مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

ظل الأطروحة – عبد العزيز الخبشي- المغرب

Middle-aged man wearing glasses and a black vest, sitting in front of a light-colored wall.

منذ اللحظة التي ولجت فيها المبنى الزجاجي الواسع، حيث تحتل مكتباً مرموقاً في الطابق الخامس، كانت هند تشعر بأنها تؤدي دوراً لم تتقنه قط. كل شيء من حولها مصقول: الأرائك الجلدية، الزرابي الفاخرة، شجرة الزيتون الاصطناعية عند المدخل… إلا بداخلها، حيث كان شيء ما صدئاً، متشقّقاً، كصفحة مهملة في أطروحة لم تُكتب.

في كل صباح، كانت تضع قلمها الفاخر فوق ملف جلدي يحمل شعار المؤسسة، وتتأمل الورقة البيضاء أمامها. ورقة واحدة، لا غير. لكنها لم تجرؤ يوماً على الكتابة. فالكتابة تقتضي شرعية الكلمات، وشرعية هند ذهبت منذ زمن، مع لحظة واحدة من ضعف.

كل شيء بدأ منذ عشر سنوات، في مكتب ضيّق داخل كلية العلوم القانونية. الأستاذ فؤاد، ذو الشارب المنمّق والنظرة الحادة، كان يعلم. قال لها: “الوقت ليس في صالحك، والماستر مسألة وجاهة فقط. الوثيقة أهم من المعرفة”، وهو يدسّ ملف الأطروحة داخل ظرف بني، مشيراً إلى مبلغ محدد، ثم ختم كلامه بتعبير مصطنع عن ثقته في ذكائها.

لم تكن ساذجة. لكنها كانت يائسة.

دخلت الإدارة العليا من باب خلفي. وشيئاً فشيئاً، تعلّمت فنّ الصمت، وفنّ المجاملة، وفنّ التوقيع. لم تسأل يوماً عن جدوى المشاريع التي تُشرف عليها، ولم تحتج. كانت تدرك أنها تسير على حبل مشدود، لا على طريق ممهد.

وفي كل لقاء رسمي، حين تقدّم نفسها بلقب “الدكتورة”، كانت تبتلع الكلمة كما يُبتلع سمّ خفيف. وفي أعماق الليل، كانت تستيقظ على كابوس متكرر: ورقة بيضاء تومض في الظلام، ثم تنطفئ فجأة.

كانت تكتب في سرّها مراراً أطروحتها التي لم تُكتب. تخطّط للفصول، تبني فهرساً وهمياً، وتعيد قراءة المراجع القديمة التي لم تفتحها يوماً. مرةً، وجدت نفسها تبكي أمام كتابٍ عنوانه: “أخلاقيات المهنة”. كانت تبكي، لا لأنها مذنبة فقط، بل لأنها صارت نسخة هشّة من نفسها الأولى.

ثم جاء اليوم. في اجتماع داخلي عاصف، شكّك أحد المهندسين الجدد – شاب ذكي، لمّاح – في منهجية دراسة قانونية وقّعت عليها هند. قالها بلباقة:

“هناك فقر في الخلفية القانونية للدراسة، أعتقد أن التكوين الأكاديمي للسيدة الرئيسة قد لا يكون تقنياً بما يكفي لهذه الجزئيات.”

سكنَ المكان. انزلقت يدها تحت الطاولة. نبضُها تصاعد. لكنها تمالكت، ابتسمت، وقالت:

“أنت محق. وسأحرص على مراجعة مضامينها بمعية الفريق المختص.”

ذلك المساء، عاد الكابوس، لكن بصورة أخرى: كانت تكتب على الورقة، وكلما أنهت جملة، تمحوها يد خفية، حتى بقيت الورقة عارية تماماً.

في اليوم الموالي، لم تحضر للاجتماع. بعثت برسالة قصيرة إلى السكرتيرة: “أحتاج يوماً للراحة.” ثم أغلقت هاتفها، وجلست أمام الشرفة.

كان الغروب ثقيلاً. تذكّرت والدها، البقال البسيط، الذي لطالما قال لها: “العلم لا يُشترى، يا بنتي. هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن تزويره.” لكنها، في لحظة واحدة، باعته.

ما كان ثمنها؟ شهادة واحدة، خمسون ألف درهم، ووعد كاذب بالنجاح.

قررت أن تزور الأستاذ فؤاد. لم يكن صعباً العثور عليه. تقاعد منذ سنوات، ويعيش وحيداً في شقة صغيرة. حين رأته، بدا كأنه لم يتغيّر: ذات القامة القصيرة، والنظرات الحادة. لكنه كان أكثر هشاشة.

قالت، بصوت متماسك:

– أتيت لأطلب منك أن تسترجع الورقة.

– أي ورقة؟

– تلك التي كتبتها عني… أو بالأحرى، التي كتبتها نيابةً عني.

ابتسم بحذر:

– الناس يأتون ليطلبوا توصيات، لا يطلبون محو الماضي.

– أنا لست مثلهم. لم أعد أحتمل هذه النسخة الزائفة من حياتي.

– وهل تظنين أن محو الورقة سيغيّر شيئاً؟ لقد أصبحتِ جزءاً من آلة، يا هند. وصدقيني، كلّهم مثلك.

نهضت دون أن ترد. وفي طريقها إلى الباب، نظرت إلى رفّ خشبي عليه أطروحات مغبرة، بين أسمائها أسماء معروفة. شعرت بالقرف، بالخجل، بالحزن.

عادت إلى منزلها. فتحت الحاسوب. كتبت استقالتها. لكنها لم ترسلها.

بدل ذلك، جلست وبدأت تكتب شيئاً آخر. بدأت أخيراً تكتب أطروحتها. لا من أجل الشهادة، بل لتملأ تلك الورقة البيضاء التي تلاحقها.

كانت تكتب كل ليلة، ببطء، كما لو كانت تزيل طبقة تالفة من جلدها. كل فقرة كانت بمثابة توبة.

بعد عام، غادرت المؤسسة بهدوء، دون ضجيج. رفضت عروضاً كثيرة. قررت أن تدرّس، في مركز صغير، لأطفال لا يعرفون بعد معنى الشهادات، لكنهم يملكون فضولاً نقياً للمعرفة.

وفي أول درس، كتبت على السبورة: “الصدق أصعب من الذكاء، لكنه أكثر نفعاً.”

وفي الليل، عادت إلى الورقة البيضاء. لكنها لم تكن تخشاها بعد الآن.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading