مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

لهفة السكاكين :قراءة نقدية

رجل مسن يجلس في اجتماع، يرتدي سترة داكنة، وقميص برتقالي، مع نظارات ويبدو مستغرقاً في الحديث.

– ومضة شعرية:

الشمس حانية هذا الصباح،

ونسائم كالحرير تنساب فوق جلدي

عكس ما يجري في عظامي المبعثرة

في اضلعي المتكسرة من سحر فرعوني قديم

قسوة تتقاذفني

وانا اضحك من لهفة السكاكين

لروحي المرهفة

تنبثق هذه الومضة من تربة شعرية مغمورة بالمعاناة، لتجعل من التعارض بين الجمال الخارجي والانكسار الداخلي مسرحًا لصراع وجودي مفعم بالإيحاءات الرمزية والفكرية. فالشمس الحانية ليست مجرد صورة جوية لطقس مشرق، بل هي مرآة معكوسة لعالم خارجي متصالح، يفضح أكثر مما يخفي هشاشة الذات. ذلك أن دفء الصباح لا يُترجم إلى طمأنينة داخلية، بل يفاقم من عزلة الذات المتألمة، في مفارقة فنية تشحن النص بطاقة توتر شعري دال. هاهنا تكمن أولى علامات الانفصام بين المحسوس والمُعاش، بين عالم الأشياء الهادئة وسراديب الذات المتصدعة. إنها ثنائية البهاء الظاهر والخراب الباطن، تشتغل كما لو كانت نقيضين في رقصة مأساوية، تشبه إلى حد بعيد إيقاع التناقضات في الحياة الإنسانية.

تأتي النسائم التي “تنساب كالحرير فوق الجلد” لتغلف جسد المتكلم بلطف طبيعي، لا يخلو من دلالات حسية أنثوية، فيها عذوبة ونقاء، ولكنها في آنٍ، تسخر ضمنيًا من تراجيديا الداخل، إذ لا تُخفف من وطأة الألم بل تضعه في مقارنة مفرطة القسوة. وهنا يطلّ الجسد كمسرح لصراع غير متكافئ بين الخارج والداخل، بين الملموس المحسوس والمكبوت المقموع. الجلد يلامسه النعيم، بينما العظام – مركز البنية والدلالة على القوام النفسي والوجودي – تتبعثر، ما يجعلنا إزاء تصعيد رمزي للانهيار، حيث العظام ليست فقط إطارًا بيولوجيًا، بل تعبير عن عمق البنية الذاتية حين تصير عرضة للتفتت واللاجدوى.

وتتجلى في هذه اللحظة صورة “سحر فرعوني قديم”، تحضر كمجاز ثقيل بدلالاته التاريخية والأسطورية. فالسحر الفرعوني هنا لا يشير إلى قوة ميتافيزيقية عابرة، بل هو لعنة ممتدة، جمالية وخادعة، تسحر وتكسر في آنٍ. والفرعونية، بما تحمله من رمزية السلطة والمهابة والطقوس الغامضة، توحي بأن ما يعتمل في الضلوع المتكسرة ليس مجرد ألم شخصي، بل هو أثر لقوة تاريخية، سلطوية، متجذرة في ثقافة قديمة تخلط بين الجمال والموت، بين اللعنة والهيبة. فكأن المتكلم مسحور لا بإرادته، بل بقوة سردية موروثة من عصور الطغيان، حيث يتحول الجسد إلى مزار للأوجاع المقدسة.

ثم نبلغ ذروة التوتر الدرامي حين تظهر “قسوة تتقاذفني”، عبارة موجزة تكشف عن هوية المجهول الذي يمزق الكائن من داخله. ليست القسوة هنا مجرد إحساس عابر، بل فاعل مستتر يتموقع كخصم وجودي، كحضور لا مرئي يحكم اللعبة الشعورية من خلف الستار. ومن رحم هذا الإيذاء يولد ضحك غريب، هو “ضحك من لهفة السكاكين”، ضحك ليس للفرح، بل للتمرد، أو حتى للجنون، إنه ضحك الفناء، لحظة يتقاطع فيها الموت مع التهكم. فالسكاكين، كرمز للقتل والعنف الجسدي، تُصور لا كأداة بل ككائن حي يلهف، يتوق، يشتهي. السكاكين لم تعد مجرد أدوات خارجية، بل كيانات لها مشاعرها المريضة، ولهفتها المتعطشة لتمزيق الروح.

و”الروح المرهفة” تأتي كخاتمة تنسف المألوف، إذ تختتم الومضة بكشف حقيقي للذات التي تتلقى كل هذا النزيف. مرهفة، أي شفافة، هشة، عالية الحساسية، مستسلمة من حيث الوعي لا من حيث الإرادة. هنا يظهر البعد الفلسفي العميق للنص: ما معنى أن تكون روحك مرهفة في عالم يسود فيه السحر القاتل والسكاكين اللهفى؟ هل الرهافة ضعف أم ذروة الإنسانية؟ النص يراهن على هذه التناقضات دون أن يقدم حلاً، بل يدفعنا إلى تأملها كجزء من وجود لا خلاص فيه، ولا نقاء.

اللغة هنا ليست فقط وعاءً للتعبير، بل هي ضرب من الرقص على السكين، حيث البلاغة تُستخدم لتصعيد الألم، لتأنيث الجراح، ولترميز الانهيار. البنية الشعورية للقصيدة ترتكز على كيمياء المفارقة، حيث كل صورة تستدرج عكسها، وكل لفظ يفتح الباب للغموض. فالقصيدة تشتغل بوصفها إيقاعًا داخليًا للحياة المهزومة، حيث الجسد لا يشتكي، بل يعزف معزوفته الأخيرة على إيقاع التمزق.

إنها ومضة تتجاوز شكلها القصير لتصبح صرخة مكثفة ضد الفظاظة الوجودية، وتأملاً شعريًا في هشاشة الكائن وسط جمال زائف، وضوء خادع، وسكاكين لا تكتفي بالذبح، بل تتلذذ به. ومضتك هذه ليست نصًا شعريًا فحسب، بل هي شذرة وجودية مكتظة بالسؤال: كيف نعيش في عالم لا يكفي فيه أن تكون حيًا، بل يُفترض فيك أن تضحك حتى وأنت تنزف؟

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading