القصة القصيرة

القطار – عبد العزيز الخبشي- المغرب

صورة لرجل في منتصف العمر يرتدي بدلة رسمية وقميص أزرق، ينظر إلى الكاميرا بتعبير جدي. يظهر جزء من جدار خلفه، مع إضاءة طبيعية.

صعدَ إلى القطار في آخر لحظة، أنفاسه لاهثة ويده تقبض على حقيبة صغيرة تشبهه: متعبة، وبلا لون. كان القطار على وشك أن يتحرك حين وجد مقعداً بجانب النافذة، فجلس وكأنّه أخيراً وجد شيئاً يشبه الاستقرار، ولو مؤقتاً.

القطار بدأ رحلته، وكان الصباح رمادياً، والسماء محتقنة كأنها تخفي أسراراً كثيرة. نظرَ إلى الوجوه حوله، باهتة، صامتة، متعبة مثله. لا أحد يتكلم، لا أحد يبتسم، فقط نظرات شاردة تتنقل بين النوافذ وهواتف اليد.

أخرج من جيب معطفه دفتراً قديماً، صفحاته مشوبة بحبر باهت وذكريات لا تنتهي. فتحه على صفحة كُتب فيها بخط يده: “سأغادر يوماً ما، ولن أعود”. ابتسم بسخرية. كم مرّ على هذا الوعد؟ عشر سنوات؟ أكثر؟ وهل هذه الرحلة هي المغادرة الحقيقية؟ أم مجرد هروب آخر يؤجل النهايات؟

أمام نافذته، تتابعت القرى والحقول، أشجار تلوّح كأنها تودعه، وهو لا يملك شجاعة أن يلوّح لها. تذكر وجهاً خلفه امرأة لا تزال تسكنه، رحلت في اتجاه مختلف ولم تترك له إلا نصف حلم.

اقترب منه رجل مسنّ، حاملاً سلّة فيها برتقال وبعض الخبز. جلس أمامه وابتسم قائلاً:

“أول مرة تسافر؟”

أجابه بهزّة رأس: “لا… لكن هذه المرة مختلفة.”

“كل الرحلات مختلفة، حتى لو إلى نفس الوجهة.”

ظلّا صامتين، تقاسما بعض البرتقال، وتبادلا نظرات تحمل ما لا تستطيع الكلمات حمله. كان في صمت الرجل حكمة سنوات، وفي صمته هو جراح لم تجد من يسمعها.

عند محطة صغيرة، نزل العجوز. وقبل أن يترجّل، قال له:

“السفر الحقيقي ليس بالقطار، بل بما تتركه وراءك، وما تنتظره أمامك.”

وظلّ هو جالساً، القطار مستمر في مسيره، والسماء بدأت تمطر، كما لو أنها تبكي لأجله. لم يكن يعرف إلى أين سيذهب تماماً، لكنه كان واثقاً أنه لن يعود كما كان.

في النهاية، ليس القطار هو ما يُغيّرنا… بل تلك الرحلة التي نخوضها داخل أنفسنا، ونحن نظن أننا فقط نعبر المدن.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading