مقالات نقدية

حين يختلّ ميزان الاقتراب: تفكيك بلاغة المسافة في قول نجية تازروت ✍ عبد العزيز الخبشي- المغرب

صورتان في إطار بيضاوي. الأولى لرجل يرتدي قبعة وقميصاً رمادياً وقفازين. الثانية لامرأة بابتسامة، ترتدي سترة بيج. الخلفية غير واضحة.

في هذا القول المكثف الذي تصوغه الكاتبة نجية تازروت: «تعال نقتسم المسافة بيننا بالتساوي… اقطع أنا ربعها وتقطع أنت الباقي»، تنفتح اللغة على مفارقة دلالية حادة، حيث يبدو الظاهر دعوة إلى تقاسم عادل، بينما ينطوي الباطن على خلل في هذا التوازن، يكشف عن توتر نفسي عميق، واختلال في معادلة العلاقة بين الأنا والآخر. إننا أمام نص قصير في حجمه، لكنه بالغ الكثافة في إشاراته، ومشحون بإيحاءات تتجاوز حدود القول المباشر نحو فضاء رمزي تتداخل فيه الأبعاد النفسية والعاطفية والاجتماعية.

من الناحية البلاغية، يقوم النص على بنية مفارقة صريحة: “نقتسم المسافة بالتساوي” جملة تؤسس لوهم العدالة والتكافؤ، لكن سرعان ما يتم تقويض هذا الادعاء عبر التحديد العددي: “أقطع أنا ربعها وتقطع أنت الباقي”. هنا ينكشف التناقض، وتتحول اللغة إلى أداة فضح، لا إلى وسيلة تبرير. إن هذه المفارقة ليست مجرد لعبة لغوية، بل هي تمثيل دقيق لوضعية شعورية تعيشها الذات المتكلمة، حيث تعلن رغبتها في الإنصاف، لكنها، في العمق، تعترف ضمنيًا بعدم التكافؤ، أو ربما تقبله على مضض.

سيكولوجيًا، يمكن قراءة هذا القول بوصفه تعبيرًا عن ذات تعيش حالة من التنازل العاطفي غير المتكافئ. فالمتكلمة تقبل أن تقطع “ربع المسافة” فقط، تاركة للآخر عبء “الباقي”، وهو ما يمكن تأويله بطريقتين متناقضتين: إما أنها ترى نفسها عاجزة أو منهكة، غير قادرة على بذل جهد أكبر، أو أنها تختبر مدى استعداد الآخر للتضحية، فتضعه أمام امتحان ضمني لصدق مشاعره. في الحالتين، نحن أمام علاقة غير متوازنة، حيث لا يتم توزيع الجهد وفق معيار موضوعي، بل وفق اعتبارات نفسية مركبة، تتراوح بين الحذر، والخوف من الخذلان، والرغبة في التحقق من قيمة الذات لدى الآخر.

أما من الناحية العاطفية، فإن النص يشف عن رغبة دفينة في اللقاء، لكنها رغبة مشوبة بالقلق. فالدعوة إلى “اقتسام المسافة” هي في جوهرها دعوة إلى التقارب، إلى تقليص الفجوة بين ذاتين، لكن هذا التقارب لا يتم بثقة مطلقة، بل عبر شروط، وعبر توزيع غير متكافئ للمسؤولية. إن العاطفة هنا ليست انسيابًا حرًا، بل هي محكومة بحسابات دقيقة، وكأن المتكلمة تحاول أن تحمي نفسها من خيبة محتملة، فتقلل من حجم استثمارها العاطفي، وتلقي بالعبء الأكبر على الطرف الآخر.

اجتماعيًا، يمكن النظر إلى هذا القول باعتباره انعكاسًا لنمط من العلاقات المعاصرة التي تتسم بعدم الاستقرار، وبهيمنة منطق “الاختبار” بدل “الثقة”. ففي زمن تتآكل فيه اليقينيات، وتصبح العلاقات أكثر هشاشة، تميل الذوات إلى بناء استراتيجيات دفاعية، من بينها تقنين العطاء، وقياس ردود الفعل، بدل الانخراط الكلي في العلاقة. وهنا يتحول “اقتسام المسافة” إلى استعارة عن التفاوض المستمر داخل العلاقات، حيث لا شيء يُمنح مجانًا، بل كل شيء يخضع لمنطق الأخذ والرد.

فنّيًا، يتميز النص باقتصاده اللغوي، واعتماده على جملة قصيرة مشحونة بالدلالة، وهو ما يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”جمالية التكثيف”، حيث يتم تحميل العبارة الواحدة أكثر من مستوى من المعنى. كما أن استخدام الفعل الأمر “تعال” يضفي على النص طابعًا حواريًا، ويخلق نوعًا من التوتر بين الطلب والشرط، بين الرغبة والاحتراز. أما التقسيم العددي (ربع/الباقي) فيمنح النص بعدًا شبه رياضي، لكنه في الحقيقة يخدم غاية وجدانية، إذ يكشف عن محاولة عقلنة ما هو عاطفي، وإخضاع المشاعر لمنطق القياس.

أدبيًا، يمكن إدراج هذا القول ضمن ما يُعرف بالأقوال الكثيفة أو الشذرات، التي تقوم على الإيجاز والترميز، وتستدعي من القارئ جهدًا تأويليًا لفك شفراتها. فالنص لا يقدم معنى جاهزًا، بل يفتح أفقًا من الاحتمالات، ويضع القارئ أمام مفارقة تستفزه للتفكير: هل نحن أمام دعوة عادلة أم أمام تبرير لعدم العدالة؟ هل المتكلمة ضحية أم فاعلة في هذا الاختلال؟

في النهاية، يمكن القول إن هذا القول المقتضب ينجح في تحويل “المسافة” من مفهوم فيزيائي إلى مفهوم وجودي، يعكس طبيعة العلاقة بين الأنا والآخر، ويكشف عن هشاشة التوازن داخلها. إنه نص يفضح، ببلاغة صامتة، تلك اللحظة الدقيقة التي تختلط فيها الرغبة في القرب بالخوف من الخذلان، فيصبح الاقتراب نفسه فعلًا محفوفًا بالحساب، لا مجرد اندفاع عفوي.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading