مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

التيه والسليقة: سِفْرُ اَلتِِّيهِ فِي زَمَنِ اَلضَّيَاعِ-شكيب تازي مصانو – المغرب

عنوان القصيدة:

سائحون نحن…

سائحون نحن

بين العهود

سائحون…

في الأسفار

من العهد القديم

بين الطريق

وأثر المحو

ووهم الحقيقة

لا عهد لنا

نحن لا عهد لنا…

بالعهود

لا عهد لنا

بالطريق

ولا بالأرض

ولا بالسماء

ولا بالحقيقة

سائحون نحن

بين المنايا

نتوضأ بالدم

نموت عشقا

في القديم

نحن للآتي

نصلي

ركعتين

لننسى

الحاضر

ونخون العهود

بالسليقة

يكتب شكيب تازي مصانو هذه القصيدة، كما لو أنه يستخرج صوته من عمق رماد الحضارات، ومن رماد ذاته في الآن ذاته، ليبوح باللايقين وهو يتخذ مقام السائح، لا السالك، مقام من لا ينتسب إلى أرض ولا إلى عهد، من لا يحمل عقيدة إلا شكه، ومن لا يرى في المدى غير ارتحال مستمر بين ضفتين ضائعتين: ضفة الماضي المهجور وضفة المستقبل المتوهم، متكئا على حاضر يكتنفه الخراب وينخره الخيانة. يبدأ النص بإعلان الصفة: سائحون نحن، تصريح يتكرر بصيغة موحية، تتردد كما لو كانت ترنيمة الوجود التي تفضح انعدام الجذور واليقين والانتماء، فالسياحة هنا ليست ترفًا أو نزهة، بل مقام وجودي قلق، يعكس موقفًا فلسفيًا من العالم؛ الإنسان ككائن عابر لا قرار له، يتنقل بين الأزمنة كما يتنقل بين الشكوك.

القصيدة تندرج في ما يمكن تسميته بنص “التيه المعرفي والروحي”، حيث لا يقين إلا في العدم، ولا ولاء إلا للارتحال. من الناحية الرمزية، يحيل “العهد القديم” إلى المرجعيات التأسيسية الكبرى، الدينية منها والتاريخية، لكن الشاعر لا يستعيده كمصدر إيمان أو شرعية، بل كمكان ميتافيزيقي للضياع، بين أثر المحو ووهم الحقيقة. هذه الصورة الثنائية بين الأثر والوهم تلخص جوهر الموقف الشعري: إن ما تبقى من التاريخ محو، وما يُمنح من الحقيقة ليس سوى وهم، ولذلك فإن السائح في القصيدة لا يثق في الأرض ولا في السماء، في الدين ولا في الوطن، في المقدس ولا في المدنس. ينفصل عن الجميع ليلتحق بما هو أبعد: باللايقين، بالانتماء للارتحال نفسه، كقدر وسليقة.

والمثير أن الشاعر، في استعاراته، لا يستخدم أدوات التقديس المعهودة إلا ليقلبها إلى مرآة للخذلان: نتوضأ بالدم، نصلي ركعتين، نموت عشقا في القديم. الدم بدل الماء، والعشق بدل اليقين، والصلاة فعل رمزي لا يثبت إيمانا بالحاضر، بل سعي لنسيانه. هنا تتقاطع أبعاد متعددة: الطقس الديني، والحدث التاريخي، والشعور الوجودي بالعبث، لتصنع نصا ينتمي إلى شجرة قصائد الغربة والقلق الوجودي، نصوص عبد الوهاب البياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور وغيرهم، الذين جعلوا من الكتابة طقسًا لتفكيك الثوابت وتلغيم المقدس.

تعمل القصيدة، لغويًا، على تقطيع الزمن وتدمير وحدة المعنى. لا جمل تفسيرية، لا حكي، لا رابط سببي واضح. بل هي ومضات شعرية تعتمد المجاز والتكرار والإيقاع الداخلي لتوليد معناها. هذا التكرار ـ سائحون نحن، لا عهد لنا، نصلي، لننسى ـ لا يثبّت يقينا بل يفضح افتقاده، كأن القصيدة لا تبحث عن المعنى بل تلاحقه في ضوء شاحب من الشك. حتى استعمال حرف “الباء” في “بالعهود”، “بالطريق”، “بالسماء”، يشي بتحول العلاقة من امتلاك إلى نفي للارتباط، حيث كل “بـ” هي قطيعة وانفصال، لا ميثاق ووصل. الجملة الشعرية تأتي مقطّعة، قصيرة، تشبه الزفرات أو المطارحات الصوفية في حالة غياب، لكنها ليست صوفية في المقصد، بل وجودية في الجوهر. لا تتجه نحو المطلق، بل نحو سؤال لا يتوقف عن تفتيت ذاته.

ثقافيًا، يتقاطع النص مع ميراث شعري عربي مشبع بثنائية الرحلة والتيه، من رحلات المعري الذي قال “هذا ما جناه أبي عليّ” إلى درويش في “في انتظار البرابرة”، لكنه هنا يطرح سؤال التيه لا كمنفى من الجنة، بل كفطرة، كـ”سليقة”، مما يمنح القصيدة بعدًا بنيويًا يزعزع كل وهم بالعودة إلى الأصل. فليس ثمة وطن ضائع يمكن العودة إليه، بل وطن مفترض قد سقط قبل أن يوجد. السياحة إذن ليست وضعًا طارئًا بل أصلًا، كما في المقطع الأخير: نصلي… لننسى… الحاضر… ونخون العهود… بالسليقة. هنا تتكثف الفلسفة الأخلاقية والسياسية للنص: الخيانة ليست فعلا واعيا أو انتهازيا، بل طبيعة، لأن العهود نفسها لم تكن يومًا أصيلة. يسقط النص بذلك فكرة “الميثاق” بوصفه رابطًا بين الذات والمقدس، أو الذات والجماعة، أو الذات والذات، ويفكك بداهته.

ومن الزاوية الحضارية، تعكس القصيدة وعيا مأزوما بزمن ما بعد الكارثة، حيث كل المنظومات الكبرى قد انهارت: الدين فقد يقينه، القومية فقدت مشروعيتها، الحداثة خانت وعودها، والهوية تحولت إلى قناع هش. نحن في ما بعد الأوطان وما بعد العقائد، حيث لا شيء يُعتنق إلا الارتحال، ولا صلاة تُؤدى إلا لنسيان الحاضر، لا لتعزيزه أو تبريره. هذا الوعي بالقطيعة الحضارية يجعل من الشاعر شاهدًا على أنقاض لا يبكيها، بل يستنطقها، ويحوّل ركامها إلى شعرية جديدة تنتمي إلى تيار ما بعد الحداثة العربي، وإن دون شعاراته الصاخبة.

القصيدة لا تسعى إلى بناء عالم، بل إلى تفكيكه، لا تبحث عن بلاغة الجمال، بل بلاغة الخراب. وهنا تكمن قوتها الشعرية، لا في اللغة وحدها، بل في التوتر العميق بين الشكل والمضمون، بين البساطة الظاهرية للعبارات والعمق الفلسفي الرمزي لتفكيكها. فكل بيت يفتح أفقًا تأويليًا متعدد الطبقات، حيث الموت ليس فناء بل طقس عبور، والعهد ليس التزامًا بل خيانة، والصلاة ليست عبادة بل تمويه، والدم ليس شرفًا بل طهارة مضادة.

شكيب تازي مصانو في هذه القصيدة يكتب بضمير الجمع، لكنه يستفرد بتجربة تعكس تشظي الجماعة، فلا نحن هنا غير أطياف سائحين لا يملكون حتى “وهم” الانتماء. ولا يمكن أن تُقرأ هذه القصيدة إلا بوصفها صدى وجوديًا وميتافيزيقيًا لفجيعة الإنسان المعاصر وهو يرى كل العهود تتكسر أمام عينيه، ولا يبقى له سوى التيه بالسليقة، كتوقيع أخير على انعدام كل يقين.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading