ترامب والسلام بين إيران وإسرائيل: إمبريالية تُلبس الخداع رداء الدبلوماسية

عبد العزيز الخبشي
حين يصرّح دونالد ترامب ـ رمز الوقاحة النيوليبرالية والفجاجة السياسية ـ بأنه “سيعمل على توقيع اتفاق سلام بين إيران وإسرائيل على غرار الاتفاق بين الهند وباكستان”، فإنه لا يتحدث بلغة رجل دولة حريص على السلام، بل يعلن ـ في لحظة انهيار المسرحية الدموية التي تشنها إسرائيل ضد إيران ـ عن بداية جديدة لمناورة أمريكية تُعيد تشكيل الاصطفافات وتُربك الحسابات، لا لإنهاء الحرب، بل لضمان استمرار الهيمنة الأمريكية على المنطقة. هذا التصريح لا يمكن عزله عن فشل المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي في توجيه ضربة استراتيجية قاصمة لإيران، خاصة بعد أن برهنت الأخيرة على قدرتها في امتصاص الصدمة وتوظيفها لصالح تعبئة داخلية وخارجية متزايدة. إن ترامب، العائد من سباته الانتخابي، يُراهن على اقتناص فرصة جيوسياسية، لا ليمنع الحرب بل ليحوّلها إلى مكسب انتخابي، ومجال جديد لاستعراض وهم القيادة الذي لطالما رافق السياسات الإمبريالية الأمريكية منذ الحرب الباردة إلى اليوم.
ترامب لا يؤمن بالسلام إلا بوصفه وسيلة ابتزاز. فهو الذي انسحب من الاتفاق النووي مع إيران سنة 2018، وفرض عليها أشد العقوبات، واغتال جنرالاتها، وهو ذاته الذي دعم اليمين الصهيوني دون حدود، واعترف بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل”، ومنحها ما لم يحلم به حتى أعتى غلاتها. فكيف لمن أشعل الحريق أن يتحدث الآن عن دلو ماء؟ كيف للجلاد أن يمنح ضحاياه هدنة؟ إنه خطاب النفاق الإمبريالي الذي طالما روّج لـ”اتفاقات سلام” لا تقود إلا إلى المزيد من الاستعباد وشرعنة الاحتلالات وتطبيع القتل.
المقارنة التي ساقها ترامب بين الهند وباكستان من جهة، وإيران وإسرائيل من جهة أخرى، ليست بريئة، بل مُحمّلة بكل دلالات الانقسام الطائفي والتفتيت الجغرافي والإثني الذي تصنعه الإمبريالية لتعيد ضبط خريطة مصالحها. الهند وباكستان ليستا نموذج سلام، بل نموذج تقسيم استعماري، حُوِّل إلى توازن رعب نووي هش، تستخدمه واشنطن كورقة دائمة للابتزاز. وبالتالي، فإن الحديث عن “سلام” من هذا النوع بين إسرائيل وإيران هو تهديد مقنّع، مفاده: إمّا أن تقبلوا بالتعايش تحت السيطرة الأمريكية، وإما فالتدمير الشامل قادم.
لكن التصريح نفسه يكشف عن تحوّل واضح في الموقف الأمريكي من الحرب، ليس بدافع إنساني أو سياسي، بل من باب إدراك واشنطن ـ بما تملكه من أجهزة استخبارات ومراكز دراسات عميقة ـ أن الضربات الإسرائيلية لإيران لم تحقق الهدف الاستراتيجي المنشود: لا تم تقويض البنية النووية، ولا تم إشعال ثورة داخلية، بل العكس تماماً. فالحرب غذّت الاصطفاف حول الحرس الثوري، وعزّزت شرعية الرد الإيراني، وأحرجت العواصم العربية التي لم تجد موقعاً يُجنبها الاصطفاف أو العار. إنّ التراجع الأمريكي ليس موقفاً أخلاقياً، بل تكتيك يُعيد التموضع، استعداداً لتفاوض جديد بشروط أكثر ملاءمة لمصالح واشنطن. إنّه “سلام المحتل”، لا سلام الشعوب.
الحديث عن فشل العملية لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي والدولي، فالعالم لم يعد يتحمّل انفجارات إضافية في الشرق الأوسط، والأسواق تتهاوى تحت ضغط الحروب، والتحالفات تتآكل من الداخل، ومشروعية إسرائيل باتت على المحك أمام جرائمها اليومية. لقد تحوّلت إسرائيل من دولة ـ في الخطاب الإمبريالي ـ “تحمي الديمقراطية في الشرق الأوسط”، إلى عبء سياسي وأخلاقي واستراتيجي، يفضح الغرب أمام شعوبه، ويكشف عجزه المزمن عن فرض الاستقرار في المنطقة. وحتى الحلفاء العرب، الذين خُدعوا بـ”سلام أبراهام”، بدأوا يتململون من جرائم الحرب اليومية، ومن انكشافهم أمام شعوبهم كمجرد أدوات في يد الصهيونية العالمية.
إن خطاب ترامب، وإن بدا للوهلة الأولى “تصالحياً”، يحمل في طياته بذور صراع جديد: إنه استباق لفشل العدوان، ومحاولة للظهور بمظهر “المنقذ”، وهو يقدّم نفسه كقادر على ضبط “الوحشين”: تل أبيب وطهران. لكنه يتناسى أن الشرق الأوسط اليوم ليس هو شرق سايكس بيكو ولا زمن كامب ديفيد، وأن وعي الشعوب بات يُدرك أن أي “سلام” لا يمر عبر تحرير فلسطين، وتفكيك الكيان العنصري الصهيوني، وإزالة القواعد الأمريكية، هو مجرد خداع استراتيجي. فالمعادلة الجديدة تصاغ بدماء الشعوب، لا بخدع المستشارين.
التحوّل في الموقف الأمريكي هو تحوّل في التكتيك وليس في الاستراتيجية. إن واشنطن تعي أن إسرائيل لن تصمد في حرب طويلة، وأن طهران ليست بغداد ولا كابل، وأن جبهة جنوب لبنان على وشك الانفجار، وأن صواريخ الحوثيين تقرع أبواب النفط، وأن الشارع العربي ـ رغم القمع والخذلان ـ ما زال يحمل شرارة الرفض. ولذلك، فإن ترامب وغيره من ساسة واشنطن يحاولون الآن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروعهم المتداعي، عبر ورقة “السلام” المسمومة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل ينجح ترامب في توقيع الاتفاق؟ بل: هل ستقبل الشعوب، من بغداد إلى بيروت، ومن غزة إلى صنعاء، بأن تتحوّل إلى حطب في محرقة جديدة؟ إن وعي اليسار الحقيقي، وأصوات التحرر الراديكالي، تقول بوضوح: لا “سلام” مع المحتل، لا “حوار” مع القاتل، لا “تعايش” مع من يمارس الإبادة ويمنحنا الفتات مقابل صمتنا. ترامب ليس حمامة سلام، بل غراب خراب يخبئ سكينه تحت أجنحة الكلمات.





