عِزُّ الصدقِ وذُلُّ الزَّبد – عبد العزيز الخبشي- المغرب

المشهد: ساحة ثانوية يغمرها الهدوء قبيل بدء امتحان البكالوريا، شمس يونيو تتسلل عبر أغصان الأشجار، وأصوات الطيور تصدح في الفضاء. يقف “سليم”، تلميذ في السابعة عشرة، يتأمل بوابة المؤسسة، وقد ارتسمت على محياه ملامح توترٍ وقلقٍ دفين. يقترب منه أستاذه “الأستاذ نجيب”، رجل خمسيني الطلعة، وقور القسمات، بعينين تفيض حكمًا ووقارًا.
سليم:
صباح الخير، أستاذ نجيب…
الأستاذ نجيب (مبتسمًا):
صباح النور يا سليم. كيف حالك في هذا اليوم المشهود؟
سليم (مترددًا):
لا أدري، أستاذ… شيء ما يُثقل صدري. الكل يتحدث عن الامتحان لا كفرصة، بل كمجرد بوابة يجب عبورها بأي وسيلة.
الأستاذ نجيب:
وهل تعني “بأي وسيلة” ما صرت أسمعه وأراه من تقنيات الغش وهوس الهواتف والمجموعات السرية؟
سليم (ينظر إلى الأرض):
أجل، الكل يتحدث عن حلول تُرسَل في اللحظة نفسها، وعن شبكات تُنسّق كأنها جيوش في معركة. بعض الزملاء عرضوا عليّ الانضمام إليهم، وقالوا إن النجاح مضمون… فبتّ أتساءل: ما جدوى جهدي إذا كانت النتيجة واحدة؟
الأستاذ نجيب (وقد تبدلت نبرته إلى حزمٍ رفيق):
يا بني، دعني أقص عليك قصةً قصيرة. ذات يوم، انطلق نهران صغيران من منبع واحد: أحدهما سار في مجراه الطبيعي، متسللًا بين الصخور، مواصلًا طريقه رغم العوائق. والآخر، خُدع ببريق السهولة، فاتبع مجرى اصطناعيًّا، مُمهدًا بالأنابيب والمجاري السريعة. وصل الأول إلى البحر نقيًّا صافياً، يحتفي به الناس ويرتوون. أما الثاني، فقد انتهى في بركة آسنة لا يشرب منها أحد.
سليم (يتأمل):
أفهم المغزى، أستاذ… ولكن الواقع قاس. في كل مرة أفتح فيها دفاتري، يتهكم البعض: “أنت ما زلت تدرس؟ ألا تعلم أن الأسئلة ستُرسل لنا في أول نصف ساعة؟”
الأستاذ نجيب (بصوت هادئ وقاطع):
الواقع يا بني لا يُغيّر جوهر الحق. السقوط الأخلاقي قد يبدو طريقًا معبّداً، لكنه طريق بلا نهاية. الغش لا يمنح نجاحًا، بل يقترضه. وكل قرض مردود، ومعه الفائدة التي اسمها “الندم”.
سليم:
لكن… أليس للغشاش أن يفرح لحظة، وأن ينجو سنة، وربما يدخل كلية مرموقة؟ أليس هذا كافيًا ليفكر الإنسان مرتين؟
الأستاذ نجيب:
بل قد يفرح… للحظة. لكن دعني أسألك: ماذا لو أعطي الغشاش شهادةً لا يستحقها؟ أي طبيب سيكون إن دخل كلية الطب؟ أي مهندس إن خطّط لنا جسورًا تنهار؟ أي معلم إن ربّى أجيالًا وهو لم يكد ينجو بنفسه؟ يا سليم، الغش لا يُخرّج ناجحين، بل يصنع كارثة مؤجلة.
سليم (وقد ارتسمت على وجهه ملامح الوعي):
لكنني أضعف أحيانًا، أستاذ… حين أرى من حولي يركبون القارب السهل، أشعر وكأني غريق في بحرٍ من مثاليةٍ لا تنفع.
الأستاذ نجيب (بصوت يفيض دفئًا):
لا، يا سليم. لست غريقًا، بل أنت السباح الذي اختار أن يُجيد العوم لا أن يتمسّك بخشبة كاذبة. اجعل من صدقك مجدافك، ومن تعبك شراعك. كل من نجح بعرقه لا يهاب الموج، أما الزيف فمهما علا، فإنما هو زبدٌ.
سليم (وقد رفعت كلماته رأسه):
أعدك، أستاذ، أنني لن أخون قلمي. سأكتب بما أعلم، ولن أمدّ يدي لسراب.
الأستاذ نجيب (وقد وضع يده على كتف سليم):
أحسنت، يا بني. هذه أول شهادة تنالها: شهادة الصدق. وثق أن كل تعب يُثمر، وإن تأخرت الثمرة. أما الغش، فإنه لا يبني جدارًا إلا وسرعان ما يتشقق.
سليم:
أشعر الآن وكأن الحمل قد انزاح عن كتفي. أشكرك، أستاذ، على هذا النور في لحظة ظلام.
الأستاذ نجيب:
الشكر لك، لأنك اخترت أن تكون نهرًا نقيًا. تذكّر دائمًا:
ليس المجد أن تصل بسرعة، بل أن تصل بحق. فالبقاء، يا سليم، لا يكون لمن تهادى على أكتاف الزيف، بل لمن كدّ وجدّ.
أما ما بُني على غش، فهو يمضي كما الزبد، جفاءً لا يثبت على شاطئ الزمن.
وكلما ضاق بك الطريق، فاعلم أن الحق لا يُمشى فيه بالسهل، بل يُرتقى إليه بالكدح، كما يُرتقى الجبل.
سر واثقًا، وتوكل على الله، واذكر أن قلمك سلاحك، وأن ضميرك رفيقك، وأن النجاح الحقيقي ليس أن يُقال “نجحت”، بل أن تقول أنت لنفسك “استحققت”.
(ينتهي المشهد بصوت جرس المدرسة يرن، فيتحرك التلاميذ نحو القاعات، وسليم يخطو بثبات نحو مستقبله، يحمل قلمًا لا يغش، وعزيمة لا تهون).





