مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

الهمس بين اللغة والجسد: قراءة في ومضة كريمة الحسيني – عبد العزيز الخبشي- المغرب

صورة لشخصين في إطارات مختلفة، شخصية شابة ترتدي جاكيت أسود وقميص أبيض، وشخص آخر مسن يرتدي نظارات وقميص أزرق، مع خلفية بسيطة.

كريمة الحسيني – تونس.

تقوم هذه الومضة الشعرية للشاعرة كريمة الحسيني على اقتصاد مكثّف في اللغة وبذخ في الإيحاء، حيث يتحول النص إلى مشهد درامي صغير يختزل علاقة العشق في لحظة واحدة: لحظة الهمس الذي يسبقه تنفّس الحبيب، ولحظة اللمس التي تتجسد في رفع الشعر عن الأذن إيذاناً بالبوح. من الناحية اللغوية، يمكننا ملاحظة البساطة المدهشة في المفردات التي اختارتها الشاعرة، فهي مفردات يومية وعادية، لكنها محمّلة بطاقة إيحائية عالية: “أنفاسك”، “همسك”، “شعري”، “أذني”، “توشوشني”. هذه الكلمات ترتبط جميعها بالحواس المباشرة: السمع، اللمس، الشم، ما يجعل النص مشحوناً بالحسية، ويؤكد أن تجربة الحب ليست مجرد انفعال داخلي بل هي خبرة جسدية وروحية في آن. وبهذا يلتقي النص مع ما يسميه النقد البنيوي “شبكة العلامات” التي تشحن الكلمات العادية بدلالات غير عادية من خلال سياقها.

على المستوى الفني، نجد أن النص يعتمد بنية تدرجية تصاعدية: يبدأ بالأنفاس (وهي حالة خارجية لا إرادية) ثم ينتقل إلى الهمس (فعل إرادي ينطوي على نية البوح) ثم إلى اللمس (مد اليد ورفع الشعر)، وصولاً إلى فعل القول المباشر “أحبك”. هذه الحركة التصاعدية من اللاواعي (التنفس) إلى الواعي (الإفصاح بالكلمة) تجعل النص ينهض على بنية تصعيدية تشبه البنية الدرامية في المسرح، حيث تتراكم الأفعال البسيطة لتقود إلى لحظة الانفجار: إعلان الحب. وهنا تبرز قدرة الشاعرة على تحويل لحظة عاطفية عابرة إلى حبكة مصغّرة تحتفظ بكل خصائص النص الأدبي من بداية وعقدة ونهاية، حتى وإن اختزلتها في ستة أسطر.

أما من الناحية الرمزية، فالنص يقوم على صورة مركزية هي رفع الشعر عن الأذن. هذه الحركة البسيطة تتحول إلى رمز للاحتضان الحميمي، حيث تصبح الأذن بوابة للحب لأنها تستقبل الكلمة الأكثر كثافة في اللغة: “أحبك”. الشعر هنا ليس مجرد عنصر جمالي، بل حاجز مؤقت يحول بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، بين الصمت والكلام. حين يُرفع هذا الشعر، يصبح الحاجز مرفوعاً، ويصبح الجسد مشرعاً أمام اللغة، فيتحقق اللقاء بين الحواس والمعنى. إن هذا التوظيف الرمزي يشي بوعي عميق لدى الشاعرة بأن الحب ليس فقط حدثاً شعورياً بل هو طقس يتجلى من خلال رموز جسدية، وهذا ما يجعل النص ينفتح على تأويلات متعددة.

العاطفة في النص واضحة، لكنها ليست مبتذلة ولا غارقة في المباشرة. الشاعرة لم تقل ببساطة: “أحبك حين تهمس لي”، بل رسمت لوحة متكاملة للحظة الحب، حيث الأنفاس والهمس واللمس والوشوشة، ثم تركت الكلمة الأخيرة “أحبك” لتأتي في ذروة المشهد، كأنها خلاصة كل الإشارات السابقة. وهنا يمكن القول إن النص يحقق ما يسميه النقد التفكيكي “اللعب على الحضور والغياب”، إذ إن كلمة “أحبك” حاضرة كإعلان لكنها غائبة طوال النص، إلى أن تفرض حضورها في النهاية. وبذلك يتحول النص إلى رحلة من الملموس إلى المجرد، من العلامة إلى الدلالة، من الإيماءة إلى القول.

على المستوى الثقافي، يمكن النظر إلى النص باعتباره يعيد الاعتبار للحب في الثقافة العربية الحديثة. فالنص لا يتحدث عن الحب في بعده الغزلي التقليدي كما عند الشعراء القدامى، ولا يسقط في المباشرة الجسدية كما عند بعض كتابات الحداثة المتطرفة، بل يوازن بين الحسي والعاطفي في آن واحد. الأنفاس واللمس والوشوشة عناصر جسدية، لكن الكلمة “أحبك” تحوّل هذه العناصر إلى معنى أسمى يتجاوز الجسد. وهذا التوازن يعكس وعياً ثقافياً يتجاوز الثنائية التي حكمت الثقافة العربية بين الروحي والجسدي، ليؤكد أن الحب تجربة إنسانية شاملة تتجسد في الجسد واللغة معاً. ومن هذه الزاوية، فإن النص يساهم في تحديث الصورة الشعرية عن الحب في المخيال العربي.

من زاوية النقد النفسي، يمكن اعتبار هذه الومضة تجسيداً لرغبة عميقة في الأمان العاطفي. فالحب هنا لا يظهر من خلال الصراع أو الفقد أو الغياب، كما نجد عادة في الشعر الرومانسي، بل من خلال لحظة حميمية آمنة بين الحبيبين. الأنفاس والهمس واللمس كلها علامات اطمئنان، إذ توحي بقرب الآخر لا ببعده. وكأن الشاعرة تكتب نصاً يؤكد أن الحب الحقيقي يتجسد في التفاصيل الصغيرة لا في الملاحم الكبرى. هذه النظرة النفسية تكشف عن توجه نحو شعرية التفاصيل، وهي سمة بارزة في الأدب المعاصر الذي لم يعد يبحث عن البطولة بقدر ما يبحث عن اليومي والعابر ليمنحه قيمة كبرى.

لغوياً أيضاً، يمكن ملاحظة أن النص يقوم على الجملة الفعلية القصيرة: “أعشق”، “يمد”، “يرفع”، “توشوشني”. هذه الأفعال القصيرة توحي بالسرعة والانسياب، وتكاد تخلق إيقاعاً نفسياً يشبه إيقاع الأنفاس ذاتها. وحتى اختيار الضمير في “أعشق صوت أنفاسك” و”حين تمد يدك” و”توشوشني” يعكس تمركز النص حول الآخر/المخاطب، بحيث يتحول الحبيب إلى محور وجود النص، بينما الذات الشاعرة تظهر فقط في ضمير المتكلم “شعري”، “أذني”، لكنها ذات منفتحة على الآخر، مستسلمة له، وهذا يبرز طابع التماهي الذي تخلقه تجربة الحب.

في جانب آخر، يمكن القول إن النص يتأسس على ثنائية الصوت والصمت. فالأنفاس هي صوت قبل الكلام، والهمس هو كلام منخفض يكاد يكون صمتاً، ثم تأتي الكلمة “أحبك” كذروة الكلام. هذه الثنائية بين الصوت والصمت تخلق جواً من التوتر الجمالي، إذ إن القارئ يتتبع مسار الأصوات المتصاعدة حتى يصل إلى الكلمة الفاصلة. وهنا نجد أن الشاعرة نجحت في خلق ما يسميه النقد البنيوي “الانتظار الدلالي”، أي جعل القارئ في حالة ترقب لما سيأتي، وهو ما يفسر قوة الكلمة الأخيرة “أحبك” التي تبدو عادية في سياق الحياة، لكنها في النص تكتسب قوة استثنائية لأنها جاءت بعد سلسلة من الإشارات التمهيدية.

على مستوى التلقي، يمكن أن نقول إن النص مفتوح على قراءات متعددة. القارئ الذي يبحث عن العاطفة سيجده نصاً غنائياً شفافاً، والقارئ الذي يبحث عن الرمزية سيجد في الشعر والأذن والهمس صوراً متشابكة للبوح والحب، والقارئ الذي ينظر إليه من زاوية ثقافية سيجد فيه محاولة لإعادة تعريف الحب في الثقافة العربية الراهنة. هذه الخاصية تجعل النص ينتمي إلى ما يسميه النقد الحديث “النص المفتوح”، أي النص الذي لا يقدّم معنى واحداً مغلقاً بل يسمح بتعدد التأويلات.

وبهذا المعنى، فإن ومضة كريمة الحسيني لا يمكن اختزالها في مجرد نص غزلي قصير، بل هي بناء جمالي متكامل، يقوم على الاقتصاد اللغوي والتصعيد الدرامي والرمزية الجسدية والعاطفة الصادقة، وينفتح على أفق ثقافي يعيد للحب مكانته في الأدب العربي الحديث. إنها ومضة تثبت أن الشعر لا يُقاس بطوله بل بكثافته، وأن لحظة صغيرة من الهمس والأنفاس قد تختزل تجربة إنسانية كاملة.

غير أن فرادة النص لا تكتمل إلا إذا وضعناه في سياق المقارنة مع تراث الغزل العربي، حيث يظهر تمايزه الحداثي بوضوح. ففي نصوص عمر بن أبي ربيعة، مثلاً، يتجلى الحب في صورة اللقاءات العابرة في المواسم والأسواق، حيث الغزل قائم على المشاكسة، ووصف المحاسن الجسدية في سياق اجتماعي صاخب، يطغى عليه حضور الجماعة. أما عند ابن حزم في طوق الحمامة، فإن الحب يظهر باعتباره تجربة وجدانية داخلية، تميل إلى التنظير الأخلاقي والفلسفي أكثر من تصوير التفاصيل الجسدية الدقيقة. بين هذين النموذجين، تأتي ومضة كريمة الحسيني لتقدم انزياحاً حداثياً، إذ تنقل الحب من فضاء العموم إلى فضاء الخصوص، من وصف المحاسن إلى وصف اللحظة، من الخطاب الخارجي إلى البوح الحميمي. وهنا يتأكد أن الحداثة في النص لا تكمن في شكله المقتضب فقط، بل في تمركزه حول التفاصيل الصغيرة التي يتشكل منها المعنى العاطفي الأعمق.

وإذا مددنا المقارنة إلى الغزل الصوفي، فإننا نكتشف فرادة النص بشكل أوضح. ففي شعر رابعة العدوية، يتحول الحب إلى علاقة روحية مطلقة بين العاشقة والإله، حيث تختفي كل العلامات الجسدية لصالح التعبير عن العشق الإلهي الذي يتجاوز كل رغبة دنيوية. وعند ابن عربي، يتخذ الحب بعداً كوسمولوجياً، إذ يصبح الحبيب صورة للحق وتجلياً للإلهي في المحسوس، حيث تختلط التجربة الجسدية بالمعنى الماورائي. أما نص كريمة الحسيني فيبقى راسخاً في أرض الحاضر، لا يسعى إلى نفي الجسد بل إلى الاحتفاء به باعتباره وسيلة للتعبير عن العاطفة. الأنفاس، الهمس، لمس الشعر، الكلمة “أحبك”، كلها إشارات تؤكد أن الحب في هذا النص تجربة إنسانية كاملة، لا تهرب إلى السماء ولا تنغلق في المثاليات، بل تتجسد في اللحظة اليومية البسيطة.

هذا الفرق يبرز أن الومضة الغزلية الحديثة تكتب نفسها في تقاطع مع التراث لكنها تنأى عنه في الآن ذاته. فهي لا تتبنى الغزل الصوفي الذي يذيب الجسد في الروح، ولا الغزل العمري الذي يحتفي باللقاء العابر والمفاتن الظاهرة، ولا خطاب ابن حزم الذي يميل إلى التنظير الوجداني والفلسفي، بل تختار أن تقول الحب من خلال التفاصيل الحسية التي تتجاور مع البوح المباشر. ومن هنا تأتي خصوصيتها: إنها كتابة تحاول أن تجعل من الحب تجربة يومية وعادية، لكنها في الآن نفسه تمنحها قيمة شعرية كبرى.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading