: هل يمكن للكلمات أن تعوض الغياب؟ هل يمكن للنص أن يكون بديلاً عن الجسد؟ إن الجواب الذي تقترحه الكاتبة هو جواب ملتبس: نعم، الكلمات تحتفظ بـ”بعض” النبض، لكنها لا تحتفظ به كله. وهذا “البعض” هو ما يجعل الحنين ممكنًا، لكنه أيضًا ما يجعله مؤلمًا.
تقدم نجيب تازروت، كخلاصة، نصا مكثفا، يختزل تجربة إنسانية عميقة في بضعة أسطر، دون أن يفقد غناه الدلالي أو عمقه الشعوري. إنها كتابة تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الصورة أكثر من السرد، مما يجعلها أقرب إلى القصيدة النثرية منها إلى الخاطرة التقليدية. وبهذا، تنجح الكاتبة في تحويل لحظة شخصية إلى تجربة جمالية قابلة للتقاسم، حيث يجد القارئ نفسه في مرآة النص، ويعيد اكتشاف حنينه الخاص في كلمات الآخر.



