حين كانت الذاكرة تصاغ على مهل… في حضرة الناقد البشير القمري✍ عبد العزيز الخبشي- المغرب

لم يكن اللقاء بالناقد والنبدع البشير القمري مجرد موعد عابر في زمن يركض بلا التفات، بل كان طقسا من طقوس المعنى، لحظة تستعاد فيها جدوى الوجود عبر اللغة، وتصاغ فيها الصداقة كفعل ثقافي عميق لا كعلاقة عابرة. كنا نلتقي في الرباط، في حانة “طنجة”، حيث يعود البشير لتوه من عمله بكلية الآداب بالقنيطرة، حاملا معه تعب الفكر ووهج الأسئلة، كأنما كان يعبر مسافة بين عالمين: عالم المؤسسة بما فيه من صرامة، وعالم الهامش بما فيه من حرية. هناك، في تلك الزاوية التي ألفتنا وألفناها، كنا ننسج حديثا لا يشبه إلا ذاته، حديثا يتقاطع فيه الأدب بالحياة، والنقد بالاعتراف، والسرد بالبوح. لم يكن البشير القمري يتحدث فقط، بل كان يقيم اللغة فينا، يجعلها أكثر يقظة، وأكثر قدرة على التقاط ما يتوارى خلف اليومي والعابر. وكان، ما إن يجلس ويخلع قبعته عن رأسه ويضعها جانبا على الطاولة، حتى ينغمس في حديثه انغماسا كليا، كأن تلك القبعة كانت الحد الفاصل بين الصمت والكلام، بين التأمل والانفجار اللغوي الذي لا يعرف التوقف. كان يدرك أن السرد ليس حكاية تروى، بل تجربة تعاش، وأن الثقافة ليست ترفا، بل مقاومة ناعمة ضد ابتذال العالم.
في حضرة البشير، كان للكلمات وزن آخر، وكانت الجملة تختبر قبل أن تقال، كأنها تمر عبر مصفاة دقيقة من الوعي والذوق. لم يكن يقبل بالسهل ولا بالجاهز، بل كان دائما يبحث عن تلك المنطقة الرمادية بين الفكرة ونقيضها، حيث يولد السؤال الحقيقي. كنا نخوض معه في تفاصيل السرد: بنيته، تحوّلاته، علاقته بالواقع، وكيف يمكن للكاتب أن يظل وفيا لذاته دون أن يسقط في تكرارها. كان يرى أن السرد المغربي، مثل غيره، يعيش توترا دائما بين المحلي والكوني، بين الحكاية الشعبية والتقنيات الحديثة، وكان يصر على أن هذا التوتر ليس ضعفا بل طاقة خلاقة، إذا ما أُحسن استثمارها. لم يكن البشير ناقدا بالمعنى الأكاديمي الجاف، بل كان قارئا شغوفا، يقرأ النصوص كما تقرأ الحياة: بانتباه، وبشك، وبحبٍ أيضا. وكانت لحظة نزع قبعته تتكرر كإشارة ضمنية لبداية الغوص العميق، حيث يتحول الحديث إلى تيار متدفق لا ينقطع، كأن اللغة نفسها كانت تجد فيه منفذا للتحرر من كل قيد.
ولم تكن “حانة طنجة” سوى بداية الحكاية. ففي بعض الأمسيات، كنا نغير الوجهة نحو ذلك الفضاء القريب من “مارشي النوار – الورود” بزنقة بباتريس لومومبا، حيث تتسع الدائرة وتزداد الأصوات. هناك، كنا نلتقي بعبد الوحيد عزري، وعبد الخق الزروالي، وغيرهما من المسرحيين والأدباء والمبدعين الذين كانوا، مثلنا، يبحثون عن معنى للكتابة خارج القوالب الجاهزة. كانت الجلسات تتحول إلى ما يشبه ورشة مفتوحة، تختلط فيها الضحكات بالتحليلات، والنقاشات الحادة بلحظات صمتٍ تأملي عميق. لم يكن أحد يدعي امتلاك الحقيقة، لكن الجميع كان يساهم في تشكيلها، ولو جزئيا. في تلك الأمكنة، لم تكن الحانة مجرد فضاء للجلوس، بل كانت مختبرا ثقافيا حيا، تختبر فيه الأفكار، وتعاد صياغة المواقف، ويعاد تعريف الأدب نفسه. وكان البشير القمري، كلما وضع قبعته جانبا، يعلن بشكل غير مباشر بدء تلك اللحظة الكثيفة من التدفق الفكري، حيث يمتد حديثه طويلا دون انقطاع، مسترسلا في التحليل، متشعبا في الرؤى، كأن الزمن نفسه يتباطأ ليمنحه فسحة القول.
كان البشير القمري، في كل تلك اللقاءات، أشبه بنقطة توازن خفية. لا يفرض حضوره بصخب، لكنه يترك أثرا لا يمحى. كان يعرف متى يتدخل، ومتى يصمت، ومتى يكتفي بابتسامة خفيفة تحمل في طياتها أكثر مما يقال. كان يؤمن بأن الثقافة ليست استعراضا، بل مسؤولية، وأن الكاتب الحقيقي هو من يظل في حالة مساءلة دائمة لنفسه قبل أن يسائل الآخرين. وربما لهذا السبب، كان نقده لاذعا أحيانا، لكنه لم يكن جارحا؛ كان يسعى إلى البناء لا إلى الهدم، إلى الكشف لا إلى الفضيحة. كان يرى أن أزمة الثقافة ليست في غياب النصوص، بل في غياب القراء الحقيقيين، أولئك الذين يقرؤون بعين ناقدة وقلب مفتوح. ومع كل مرة يزيح فيها قبعته، كان كأنه يزيح معه كل الحواجز، ليترك الفكر يتدفق بحرية، دون رقابة أو تردد، في لحظة نادرة من الصدق الذهني.
حين نستعيد تلك اللحظات اليوم، ندرك أننا لم نكن فقط نعيش لقاءات عابرة، بل كنا نراكم ذاكرة مشتركة، ذاكرة من الأسئلة والاختلافات واللحظات النادرة التي يتقاطع فيها الفكر بالحياة. لقد كانت تلك الجلسات، بكل ما حملته من نقاشات وسجالات، شكلا من أشكال المقاومة ضد التفاهة، وضد اختزال الثقافة في شعارات فارغة. كنا، دون أن نعي تماما، نؤسس لأرشيف غير مكتوب، أرشيف من اللحظات التي لا توثق بالصور ولا بالكلمات، بل تبقى عالقة في الوجدان، قابلة للاستدعاء كلما ضاق بنا الحاضر. وتبقى صورة قبعته الموضوعة على الطاولة واحدة من أكثر التفاصيل رسوخا في الذاكرة، علامة على بداية ذلك الفيض الذي لا ينضب من الكلام والتأمل.
رحيل البشير القمري ليس مجرد غياب جسد، بل هو انقطاع لصوت كان يضيف إلى المشهد الثقافي نبرة خاصة، نبرة تجمع بين العمق والبساطة، بين الصرامة والإنصات. لكن، هل يغيب من كان حضوره متجذرا فينا بهذا الشكل؟ ربما الجسد فقط هو الذي يرحل، أما الأثر فيبقى، يتسلل إلى ذاكرتنا كلما جلسنا في مكان يشبه تلك الحانات، أو كلما بدأنا نقاشا حول السرد والثقافة. سنجده في طريقة طرحنا للأسئلة، في شكنا الدائم في الأجوبة السهلة، في حرصنا على أن نكون أوفياء لما كنا نؤمن به ونحن نجلس معه. وسنستحضر، في كل مرة، تلك الحركة البسيطة: نزع القبعة ووضعها جانبا، كأنها طقس افتتاحي لرحلة لا تنتهي في عمق الفكر.
إن استحضار البشير اليوم هو، في العمق، استحضار لتلك المرحلة التي كنا فيها أكثر إيمانا بقوة الكلمة، وأكثر استعدادا للدفاع عن معنى الثقافة في وجه التبسيط والتسليع. هو استحضار لزمن كانت فيه الصداقة تبنى على الحوار، لا على المجاملة، وعلى الاختلاف، لا على التواطؤ. وربما يكون أجمل ما يمكن أن نخلد به تلك اللحظات هو أن نستمر في طرح الأسئلة التي كان يطرحها، وأن نبقي ذلك القلق المعرفي حيا فينا، كعلامة على أننا لم نفقد بعد قدرتنا على التفكير. فالبشير، بقبعته وحديثه المتدفق، لم يكن مجرد صديق، بل كان حالة فكرية متحركة، درسا حيا في كيف يمكن للكلمة أن تعاش لا أن تقال فقط.
لقد كانت تلك اللقاءات، بكل تفاصيلها الصغيرة، نوعا من الكتابة الجماعية، كتابة لا تدون على الورق، بل تحفر في الذاكرة. والبشير القمري كان أحد أبرز كتّابها، ليس لأنه كان الأكثر كلاما، بل لأنه كان الأكثر تأثيرا. واليوم، ونحن نكتب عنه، لا نرثيه فقط، بل نعيد كتابة جزء من أنفسنا، جزءٍ تشكّل في حضرته، وتعلم منه كيف ينظر إلى العالم بعين أقل سذاجة، وأكثر عمقا. فسلام على روحه، وسلام على تلك اللحظات التي علمتنا أن الثقافة يمكن أن تعاش، لا أن تدرس فقط، وأن الصداقة، حين تتقاطع مع الفكر، تتحول إلى ذاكرةٍ لا تموت.





