ظلٌّ ضدّ الرحيل – عبد العزيز الخبشي- المغرب

لم تكن السماء في تلك الليلة تشبه سماء إبراهيم القديمة. لم تكن زرقاء قابلة للغفران، ولا رمادية عابرة كما اعتادها في شتاءات طفولته، بل كانت كتلة واحدة من الماء، كأن الغيم قرر أن ينزل دفعة واحدة ليستعيد ما نسيه فوق الأرض. كانت الأمطار الغزيرة تضرب المدينة بلا هوادة، تسيل في الشوارع مثل أفكار هاربة، وتطرق الأبواب بعنف يشبه العتاب.
وقف إبراهيم عند نافذة بيته الطيني، يراقب انكسار الضوء في البرك التي تكونت عند مفترق الطريق. كان البيت قديما، متصدعا من الجهات كلها، لكنه بالنسبة إليه لم يكن جدرانا وسقفا فقط، بل ذاكرة متكئة على نفسها. كل شق في الحائط كان يحمل صوتا، وكل بقعة رطوبة كانت تشبه بصمة يدٍ غابت وبقي أثرها.
في الخارج، كانت صفارات سيارات الإسعاف تختلط بصوت المطر، كأن المدينة تنزف وتستغيث في الوقت نفسه. طرق أحدهم الباب بقوة. لم يحتج إبراهيم إلى السؤال، كان يعرف أن الطرق في مثل هذه الظروف لا يحمل إلا وجها واحدا: وجه الرحيل.
دخلوا البيت بأحذيتهم الموحلة، رجال بملابس واقية، وجوههم متعبة، لكن حازمة. قال أحدهم بنبرةٍ رسمية تخفي استعجالا:
– الوضع خطير يا عم إبراهيم. المياه ترتفع، والحي مهدد. يجب أن نرحلكم إلى المدينة المجاورة، على الأقل مؤقتا.
لم يرد إبراهيم فورا. جلس على الكرسي الخشبي، ومد يده يتحسس الطاولة كما لو كان يتأكد أنها ما تزال هناك. كان المطر يضرب السقف، وكل ضربة تعيد إليه ذكرى قديمة: يوم بنى هذا البيت بيديه، يوم غرس شجرة التين في الفناء، يوم عاد من العمل متعبا فوجد أمه تنتظره عند الباب.
– لا أستطيع الرحيل، قالها بهدوء أربكهم.
– هذا ليس خيارا، رد آخر، نحن نخاف عليك.
– وأنا أخاف على هذا المكان، أجاب.
لم يكن خوفه عنادا، بل إحساسا غامضا بأن الرحيل خيانة صامتة. كيف يمكن للإنسان أن يخلِي ذاكرته كما يخلِي بيتا؟ كيف يمكنه أن يترك الجدران تواجه الماء وحدها؟
خرجوا تاركين وراءهم وعدا بالعودة. بقي إبراهيم وحده، يصغي إلى صرير الريح، وإلى الماء وهو يتسلل ببطء من تحت الباب. حمل منشفة قديمة وحاول سدّ الفجوة، لكنه كان يعرف أن هذا الجهد أقرب إلى طقس رمزي منه إلى حل. الماء لا يفهم الرموز، لكنه كان يفهم إبراهيم، أو هكذا شعر.
جلس قرب النافذة، وغرق في حديث داخلي لم ينقطع منذ بدأت الأمطار. تذكر المدينة كما كانت: ضيقة لكنها دافئة، فقيرة لكنها تعرف أسماء أبنائها. اليوم، صارت المدينة غريبة، تتآكلها المياه كما تتآكلها القرارات البعيدة. شعر أن المطر ليس كارثة طبيعية فقط، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال، من الأصوات التي لم تسمع.
مع الفجر، ارتفع منسوب المياه. صارت الشوارع أنهارا صغيرة، وصار البيت جزيرة معزولة. عادوا مرة أخرى، هذه المرة بإلحاح أكبر.
– الوقت يداهمنا، قال أحدهم، لن نستطيع العودة لاحقا.
نظر إليهم إبراهيم طويلا، ثم قال:
– إن خرجت الآن، لن أعود. وأنا لا أريد مدينة بلا ذاكرة.
حاولوا إقناعه، ذكروا له الأمان، الراحة، البيوت الجافة. لكنه كان يسمع شيئا آخر: فراغا قادما، مدينة أخرى لا تعرف خطواته ولا تعرف اسمه. كان يدرك أن البقاء قد يكون خطرا، لكن الرحيل بالنسبة إليه موت مؤجل.
عندما غادروا، شعر بشيءٍ يشبه الطمأنينة. ليست طمأنينة النجاة، بل طمأنينة الاختيار. فتح الباب قليلا، دخل الماء حتى كاحليه. لم يتراجع. وقف في منتصف البيت، كأنما يعلن صموده لجدرانٍ تعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
في تلك اللحظة، تذكر جملة قديمة قالها له والده: “البيوت لا تغرقها المياه وحدها، يغرقها أن تترك.” ابتسم إبراهيم ابتسامة خفيفة، ثم جلس على الأرض، مستندا إلى الحائط.
كانت المدينة من حوله تواصل غرقها، لكن في داخله، كان شيء ما يثبت مكانه. لم يكن بطلا، ولم يكن متهورا، كان فقط رجلا اختار ألا يرحل عن قصته. ومع استمرار المطر، بدا وكأن الماء نفسه يتباطأ، كأنه يحترم هذا الإصرار الصامت.
وحين بزغت الشمس أخيرا، كانت المدينة منهكة، لكنها ما تزال قائمة. وكذلك إبراهيم. لم يرحل. وربما، في مكانٍ ما، تعلم المطر درسا صغيرا عن البشر الذين لا ينسحبون بسهولة.





