مقاومة الانجراف في وجه العدم – الباحث عبد العزيز الخبشي-فاس
عنوان القصيدة: أرقام غبارية لن تأخذنا الريح . سوف ندور بعكسها . هي لن تأخذنا . ونحن لن نلتفت ، لا إلى الغيوم ولا إلى ما ترمز إليه عند الفلاسفة في أثينا ، والسحرة في تومبوكتو ، والرعاة في الهملايا . وراءنا غدنا . أقدامنا ثابتة . والأمواج هي التي تجيء وتذهب بنا . فيم القلق ؟ عطلتنا مستمرة . والزمن هو الذي في الخدمة ، ليل نهار . كأننا أرقام . وهو الغبار . الشاعر محمد بنطلحة Mohammed Bentalha القراءة في القصيدة: عبد العزيز الخبشي – المغرب. يمارس الشاعر العالمي والكبير محمد بنطلحة في قصيدته “أرقام غبارية”، يمارس نوعا من التحدي الشعري ضد التيارات الجارفة والرياح العاتية، مجسدا موقفا وجوديا رافضا للانسياق مع القوى التي تتحكم في المصائر. حيث يتجلى هذا التحدي منذ البداية حين يقرر الشاعر أن الريح لن تأخذه، بل إنه سيدور بعكسها، إن هذا الإعلان ليس مجرد تعبير عن العناد، بل هو موقف فلسفي يعكس إرادة مقاومة السائد والتمسك بالثبات رغم المتغيرات العاصفة. والزمن نفسه، الذي عادة ما يُنظر إليه كقوة ساحقة، يتم تصويره هنا في موقف يخدم الإنسان، وكأن الشاعر يقلب المفاهيم المتعارف عليها، حيث لا يكون المرء ضحية الزمن، بل الزمن هو الذي يعمل في “الخدمة”، ليلا ونهارا، بينما الإنسان في حالة إجازة دائمة، وكأنه رقم ثابت وسط غبار الزمن المتحرك. في البعد الرمزي، تعكس القصيدة موقفا من التاريخ والفكر والفلسفة. وعدم الالتفات إلى الغيوم وما ترمز إليه عند الفلاسفة والسحرة والرعاة، يشير إلى موقف عدم الاكتراث بالتفسيرات الخارجية للحياة، سواء أكانت فلسفية عقلانية كما في أثينا، أو سحرية غيبية كما في تومبوكتو، أو طبيعية فطرية كما عند رعاة الهملايا. وهذه الإشارات الجغرافية المتباعدة تضفي على القصيدة بعدا كونيا، حيث تتجاوز المحليات إلى فضاء أوسع يجمع بين الأسطورة والعلم والتقليد، لكنها في النهاية ترفض هذه المرجعيات المختلفة، مؤكدة على نوع من الاستقلالية الفكرية والوجودية. يبرز البعد الوجودي في القصيدة في صورة الأقدام الثابتة، حيث لا يكون الإنسان منساقا، بل هو نقطة ثابتة رغم حركة العالم من حوله. فالأقدام الثابتة في مواجهة الأمواج التي تأتي وتذهب ترمز إلى التحدي، لكنها تحمل في ذات الوقت إشارة إلى أن الإنسان ليس منفصلا تماما عن هذه الحركات، فهو جزء من هذا المد والجزر، لكنه يرفض أن يكون تابعا لها بالكامل. وهنا تظهر مفارقة الوجود، حيث الثبات والحركة متداخلان في جدلية عميقة، وكأن الإنسان محكوم بهذا التوازن الحرج بين الثبات والتحرك، وبين المقاومة والانجراف. اللغة في هذه القصيدة مكثفة ومشحونة بطاقة دلالية تتجاوز الظاهر. فالاقتصاد اللغوي الذي يعتمد عليه الشاعر محمد بنطلحة يجعل من كل كلمة ثقلا رمزيا. والاعتماد على الجمل القصيرة والمتقطعة يمنح النص إيقاعا يوحي بالحزم والقطعية، وهو ما يعكس موقفا فكريا صارما. والمفردات مثل “الغبار”، و”الأمواج”، و”الأرقام”، و”الزمن”، كلها تحمل معاني مزدوجة، فهي ليست مجرد عناصر طبيعية أو مجردة، بل لها بعد فلسفي عميق. فالغبار، الذي يكون عادة رمزا للضياع أو التلاشي، يوضع هنا في مقابل الأرقام، التي تمثل النظام والثبات، مما يوحي بصراع بين الفوضى والنظام، بين الزوال والديمومة، بين ما هو عابر وما هو متجذر. من الناحية الفكرية، تعكس القصيدة تصورا حداثيا يتجاوز الخطاب التقليدي حول الزمن والإنسان والمصير. والزمن هنا ليس سلطة مطلقة، بل هو خاضع لفعل الإدراك الإنساني، ويمكن إعادة تعريفه خارج المنظور التقليدي الذي يجعله قوة ساحقة. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار القصيدة نوعا من التفكيك للمسلمات حول العلاقة بين الإنسان والزمن، حيث لا يكون الإنسان مجرد كائن مستهلك للزمن، بل يصبح الزمن ذاته موضع تساؤل وإعادة تشكيل. على المستوى التاريخي، كما يمكن قراءة القصيدة في سياق التحولات الكبرى التي عرفها العالم، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي. إن رفض الانجراف مع الريح يمكن تأويله كرفض للامتثال للقوى المسيطرة، سواء أكانت سياسية أو فكرية، مما يجعل من القصيدة نصا مقاوما بامتياز. فالإحالة إلى أماكن ذات دلالات تاريخية مثل أثينا وتومبوكتو والهملايا، تعزز وتقوي من الطابع الكوني للقصيدة، حيث تصبح جزءا من حوار طويل مع التراث الفكري والروحي للبشرية. الشاعر الكبير والعالمي محمد بنطلحة، كعادته، يقدم نصا يتحدى القارئ، لا يقدم إجابات مباشرة، بل يفتح فضاءات للتأويل والتساؤل. قصيدته ليست مجرد موقف شخصي، بل هي تمثل رؤية واسعة عن الإنسان في مواجهة العالم، وعن إمكانية المقاومة حتى في أكثر الظروف تعقيدا، وعن القدرة على خلق معاني جديدة رغم فوضى الغبار الذي يحيط بكل شيء.






