في تخوم الكابوس المستأنف: تأملات في القصيدة وتفكيك رموزها
الشاعر : محمد بودويك – المغرب

القراءة: عبد العزيز الخبشي- المغرب.
عنوان القصيدة: كابوسٌ مُسْتَأْنَفٌ
ثمّ..
رَمَتْني دوّامة
كَمِثلِ رقصة غبار
يتميز من الغيظ،
إلـــى
دارةٍ مسقوفة بالصمغ المقدس
وديرٍ تقرأُ فيه الريحُ
كتاب الأبد.
رَمَتْني إلى صحراءَ
لا تنجبُ ورْداً
ولا مطراً
لكنها تنجبُ النبؤاتِ
وتحضن بيوضَ
أساطيرِ الأولينَ
والمفاوزَ يضرب إليها
المرسلون أكباد الإبلِ.
ــ ما بالكَ؟
تقول عرَّافةُ برج الدلو
ـ الذي هو برجي ـ
ما بالك بما كان
ولم يكنْ
انقضى عهد العصا
التي تنقلب حيةً تسعى
وامتطاء الأسد للحرث ذلولاً،
وبشارة الذئب مغتبطاً في البرية
بإنجاب السماء،
وسراب التي تذوب كعمود ملحٍ
متى ما دارت برأسها
إلى الوراءِ
باحثةً عن اسمها.
والسجاد الطائر
الملوح للمارين المسرنمين،
والساحرة الحيزبون على
مكنسة الإبهارْ
الكل غارْ
انقضى ومضى
لكنه ارْتَضى له مكاناً
في الأسفارْ.
فهل نكون خُدِعنا
هل نكون سُرِقْنا من يقظتنا
ونمنا خلال أزمنة شتى
قهقهتْ طويلا
على ذقوننا.
وها نحن أولاءِ
لا فوتَ ولا موتَ
ها نحن:
عَلْقَى كأثواب الغسيل
أوْ
كمثل الذبيحة على
حبل الخرافة
تُدَنْدِلنا الريح السافيةُ.
لكنْ،
دَعْنا نظنَّ
دعنا نرى
دعنا للأوهامْ
مادام في الأقدامْ
أنغامْ
كإبر خَزٍّ
تنخسنا
وتشدنا إلى ميقات
يوم معلومٍ.
فيا أُمّ عُوفٍ،
يا أم عوفٍ:
اُنْثُري بُرْدَيْكِ
خلفي وأمامي
لعل النارَ تصير برداً
وسقيا لعضامي
– المفتاح: أم عوف: كناية عن الجرادة، الحشرة التي تعد من الرهط التسعة.
– لا يمكن ولوج عتبات قصيدة “كابوس مستأنف” للشاعر محمد بودويك دون استحضار خاصية التناص الكابوسي التي تربك المعنى وتعيد إنتاجه في دائرة الحلم، حيث يصبح الواقع مُحمّلاً بتوتر الرؤيا وارتجاجات الخيال المتشظي، فالنص منذ عنوانه يضع القارئ أمام استئناف لحالة لم تكتمل أو لم تُفكك بعد، كأنّ الشاعر يشير إلى أن الكابوس الأول لم يكن إلا تمهيداً لامتداد زمني آخر أكثر قتامة، أكثر فوضوية، وربما أكثر شاعرية. الكابوس في حقيقته ليس لحظة عابرة، بل هو بنيان رمزي يستعيد الأساطير والخرائب والنبوءات كأنها جمرات مدفونة في طيّات الذاكرة الجمعية والوجود الفردي في آن.
تبدأ القصيدة بفعل “ثم” الذي يفيد التراكم الزمني والانقطاع في السرد، ولكنه هنا لا يدل على انتقال زمني عادي، بل هو قفزة نحو العدم، نحو دوامة، هذا اللفظ الذي يشير إلى الدوران المفرغ من المعنى، وإلى تكرار لا يؤدي إلى نتيجة، وكأن الذات الشاعرة عالقة في دوران كوني عبثي يشبه رقصة الغبار التي “يتميز من الغيظ”، أي أنه غبار له شعور، له طاقة، له عنف دفين. ننتقل سريعاً إلى فضاء ميتافيزيقي محكوم بالمقدس والمحرم، حيث “دارة مسقوفة بالصمغ المقدس”، ومرة أخرى نصطدم بصورة شعرية عجيبة: الصمغ الذي يفترض أنه يلصق، يُثبّت، يصبح هنا سقفاً، حاجزاً، وربما قيداً، يعلو الدارة التي تقرأ فيها الريح “كتاب الأبد”، أي أننا أمام فضاء خارج الزمن، خارج الموت والحياة، لكنه محكوم بطاقة الريح، رمز الحرية والتغيير، التي أصبحت بدورها مقيّدة بالمقدس.
ثم ينقلنا الشاعر إلى الصحراء، وهي هنا ليست مجازاً للخواء فقط، بل فضاء معرفي وسيميائي تلتقي فيه الأسطورة بالنبوءة، والتاريخ بالمطلق، صحراء لا تنجب ورداً ولا مطراً، لكنها تنجب “النبؤات” وتحتضن “بيوض الأساطير”. في هذه الصورة يفتح الشاعر باباً على الرؤية الأنطولوجية للوجود: فحتى الصحراء التي تبدو ميتة، تُنتج المعنى، تحبل بالتاريخ، بالأسطورة، بالنبؤات، كأنها رحم خرافي لا يخصب بالواقع، بل بالرموز. ويأتي فعل “يضرب إليها المرسلون أكباد الإبل” ليعمّق هذا المعنى، ويعزّز حضور البعد التوراتي والقرآني في القصيدة، حيث يصبح الماضي رسولا إلى الحاضر، ويصير التاريخ جسراً لا يمكن تجاهله في فهم الإنسان لذاته.
وفي حركة مدهشة، تخرج “عرّافة برج الدلو” لتتساءل، أو بالأحرى لتقرأ المستقبل في مرآة ما لم يحدث بعد، فتُعيد تشكيل الأسطورة بمنطق السخرية المرة. كأن النص يواجه مرحلة ما بعد الأسطورة، مرحلة سقوط الرموز القديمة: العصا التي لم تعد تنقلب حيةً، والأسد الذي لم يعد يمتطي، والذئب الذي بشّر دون نتيجة، والسيدة التي تحولت إلى عمود ملح لأنها نظرت إلى الوراء، كناية عن لعنة الحنين إلى الوراء، إلى الماضي. كل هذه الصور تستعيد رموزاً من كتب التراث والأديان والأساطير، ثم تُسقِطها في الحاضر لتُبرز هشاشتها، أو لتُعلن نهايتها.
هذه الحركة من المجازي إلى الميتا-مجازي، من الرموز إلى نهاية الرموز، هي ما يمنح القصيدة طاقتها التفكيكية، ويجعل منها بياناً شعرياً ضد الخرافة، وضد تواطؤ العقل مع الوهم. وما يؤكد هذا المنحى أن الشاعر لا يكتفي بالسرد، بل يُدخل سؤالاً وجودياً مركزياً: “هل نكون خدعنا؟ هل نكون سُرقنا من يقظتنا؟” وهو تساؤل يتجاوز الشخصية الشعرية ليصير سؤال العصر، سؤال الإنسان المعاصر الذي يُخدَع بأوهام التقنية والحداثة والرأسمالية والأيديولوجيا، حتى يفقد وعيه، ويغرق في نوم كوني طويل. وهنا تتبدى سخرية سوداء: “قهقهت طويلاً على ذقوننا”، كأن الزمن نفسه يسخر من يقظتنا الكاذبة.
وفي لحظة ذروة رمزية، تُشبَّه الذات الشاعرة بـ”أثواب الغسيل”، وبـ”الذبيحة على حبل الخرافة”، وهي استعارات تصدم القارئ بشراستها ودقتها في آن. فالإنسان المعاصر، في نظر الشاعر، ليس أكثر من كائن مُعلّق في فضاء خرافي، تُحرّكه ريح الوهم والأيديولوجيا، لا يملك قراراً ولا معنى، وبهذا المعنى تعود الصورة الكابوسية لتتجدد، ليس كحلم شخصي، بل كقدر إنساني مشترك.
غير أن النص لا يقف عند حدود التشاؤم، بل يفتح كوة صغيرة للأمل، أو ربما للوهم الجميل، حين يقول: “دعنا نظن، دعنا نرى، دعنا للأوهام”، في محاولة للتشبث بما تبقّى من طاقة الحلم، من قدرة الأقدام على الرقص، على الإحساس، على الارتجاف أمام ما هو قادم. صورة الأقدام التي تنغرس فيها إبر خَزٍّ تعيدنا إلى الموروث الشعبي والصوفي، حيث الألم يصبح مدخلاً إلى التجلي، والوجع يتحول إلى طقس عبور.
وتنتهي القصيدة بنداء غريب، يحمل في طياته التوسل والتضرع والتعلق بالخارق: “يا أم عوف، انثري برديك خلفي وأمامي”، وأم عوف هنا ليست مجرد اسم، بل كناية عن الجرادة، وهي بدورها رمز شائع في الثقافات القديمة، تجمع بين الهلاك والخصب، بين الجائحة والمعجزة. فالدعوة لأن تنثر برديها هي دعوة لتدخل ما فوق طبيعي، لحماية الشاعر من الاحتراق، من العذاب، من الخيبة. وربما تكون أم عوف آخر ما تبقى من أسطورة نؤمن بها، آخر ما يمكن استدعاؤه حين تفشل كل الأساطير الأخرى.
إن “كابوس مستأنف” ليست قصيدة فحسب، بل هي بيان شعري مضاد للخرافة، ومرافعة وجودية ضد كل أشكال التنويم الجماعي التي يتعرض لها الإنسان. نص يمتح من الموروث ليقوضه، يستدعي الأسطورة ليعلن نهايتها، يعزف على أوتار الحلم ليكشف عبثه، ويضع القارئ في مواجهة مع هشاشته العارية. قصيدة تنهض من لغة شديدة الإيحاء، محكمة البناء، تغامر بالمجاز كما تغامر بالفكر، تنحت صورها من معادن رمزية راسخة لكنها تُعيد تشكيلها بوعي نقدي حديث.
وإذا كان الكابوس مستأنفاً، فذلك لأننا لم نستيقظ بعد. لم نخرج من كهف الخرافة، ولا من أسوار الوهم، ولا من سكرة الأسطورة. الكابوس مستأنف لأننا ما زلنا نُراكم الرموز ونُمنّي النفس بالفداء دونما افتداء. وبين دوامة الغبار، ودارة الصمغ المقدس، وبيوض الأساطير، وبرديّ أم عوف، يتأرجح الشاعر كناسك عصري في حضرة كابوس لا ينتهي.





