مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

“صفيرٌ أزرق: غواية الغياب وتماثلات الأنثى في شعر محمد بنطلحة”

– الشاعر العالمي محمد بنطلحة.

– عنوان القصيدة: صَفِيرٌ أَزْرَقُ.

مُنْذُ أَلْفِ عَامٍ وَعَامٍ،

وَأَنَا أَبْحَثُ عَنْكِ بَيْنَ أَسْرَابِ الْحَمَامِ:

لَا هَدِيلَ،

لَا رِيشَ،

لَا مِنْقَارَ.

،ثُمَّ بَغْتَةً، فِي حَانَةِ الْمَحَطَّةِ الْأَخِيرَةِ، اِمْرَأَةٌ بِجَنَاحَيْنِ.

ٱلْمِنْقَارُ مَحْفُورٌ فِي ٱلصَّفِيرِ،

وَٱلْمُقْلَتَانِ قِطَارَاتٌ مُعَاكِسَاتٌ،

وَٱلذَّيْلُ ذَيْلُ سَمَكَةٍ،

بَيْنَمَا ٱلرِّيشُ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ،

وَتَحْتَ ٱلرِّيشِ عَنْقَاءُ،

مِنْ رُخَامٍ.—–

هذه القصيدة القصيرة التي تحمل عنوان “صَفِيرٌ أَزْرَقُ” للشاعر الكبير والعالمي محمد بنطلحة تضعنا منذ بدايتها أمام مفارقة زمنية ووجودية تفتح أفق التأويل على مصراعيه، إذ يقول: “منذ ألف عامٍ وعامٍ”، وهي صيغة زمنية ممعنة في التهويل الأسطوري، تستعير من التعبير العربي “ألف ليلة وليلة” أفق الحكاية الممتدة خارج قيد الزمن المحدود، وتُضفي على الذات الشاعرة هيئة كائنٍ عتيقٍ يواصل بحثًا سرمديًا عن كينونةٍ أنثوية تتماهى والطبيعة المفقودة، الحمامة تحديدًا، بوصفها رمزا مركزيًا في الخيال الشعري العربي والديني والصوفي. هذا البحث هو في جوهره بحث عن معنى، عن ذات، عن خلاص، ولكنه أيضًا بحث عن حضور في واقعٍ لم يعد يتسع للدهشة، إذ يقول: “وأنا أبحث عنكِ بين أسراب الحمام: لا هديل، لا ريش، لا منقار.” إنها ثلاثية النفي، التي تُعلن انكسار الدالّ واختفاء المدلول، فحتى الحمام – رمز السلام، والنقاء، والأنوثة – قد تلاشى أثره، فلا صوت، ولا مادة، ولا هوية.

في هذا المقام، يمكن القول إن محمد بنطلحة يستخدم الحمام لا ككائن حي فقط، بل كتمثيل رمزي لشكل من أشكال المطلق الذي فُقِدَ، ولفكرة المرأة المتسامية التي لم تعد تتجلى في العالم الواقعي كما يشتهيها الخطاب الشاعري. فغياب الهديل نفيٌ للصوت والحنان، وغياب الريش نفيٌ للوجود الفيزيقي، أما غياب المنقار فهو تعبير عن فقدان الحيلة والقدرة على التقاط الحياة، أو الدفاع عنها، أو تشكيلها عبر نقر المعنى من صخر الصمت.

ثم تأتي لحظة التحوّل، لحظة الوحي الشعري التي تجسّدت في مفارقة مشهدية: “ثمّ بغتةً، في حانةِ المحطة الأخيرة، امرأةٌ بجناحين.” في هذا المشهد يتحقق انبثاق الظهور الغامض، المثير، غير المتوقع. امرأة تظهر فجأة لا في حقلٍ أو معبدٍ أو بستان، بل في “حانة” – مكان الهامش، والشرود، والشراب، والضياع – وتقع في “المحطة الأخيرة”، أي عند أقصى منعطفات الرحيل أو الانتظار، حيث لا شيء يتبقى سوى الغروب الأخير. هنا تتكثف رمزية اللقاء: لا هو لقاء الحب، بل لقاء الحيرة، الغموض، القلق الجمالي الممزوج بإغواءٍ بصري وصوري معقد.

المرأة بجناحين ليست ملاكًا ولا طائرًا، بل كائن مركّب تتنازع جسدها كائنات ورموز من عوالم مختلفة، فـ “المنقار محفور في الصفير”، أي إن صوتها لا ينفصل عن أداة النقر، والنقر هنا ليس عدوانًا بل نداءٌ داخلي، خافت، لا يُسمع إلا عبر الصفير – ذلك الصوت الذي لا يتكئ على الحروف، بل يندّ كصفرة عابرة، كإشارة من عالم اللا-كلام. إنّ “الصفير” الأزرق – العنوان ذاته – يتأسس كفضاء صوتي بصري يعلن غياب المعنى واستعصاءه، اللون “الأزرق” يشير في المعجم الرمزي إلى العمق، الحلم، الحزن السماوي، البحر، والامتداد اللانهائي، وهو أيضًا لون النداء البارد، المجهول، الملغز.

المقلتان – موضع النظر والبصيرة – هما “قطاراتٌ معاكِسات”، أي إن النظر لا يتجه نحوك، بل نحو مسارات مختلفة، تتناقض وتتباعد وتفترق. العين لم تعد توحّد الرؤية، بل تمزّقها. والمعنى لم يعد واحدًا، بل صار مشتتًا كمسارات القطارات الخارجة عن السيطرة. ثم يستمر التشظي الجسدي، إذ نجد: “والذيل ذيل سمكة”، أي إن هذا الكائن الطائر – الأنثى – يحمل سمة كائن مائي، غير قادر على الطيران الكامل، ومشدود إلى عالم مختلف تمامًا. وتستمر بنية التهجين الرمزي، إذ يقال: “بينما الريش من ذهبٍ خالص”، وهو ريش لا يطير، بل يُثقل؛ فالذهب في هذا السياق ليس بهاءً، بل قيدًا، وعبءًا، ومجرد تزيينٍ لجناحين عاجزين.

وتكتمل المفارقة بخاتمة مشهدية لا تقل انزياحًا: “وتحت الريش عنقاء، من رخام.”، فالعنقاء – رمز البعث والتجدد الأسطوري – قد تجسدت هنا لا في نار الحياة بل في رخام الموت. الرخام مادة صلبة، باردة، أزلية، لكنها أيضًا لا حياة فيها، وهذه المفارقة تُفرغ المعجزة من محتواها، إذ تتحوّل “العنقاء” إلى تمثال، إلى جسد مثالي متجمد. وبذلك يغدو اللقاء الأخير لا بعثًا ولا تجددًا، بل تمجيدًا لجمالية العدم، والتكوين الشاعري لجسد لا يُرتجى منه دفءٌ أو حياة.

إنّ محمد بنطلحة، في هذه القصيدة القصيرة، يمارس أقصى درجات التكثيف والدقة في هندسة صورٍ شعرية تتضافر فيها عناصر التشبيه، المجاز، التناص الرمزي، والتقويض الجمالي للمألوف، لتفتح على متلقٍّ يقظٍ عتبات التأويل لا باعتبارها تأويلات جاهزة بل كمصائد للمعنى، ومخاتلات ذكية للذهن والعاطفة. ويمكن قراءة القصيدة بمنظور تفكيكي أيضًا، إذ تنسف مقومات البنية الأنثوية المثالية التقليدية، وتعيد تركيبها من عناصر متعارضة: أنثى/طائر/سمكة/تمثال، صوت/صفير/صمت، حياة/عنقاء/رخام. هذا التقاطع بين الحسي والأسطوري، بين الرغبة والتجريد، يجعل القصيدة ملتقى جمالياً تتهاوى فيه الحدود بين الكائن والصورة، بين الذات والآخر، وبين اللغة وشقوقها.

وفيما يتعلق بالبنية الموسيقية والصفيرية في القصيدة، يمكن الإشارة إلى أن “الصفير” الأزرق لا يمثل مجرد صوتٍ بل هو موسيقى موازية للفراغ والغياب. الصفير، بصوته الخافت والمشوش، يرافق الذات الشاعرة في رحلة البحث المتواصلة عن المعنى، غير قادر على الوصول إليه. إن الصوت يظل محاصرًا بين الصمت والحضور، كأنه دعوة مضمرة تترنح في الفراغ، ومع ذلك يظل يحمل نغمة حالمة ومستعصية على الفهم. هذه البنية الصوتية تبني علاقة تفاعلية بين الشاعر والمتلقي، حيث يكون الصوت ليس فقط أداة نقل، بل حافزًا للخيال والتأمل.

أما بالنسبة إلى مكانة “الأنثى” في تجربة بنطلحة الأوسع، فالمعروف أن بنطلحة في أعماله غالبًا ما يتعامل مع الأنثى بوصفها كائنًا مركبًا متنوعًا، يتجاوز حدود الجسد التقليدي ليتجسد كرمز للإبداع، والبحث، والغموض. في “صَفِيرٌ أَزْرَقُ”، الأنثى لا تُختزل إلى مفهوم بسيط أو نمطي؛ بل تُحمل على عاتقها أبعادًا رمزية، فلسفية، وتاريخية. هي في الوقت ذاته محطَّ تجسيد للجمال والفقد، للحياة والموت، لرحلة البحث الوجودي عن الكمال والتجسد.

وإذا ما استحضرنا مفهوم اللون الأزرق في السياقات الثقافية والفنية، نجد أن هذا اللون غالبًا ما يُربط بالعمق الروحي، والسراب، والحلم المجهول. في الفن التشكيلي المعاصر، يشير الأزرق إلى مساحات من الغموض والانسحاب، إلى الحزن البعيد أو الانتظار الباطني. وفي قصيدة بنطلحة، يُستخدم الأزرق كمرآة للعزلة الداخلية والبحث اللا متناهٍ. هذا الأزرق ليس هو الأزرق الساكن والمطمئن، بل هو الأزرق الذي يلاحق ذاته في تيه دائم، حيث يظل هاجسًا رمزيًا يُغني الفضاء الشعري بالقلق والحيرة.

وبذلك، تكون القصيدة بمثابة قوس متشابك بين الفلسفة الرمزية العميقة والمعنى المجرد، تفتح آفاقًا لا حصر لها من التأويلات، وتدعونا للتساؤل حول الحدود الفاصلة بين الذات والآخر، بين الحقيقة والوهم، بين الصوت والسكوت، في تناغم موسيقي وتأويلي شديد التوتر والغرابة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading