مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

ابتسامة الغدر وصدق الأفعى: في نقد الأقنعة الإنسانية-عبد العزيز الخبشي – المغرب

“رغم أننا نلعن الأفاعي ونتوجس خيفة منها قبل أن نراها، ما يسبب لنا حالة من الرعب والهلع بمجرد ذكرها، إلا أنها تبقى الأفضل من حال البعض منا.. وحينما تلدغ أحدا منا، فإنها على الأقل لم تبتسم له يوما من الأيام…” هكذا تنسج الدكتورة إيمان الرازي مقولتها الموجزة، المحمّلة بتوتر وجودي وأخلاقي حاد، تنطلق فيه من صورة نمطية جماعية تجاه الأفعى، لتعيد ترتيب تمثلاتنا العاطفية والأخلاقية تجاه رموز الشر، وتضعنا أمام مرآة جارحة: هل ما نخشاه فعلاً هو ما يبدو شريراً في ظاهره، أم ما يتخفى في قناع الألفة والوداد؟ في هذا النص القصير، تُفجر الرازي مفارقة دامغة تعرّي زيف الكثير من التمثلات، وتدفع القارئ إلى مراجعة عميقة لفكرة “العدو” و”اللدغة”، لا بوصفهما فعلين مباشرين، بل بصفتهما تعبيرين عن خلل عاطفي وأخلاقي داخل بنية المجتمع ذاته.

يمتلك هذا النص طاقة تأويلية عالية لأنه ينبني على بنية جدلية تختبر الحدود بين الصدق والغدر، بين الطبيعي والمصطنع، بين الحيواني والإنساني. فالأفعى، بوصفها كائنا يُدرَك في المخيال العام على أنها عدو بالفطرة، تكتسب – في هذا السياق – دوراً أخلاقياً إيجابياً بالمقارنة مع بعض البشر. لماذا؟ لأن شرّها معلن، ولا تلبس قناعاً. إنها لا تبتسم. لا تراوغ. لا توهمك بأنها ودودة. إن لدغتها، المميتة ربما، تأتي خارج سياق الخداع، ومن هنا تُصبح أقل مدعاة للخذلان أو الشعور بالمرارة مقارنة بلُدغةٍ تأتيك ممن ادّعى الصداقة أو ارتدى قناع المحبة. فحين تلدغك الأفعى، فأنت على الأقل لم تُخدع فيها. أما حين يأتيك الأذى من قريب، من محبّ، من زميل، من صديق، فإنك لا تتألم فقط من الجرح، بل من كذب الابتسامة التي سبقته، ومن انكسار الثقة، ومن انهيار الرموز التي بنيت عليها علاقتك به.

في خلفية هذا القول الفجائعي ينبض خطاب أخلاقي نقدي يتقاطع مع مدارس متعددة في الفلسفة المعاصرة، لا سيما تلك التي تنبني على تفكيك الواجهة الأخلاقية للمجتمع، كما نجد عند نيتشه أو في القراءة الفرويدية للعلاقات الاجتماعية، وحتى في النقد الماركسي للوعي الزائف. فالنص يضعنا أمام واقع يتم فيه إنتاج أقنعة للوجوه، ويُحوَّل فيه الدفء الظاهري إلى غطاء للتواطؤ. في هذا السياق، تُصبح الأفعى كائنا أكثر انسجاماً مع ذاته من الإنسان المنافق. الأفعى تمارس وجودها كما هو، لا تدّعي، لا تنافق، ولا تُسهم في خلق علاقات زائفة، في حين أن بعض البشر ينسجون علاقاتهم على الخداع، مستغلين الرمزيات الاجتماعية التي تُعلي من قيمة الابتسامة والتودد، ليجعلوا منها أدوات للتمويه أو جسوراً نحو الغدر.

ما يدفع المقولة إلى فضاء أرحب من القراءة، هو اعتمادها على بنية لغوية تتسم بالحس الإيحائي العالي. إذ لا تورد الكاتبة الحُكم بشكل مباشر أو تقرير أخلاقي واعظ، بل تترك للقارئ أن يستشفّ ذلك من مفارقة شديدة التوتر: “على الأقل لم تبتسم له يوما من الأيام”. العبارة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكن وقعها صادم: إنها تعيد تعريف الشرّ من خلال عنصر “النية المعلنة”، وتجعل من الصدق – ولو في الشر – فضيلة، ومن الكذب – ولو في الحب – رذيلة مضاعفة. فالشرّ الذي يأتيك دون تمويه، أقل أذية من شرّ مغلف بالود. ومن هنا، تصبح الابتسامة هنا رمزاً للاحتيال العاطفي، لا لصفاء النية. ومن خلال هذه التورية القاسية، تنقلب الصورة المتداولة للأفعى، وتُزرع في ذهن المتلقي فكرة مزعجة: بعض البشر أدهى من الأفاعي، لأنهم يلدغون باسم الحب.

ثمّة جانب آخر في النص لم يُثر بالشكل الكافي في القراءات العجلى، ويتعلق بتأثير اللغة في خلق مشاعر الخوف. تقول الرازي: “نتوجس خيفة منها قبل أن نراها”، وهنا تومئ إلى فكرة أن الرعب الذي تثيره الأفعى ليس نتاج فعل ملموس، بل ناتج عن صورة ذهنية مسبقة، عن خطاب جمعي، عن استعارات رسختها الثقافة والدين والأسطورة. فالأفعى في الوجدان ليست فقط حيوانا، بل كيانا رمزيا محملاً بذكريات وخرافات ومرويات دينية، من حكاية الخلق في الجنة إلى الأمثال الشعبية. لكن المفارقة أن هذا الخوف المُستبَق من الأفعى يوازي طمأنينة زائفة تجاه “البشر”، الذين يُفترض فيهم الودّ، ثم يخيبون الظنّ حين يلدغون باسم الثقة. هكذا تعيد الرازي طرح سؤال الخوف ذاته: ممَّ نخاف في الحقيقة؟ هل نخاف من الشر أم من الكذب؟ من الخطر المعلن أم من الذي يتسلل إلينا باسم الخير؟

ليس من المبالغة القول إن هذا النص القصير يؤسس لنقد سوسيولوجي عميق لأنساق العلاقات الإنسانية المعاصرة، خاصة في ظل واقع باتت فيه الروابط تتآكل، والأقنعة تتكاثر، والابتسامات تتحول إلى واجهات لعلاقات مصلحية أو نفعية. في ظل هذا التآكل، تُصبح العودة إلى صدق الأفعى – رمزاً – دعوة رمزية للتحرر من أوهام العلاقات الزائفة، ووقوفاً في صفّ “الوضوح”، حتى لو كان قاتلاً. فأن تعرف أن هناك من يكرهك، أفضل من أن تُخدع في حب زائف. وفي هذا السياق، فإن الرازي لا تدعو إلى تمجيد الأفعى، بل إلى تذكّر أن الشر الصريح أقل خيانة من شر يختبئ خلف ابتسامة.

يبقى ختام النص، “مساء التعافي”، بمثابة نغمة خافتة من الأمل وسط نبرة الأسى. وهو لا يُبطل المفارقة الصادمة، لكنه يضفي عليها بعداً إنسانياً ينفتح على الأمل في الشفاء من الخداع، وعلى إمكانية الترميم النفسي بعد اللدغة. فالتعافي هنا ليس من سمّ الأفعى، بل من جرح الثقة. إننا لا نتعافى من لدغة السم فقط، بل من خيانة القربى، من الكلمات التي سكنت القلب ثم هجمت عليه، من الأصدقاء الذين تصرّفوا كأعداء بابتسامة. مساء التعافي، إذن، هو لحظة المصالحة مع الذات بعد صدمة الحقيقة، وهو دعوة للانتباه إلى من نفتح لهم قلوبنا، إلى تلك الابتسامات التي قد تخفي خلفها نيّة اللدغ.

إن مقولة الدكتورة إيمان الرازي، رغم قصرها، تنتمي إلى ذلك النمط من الخطاب الذي يوقظ الوعي عبر الصدمة، ويطرح أسئلته الأخلاقية دون تزويق، ويفتح باب التأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية، دون أن يغلقه بوصفة جاهزة. هي لحظة تفكر عميق في الشرّ كموضوع فلسفي، وفي الموقف الأخلاقي من الكائنات والوجوه، وفي هشاشة الثقة حين تتورط في الابتسامات الكاذبة. هكذا يصبح النص طعنة في ظهر الابتسامة الزائفة، ونداء لنعيد تقييم صداقاتنا، علاقاتنا، نظرتنا إلى الأعداء، وربما نظرتنا إلى أنفسنا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading