عندما يصبح الوطن يتيماً/عارف عبد الرحمن

يمرُّ الهواءُ الملوَّثُ فوق الوطن،
كأنَّه غضبٌ قديم،
يقتلع من نوافذه
ما تبقّى من ضوء،
ثم يعودُ أشدَّ عصفًا.
والوطنُ صامت،
كأنَّ لسانَ الحقيقة
دُفن تحت أنقاضه.
لا صوتَ يعلو،
ولا يدٌ تشير إلى الطريق.
كلُّ شيءٍ قابلٌ للسقوط:
الأبواب،
المرايا،
حتى الذاكرة.
تتقدّم النارُ ببطء،
تأكل حجرًا بعد حجر،
وتترك خلفها
رمادَ أحلامٍ
كانت تظنُّ أنَّ الغدَ سيأتي.
كان وطنَ الشمس،
فصار يبحث عن ظلٍّ
يحميه من نفسه.
أبوابه مشرَّعة،
حدوده بلا حارس،
وقلبه معلّق
بين خوفٍ لا ينام،
وعيشٍ فقد عنوانه.
الهواءُ الملوَّث
يأتي من جهةٍ يعرفها الجميع،
يمرُّ بين البيوت،
ويعيد ترتيب الفوضى
على طريقته.
يبتلع الوطنَ
كحلمٍ لم يجد وقتًا ليولد،
ويتركه مكشوفًا للريح،
مقصوصَ الجناحين،
يحمل ما تبقّى من الضوء
ويبحث عن نافذة.
وما زال الوطنُ هناك،
واقفًا رغم العاصفة،
بلا تاجٍ يحميه،
ولا قلبٍ شجاع
يقف في وجه الريح
ويرفع صوته:
كفى.



