نَبِيذُ العَاشِقَةِ”: تفكيك الظلال وتوهج الأشياء في قصيدة محمد بنطلحة- عبد العزيز الخبشي- المغرب

عبد العزيز الخبشي

تبدأ قصيدة «نَبِيذُ أَعْمَى» للشاعر محمد بنطلحة من عتبة عنوان مفعم بالدلالة، عنوان ظاهره البساطة وباطنه التباس يفتح التأويل على احتمالات شتى. فالنبيذ، في الثقافة الإنسانية، ليس مجرد شراب، بل مادة رمزية تختلط فيها المتعة بالعتمة، والصفاء بالغواية، والضوء بالمحو. وحين يضاف إليه وصف «اَلْعَمَى»، تصبح العلاقة بين الذات والعالم علاقة تقوم على انكسار البصيرة أو انطفائها، وعلى رغبة لا تهتدي إلا بذاتها. غير أن الشاعر، ومنذ البيت الأول، لا يتوقف عند هذا العنوان، بل يعيد تشكيله من الداخل حين يجعل موضوعه «نَبِيذُ اَلْعَاشِقَةِ»، وكأن النبيذ ليس شرابا بل هو جسد العاشقة وروحها، أو هو التجسيد الحسي لدهشة الحب حين يبلغ ذروته في لحظة السقوط. وهكذا يفتتح النص بعتبة تعد القارئ للدخول في عالم يتداخل فيه الحسي بالرمزي، والمادي بالمتخيل، والزمن الشخصي بزمن الأشياء.
حين يقول بنطلحة: «حِينَ، فِي أَرْذَّلِ اَلْعُمُرِ، تَهْفُو إِلَى اَلْعَاشِقِ»، فإنه يضع العلاقة العاطفية في سياقها الأكثر هشاشة، سياق الأزمنة التي تصبح فيها التجارب الإنسانية أكثر ميلا للانكسار منها للتماسك. «أَرْذَّلّ اَلْعُمُرِ» تعبير كثيف، يشير إلى لحظة تتجرد فيها الحياة من عنفوانها القديم، وتصبح العاطفة فعلا يتدحرج من قمم اليقين نحو وهاد التردد. هنا، يصبح فعل «تَهفو» مفتاحا دلاليا بالغ الأهمية، إذ تحيل الهفوة على ميل رقيق، انجذاب خافت، ورعشة خفيفة أكثر مما تحيل على السقوط القاسي. الهفوة هنا ليست انحدارا بل انجذاب تتولده لحظة ضعف إنساني، رغبة خفيفة تشبه ارتجافة جناح في لحظة الريح الأولى. بهذا التعديل الدلالي، تتلون العبارة بلطافة تليق بمرحلة من «أَرْذَلِ العُمُرِ»، حيث تكون العاطفة أقرب إلى الانبعاث الهش منها إلى السقوط الحاد. وهكذا يتأسس المشهد العاطفي على انكشاف داخلي، على تلك الحاجة المتأخرة التي تنبثق في امرأة تهفو إلى عاشقها في لحظة تظن فيها أن العمر أوشك أن ينطفئ. هذه «الهفوة» تمنح العلاقة بعدها الإنساني الأكثر رحابة: ميل صغير لكنه عميق، رغبة حائرة لكنها حقيقية، ولهفة متأخرة لكنها مفعمة بالصدق. وهكذا تتخذ الجملة كلها إيقاعا ينساب من حافة العمر نحو شعلة الرغبة، في توازنٍ بين الضعف والتوق، بين الهشاشة والوله.
في اللحظة التي يهفو فيها الحب، «يَهْرُبُ اَلضَّوْءُ». وهذه المفارقة ليست مجرد صورة، بل هي قلب البنية الدلالية للقصيدة. فالعلاقة العاطفية التي كان ينتظر أن يصاحبها نور وانكشاف، تتبدى هنا كفعل يطرد الضوء بدل أن يستدعيه. هروب الضوء إعلان عن دخول القصيدة منطقة الظل، حيث لا يبقى من الأشياء إلا ضوءها الداخلي، أو عتمتها التي تشبه في عمقها تلك الحالة التي يصفها الشاعر بـ«نَبِيذُ أعمى». ليس العاشق وحده أعمى، بل النبيذ ذاته، واللحظة ذاتها، والعلاقة وهي تتكون فوق هشاشة العالم.
يتوالى بعد ذلك حضور الأشياء بوصفها كائنات تنقص: الأريكة، المرآة، المزهرية. وهنا يبدأ مشروع القصيدة الحقيقي: منح الأشياء روحا، وجعلها شريكة للذات في أزمتها. «تَنْقُصُ أَرِيكَةٌ لِإِثْنَيْنِ» عبارة لا تصف الأثاث، بل تصف العلاقة نفسها. فالأريكة مساحة اللقاء، حين تنقص، تنقص معها الألفة، والدفء، وتلك القدرة على استيعاب الآخرين في حضور مشترك. ثم «تَنْقُصُ مِرْآةٌ» هي أيضا المرآة التي لا تعكس، أو لم تعد قادرة على إرجاع صورة العاشق والعاشقة كما كانت. نقص المرآة نقص في الوعي، في إدراك الذات، في القدرة على رؤية ما كان مألوفا. ثم تأتي «المزهرية» رمزا للجمال، للحياة النابتة، للأنوثة، فإذا بها هي الأخرى تنقص، وكأن البيت كله يتآكل قطعة قطعة، والكون كله يتحول إلى أطلال ناعمة تسقط دون صوت.
في هذا المشهد المتسلسل من النقص، يعلو صوت الشاعر وهو يخاطب «الهايكو»: «إِذَنْ أَكْتُبُ هَايْكُو عَنْ كُلِّ هَذَا». دخول الهايكو هنا ليس صدفة. إنّه انفتاح على ثقافة أخرى، واعتراف بأن اللحظة الشعرية لم تعد قابلة لأن تمسك بلغتها الثقيلة القديمة، بل تحتاج إلى خفة الهايكو، إلى اختزال اللحظات في لقطة، إلى لمحة تشبه البرق. الهايكو، في القصيدة، ليس شعرا بل أداة كشف، وهو ما يجعل النص يخرق حدوده العربية ليقيم جسرا مع الشرق، حيث يصبح التقاط التفاصيل الصغيرة شكلا من أشكال مقاومة الغياب الكبير.
لكن الشاعر لا يكتفي بالاستعانة بالشعر ليكشف النقص، بل يستدعي صورة ذات بعد اجتماعي وثقافي جديد: «وَأَمَّا اَلنَّافِذَةُ فَأَصْرِفُ اِنْتِبَاهَ اَلذِّبَابِ اَلْإِلِكْتْرُونِيِّ عَنْهَا». هنا يخرج النص من دائرة العاطفة البيتية إلى دائرة الرعب الحديث: رعب التكنولوجيا. النافذة، التي كانت في القصائد القديمة منفذا للضوء، وللهواء، وللأفق، تصبح هنا منفذا للذباب الإلكتروني، أي لتلك الكيانات التي تتلصص عبر الضوء، وتقتحم الحميمي، وتحول البيوت إلى شاشات مراقبة. هذه الإشارة ليست ثانوية؛ إنها تعيد تشكيل القصيدة كجزء من الثقافة الرقمية التي يعيشها الإنسان الحديث، وتجعل البيت فضاء مهددا، لا بغياب العاشقة وحدها، بل بعيون أخرى لا تغلق.
ثم يقول الشاعر: «وَأَسْرَقُهَا مِنْ فُرُوعِ خِزَانَةٍ». هنا تدخل القصيدة في طور جديد: طور استعادة المفقود. الأشياء الناقصة ليست مجرد فقد عرضي، بل هي أثر من آثار الزمن، والشاعر لا يريد الاستسلام له. لذلك يسرق الأشياء من خزانة تمثل المخزن العميق للذاكرة. الخزانة ليست أثاثا هنا، بل هي اللاوعي، والماضي، والزمن الذي تخفيه الأبواب. كما أن سرقة الأشياء ليست فعلا ماديا، بل هي محاولة لاستعادة ما ذهبت به الأيام. ويتابع: «أَسْرُقُهَا عُنْوَةً»، حيث يتصل فعل السرقة بالعنف، وكأن استعادة الماضي لا تتم إلا بالقوة، وأن الزمن لا يعيد ما أخذه إلا إذا أُجبر على ذلك.
ثم يضيف الشاعر أشياء جديدة إلى المسروق: الخاتم والفانوس. فالخاتم هو رمز الارتباط، والعهد، والوعد، والحضور الدائم. أما الفانوس فهو رمز الضوء حين يصبح شخصيا، دافئا، داخليا، لا ضوء الشمس بل ضوء الروح. سرقة الخاتم والفانوس ليست استعادة لرمزين ماديين، بل إعادة تشييد للحياة العاطفية من جذورها: الضوء الداخلي، والعهد القديم.
ثم يرتقي النص إلى ذروة شعرية حين يقول: «حَتَى اَلْمَائِدَةُ سَوْفَ أَسْرِقُهَا». فالمائدة هي قلب البيت، ورمز الالتقاء، ورمز الشراكة، ورمز الحياة اليومية. سرقة المائدة إعلان أن الشاعر لا يقبل أن يتخلى عن تفاصيل عيشه، وأنه سيحمل بيته كله معه إن لزم الأمر، لا كأثاث، بل كذاكرةٍ محمولة على الكتف.
لهذا يقول: «ثُمَّ أَحْمِلُهَا فَوْقَ ظَهْرِي». هنا تتجسد لحظة الوجود الشعري: الشاعر وقد أصبح «لِصًّا نَبِيلًا» يحمل أشياءه كمن يحمل جرحه، يحمل حياته المفقودة كلها فوق ظهره، على طريقة الأساطير القديمة التي يحمل فيها الأبطال جبلهم أو وطنهم. الصيغة حافلة بإيحاءات التضحية والقدرة على المقاومة، وتحول اللوحة من مجرد استعارة إلى مشهد درامي مشبع بالتوتر.
لكنّ المفاجأة الكبرى تأتي في التحول الأخير: «وَأَرْكُضُ بِهَا رَكْضَ اَلْأَرْانَبِ اَلسَّعِيدَةِ». تتبدل الصورة، ويخرج النص من ثقله الرمزي إلى خفة طفولية نابضة. فالأرانب السعيدة رمز السرعة الخفيفة، والفرح البريء، واللهاث المرح. كأن الشاعر يقول: رغم أني أحمل العالم على ظهري، فإني أركض بفرح طفل وجد لعبته. هنا تبلغ القصيدة مفارقتها العميقة: الثقل والخفة، الحمل والركض، الحزن والبهجة. بهذا الجمع، يعلن النص فلسفته: الإنسان يستطيع أن يحمل الماضي دون أن يفقد خفته، وأن يعيد اختراع نفسه حتى في لحظات التآكل.
وينتهي النص بالعودة إلى البداية: «نَحْوَ بَيْتِ اَلْعَاشِقَةِ». فتعود الدائرة إلى نقطة انطلاقها، ويصبح كل ما سبق رحلة باتجاه النبيذ، لا باعتباره شرابا بل باعتباره مجازا للحب، للعمى الجميل، للرغبة التي لا تهجع. في هذه اللحظة، يعاد تكوين العالم كله داخل كأس رمزية تنتمي للعاشقة، وكأن الشاعر، بعد رحلة السرقة والحمل والركض، يعود إلى جوهر العاطفة: إلى الرغبة ذاتها، إلى سر الحب الذي لا يفسر ولا يرى، بل يعاش مثل نبيذ أعمى.
في البنية اللغوية، تعتمد القصيدة جملا قصيرة، متواترة، تتراكم بطريقة تشبه ضربات فرشاة سريعة على لوحة، فتخلق إيقاعا متوترا لا يعتمد على الوزن بقدر ما يعتمد على التصعيد البصري واللفظي. الأفعال تأتي غالبا في صيغة المضارع، لتمنح الحركة استمرارية لا تهدأ. أما تشخيص الأشياء فهو من أبرز تقنيات النص: الأريكة تنقص، المرآة تنقص، المزهرية تنقص، وكأن الزمن يعمل فيها كما يعمل في الإنسان. هذا التشخيص يربط بين العالم المادي والعاطفي، ويجعل البيت كائنا حيا يشيخ مع ساكنيه.
أما في البعد الثقافي، فتجمع القصيدة بين رموز البيت المغربي التقليدي (الخاتم، الفانوس، المائدة) وبين رموز العصر (الذباب الإلكتروني)، فتخلق توترا بين زمنين ومجالين: زمن الألفة القديمة وزمن الرقابة الحديثة. هذا التوتر يعكس قلق الذات المعاصرة التي أصبحت تحتمي بذاكرتها من عالم يزداد افتراسا.
وفي بعدها النفسي، تكشف القصيدة عن ذات تحاول إنقاذ عالمها عبر السرقة، وكأن الفقد لم يعد احتمالا بل حقيقة، ولم يعد هناك طريقة لردعه إلا عبر اختطاف ما تبقى من فتات الجمال. لكن هذه الذات لا تستسلم للحزن، فتصنع لنفسها نهاية مدهشة: تركض، وتفرح، وتتوهج.
أما في بعدها الرمزي، فالنبيذ هو وجه القصيدة كلها: هو العمى، والرغبة، والغياب، واستعادة الإحساس في عالم مظلم. الأشياء الناقصة هي أجزاء من الروح تتساقط. الركض هو محاولة لاستعادة الزمن، والأرانب السعيدة هي الوجه البهي للحياة حين تتخفف من جراحها رغم أنها تحملها كلها معها.
بهذا، يمكن القول إن قصيدة «نَبِيذُ اَلْعَاشِقَةِ» ليست نصا عن الحبّ فحسب، بل نصّ عن مقاومة الفقد، وعن إمكانية استعادة العالم حين ينهار، وعن الجرأة على أن نركض بحمولتنا الثقيلة دون أن نفقد خفتنا الداخلية. إنها قصيدة عن الإنسان في زمنه المتشظي، عن الأشياء التي تتآكل، وعن الضوء الذي يهرب، وعن العاشق الذي لا يملك إلا أن يحمل بيته كله فوق ظهره… ويركض، في النهاية، نحو النبيذ، نحو لحظة صغيرة تشبه خلاصا مؤقتا، لكنها تحمل من اللمعان ما يكفي لأن تنقذ العالم من عماه.





