“مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة: انبعاثات من روح التاريخ والجمال”

– عبد العزيز الخبشي
في مساء مشبع بالألق الرمزي والدلالات الثقافية، ترأست صاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة للا حسناء حفل افتتاح الدورة الثامنة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، في لحظة تنبعث فيها من قلب المدينة العتيقة روحٌ حضارية متجددة تعانق التاريخ وتطل على العالم من بوابة الفن الرفيع. وقد جاء هذا الافتتاح، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، إيذانًا بانطلاق دورة جديدة للمهرجان، من 16 إلى 24 ماي 2025، دورة اتخذت من “انبعاثات” شعارًا لها، في استحضار بليغ لمسار حضاري متوهج وواعد، يستلهم من عصر النهضة الإيطالية ما هو أعمق من الإبهار البصري والفني، إلى ما هو جوهري في تحول التاريخ، حين تتجدد القيم عبر الفن، وتولد مفاهيم الحداثة من رحم الجمال والمعرفة.
ليس شعار “انبعاثات” ترفاً لغوياً أو اختياراً عارضاً ضمن لعبة الألفاظ، بل هو خلاصة رؤية فلسفية وفنية تعي جيداً أن لحظة التحول الحضاري الكبرى لا تُبنى إلا حين تتصالح المجتمعات مع مخزونها الثقافي والروحي العميق، وتنفتح على الآخر من موقع الاعتداد بالذات لا الخوف منها. فكما كانت فلورنسا مهداً لنهضة أوروبا، يمكن لفاس، وهي حاملة لذاكرة روحية وعلمية موغلة في التجذر، أن تكون مركزاً لحوار إنساني يتجاوز الأيديولوجيات الضيقة، ويُعيد الاعتبار للثقافة باعتبارها الرافعة الحقيقية لأي نهضة ممكنة. وهنا يلتقي التاريخ بالراهن في جدلية ترفض الانفصال بين الماضي والحاضر، وترى في الموسيقى لغة تعبير كونية، عابرة للحواجز الجغرافية والهوياتية.
إن اختيار إيطاليا كضيف شرف في هذه الدورة يحمل بدوره من المعاني ما يتجاوز البعد البروتوكولي، فهو تعبير عن عمق الروابط الحضارية التي جمعت ولا تزال تجمع بين ضفتي المتوسط، ويعيد إلى الأذهان علاقات التوأمة التي وُقعت بين مدينتي فاس وفلورنسا منذ عام 1961. إن العلاقة بين المدينتين لم تكن يوماً مجرد صيغة مؤسساتية، بل هي التقاء رمزي بين مدينتين تميزتا عبر تاريخهما بكونهما فضاءين للحكمة والجمال والمعرفة، ومن ثم فإن استدعاء إيطاليا في هذا السياق الثقافي هو دعوة إلى حوارٍ ينسج بين الأندلس وفينيسيا، بين القرويين وسانتا ماريا دل فيوري، بين التصوف الإسلامي والفكر الإنساني، في تلاقحٍ لا تنفي فيه الخصوصية حضور الكونية، ولا يَمحُ فيه الانتماء الثقافي المختلف إمكانية الفهم المشترك.
ولم يكن مضمون هذه الدورة أقل عمقاً من خلفيتها الرمزية، حيث استضافت أكثر من 200 فنان يمثلون 15 دولة، جاؤوا ليجعلوا من مدينة فاس منبراً لتعدد الأصوات وتلاقي الإيقاعات، حيث تلتقي التقاليد الموسيقية الصوفية القادمة من أعماق المغرب والمشرق، مع أناشيد الكنائس القديمة، والإيقاعات الإفريقية، والنغمات البوذية والآسيوية، في فسيفساء صوتية وإنسانية تؤكد أن الجمال، حين ينصت إلى ذاته، ينفتح على الآخر من دون عقد، ويتحول إلى وسيط روحي قادر على تجسير الفجوات وردم المسافات بين الشعوب والثقافات. ليست هذه التظاهرة احتفالا موسيقياً عادياً، بل هي بمثابة صلاة جماعية يتلوها فنانون من مشارب مختلفة بلغات شتى، لكنها تصب في نهر واحد هو نهر الإنسانية المتعطشة إلى المعنى، وإلى قيم العيش المشترك في عالم تتآكله الحروب والانقسامات.
وما يميز مهرجان فاس منذ تأسيسه، ويجعله فريداً في طبيعته، هو ذاك التلازم العميق بين المكان والحدث، إذ لا يمكن فصل الموسيقى المقدمة عن الفضاءات التي تحتضنها، حيث تصبح المدينة القديمة بكل زواياها وأقواسها ورياضاتها، جزءاً من العرض، وامتداداً للأنغام. فحين يُعزف السماع الصوفي في باحات المدارس العتيقة، أو تُصدَح الأناشيد المسيحية في قلب فناء فاس البالي، يشعر الزائر بأن الزمن قد توقف لحظة، كي يُصغي إلى تناغم إنساني عابر للعصور، يتجاوز الحس الجمالي إلى الطقس الروحي، ويجعل من الموسيقى طقساً من طقوس التعمق في الذات. في فاس، لا تُقدَّم الموسيقى كما تُقدَّم على المسارح، بل تُستدعى كما تُستدعى الذاكرة، وتُحتفى كما يُحتفى بالمعنى حين يُبعث من رماده.
ولأن هذا المهرجان يستند إلى رؤية ملكية واضحة، تولي الثقافة مكانة مركزية في البناء المجتمعي، فإنه يحظى برعاية سامية متواصلة، تُترجم في دعم فعلي وحرص على انتظامه واستمراريته، ما جعله يتحول إلى موعد عالمي سنوي ينتظره الفاعلون الثقافيون والروحيون من مختلف بقاع العالم. ففاس التي كانت في لحظات تاريخية مفصلية مركز إشعاع فكري وروحي، قادرة اليوم من خلال هذا الفعل الثقافي الراقي، أن تستعيد دورها كمنصة عالمية للدبلوماسية الثقافية الروحية، التي لا تبحث عن التموقع السياسي بقدر ما تسعى إلى خلق فضاء مشترك لتلاقي الشعوب، وتبادل الحساسيات الفنية والمعرفية، وتجديد العلاقة بين الثقافات على أساس من الندية والتفاهم.
ولعل الرسالة الأعمق التي يحملها هذا المهرجان، تكمن في قدرته على تجسيد قيمة الثقافة في بعدها الكوني، ليس كوسيلة تزينية هامشية، بل كضرورة وجودية لإنسان العصر، الذي لم يعد في حاجة إلى مزيد من التكنولوجيا بقدر حاجته إلى المعنى، وإلى خطاب روحي وأخلاقي يعيد للإنسان مكانته، ويحرره من الاستلاب المادي، ويربطه بأصله الجمالي العميق. ومن خلال هذا المنظور، يمكن القول إن مهرجان فاس هو أيضاً شكل من أشكال المقاومة الثقافية، في وجه الرداءة والعنف، وفي مواجهة نزعات الانغلاق والتطرف، لأنه يقترح بديلاً جمالياً وروحياً قائماً على السلم والتنوع والإنصات، ويرى في الثقافة قوة ناعمة لكنها حاسمة في تشكيل المستقبل.
وحين تتناغم الأنغام في سماء فاس، وتحتضن المدينة القديمة زوارها القادمين من مختلف القارات، تتحول هذه التظاهرة إلى ملحمة إنسانية، عنوانها الجمال، وروحها المحبة، ورسالتها الأمل. هي ليست لحظة احتفالية عابرة، بل حدث يتجدد كل عام، ليذكرنا بأن فاس لم تكن يوماً مدينة عادية، بل كانت وما زالت قلباً نابضاً لهوية مغربية متجذرة ومنفتحة، وساحة يلتقي فيها الصوفي بالحكيم، والموسيقي بالعاشق، والحاضر بالماضي، والشرق بالغرب. وبين الزخارف الأندلسية العتيقة والألحان التي تعبر من عوالم بعيدة، يكتشف الإنسان المعاصر في فاس شيئاً من ذاته الضائعة، وينبعث فيه من جديد حلم اللقاء الكوني، حيث لا لغة تسود سوى لغة الموسيقى، ولا عقيدة تفرض ذاتها سوى عقيدة الجمال والصفاء.



