قراءة في قصيدة – عبد العزيز الخبشي

قراءة في قصيدة للشاعر محمد بنطلحة المعنونة ب:
“مِنْ أَجْلِ قَبْضَةِ ثَلْجٍ”
عُمْرٌ بِأَسْرِهِ
وَالحَرْبُ الأَهْلِيَّةِ قَائِمَة
بَيْنَ آلمَاءِ
ورغوته .
المحيط عرفناه :
سمكة
سمكة .
والهدير ، كالحقائب الموصدة ، كم نقلناه
من كتف إلى كتف .
وفي الأخير ،
إنسان الثلج لم يخطئ :
الزمن ليس سمكة .
” قليلا أكثر “
القصيدة للشاعر: محمد بنطلحة.
القراءة للناقد: عبد العزير الخبشي – المغرب.
تتسم قصيدة محمد بنطلحة “من أجل قبضة ثلج” بكثافة رمزية تعكس صراعًا عميقًا بين الكينونة والتحول، بين الاستقرار والانسياب، ما يجعلها نصًا مفتوحًا على مستويات متعددة من التأويل تمتد من المادي إلى الفلسفي والوجودي. القصيدة ليست مجرد بناء لغوي، بل هي نسيج متشابك من الدلالات المتحولة التي تتطلب قراءة متأنية تكشف عن طبقاتها المختلفة، حيث تتشابك الأبعاد الحسية بالعوالم الذهنية، وتتقاطع الرؤية الشعرية مع الأسئلة الكونية الكبرى حول الوجود والعدم، والزمن والمعرفة، والهوية والتحول.
يبدأ الشاعر بإطار زمني واسع: “عمر بأسره”، وهو تعبير يحمل شحنة دلالية عميقة، إذ يتجاوز الزمن المحدد ليدخل في المطلق، ما يمنح القصيدة بعدًا وجوديًا يعبر عن صراع الإنسان مع الدوامة الزمنية. هذا الزمن الممتد ليس مجرد سياق خارجي للأحداث، بل هو عنصر جوهري في تركيب التجربة الشعورية للشاعر. ومنذ البداية، يرسم الشاعر مشهدًا يفيض بالتوتر الداخلي بين الماء ورغوته، بين الأصل والمظهر، بين الجوهر والتحول. إن هذه الازدواجية المركزية ليست مجرد تناقض سطحي، بل هي امتداد لرؤية فلسفية تتساءل عن ثنائية الثبات والتحول، وهل يمكن للإدراك أن يمسك بجوهر الأشياء أم أنه لا يرى سوى انعكاساتها الزائلة.
عندما يقول الشاعر: “المحيط عرفناه: سمكة سمكة”، فهو يعيد تشكيل مفهوم الإدراك والمعرفة، إذ يتحول المحيط – الذي هو بطبيعته فضاء شاسع وهائل – إلى وحدات صغيرة، تُعرف عبر تفكيكها إلى أجزائها الأولية. هذا التفكيك يحمل بُعدًا فلسفيًا حول طبيعة المعرفة البشرية التي لا تستطيع إدراك الكل إلا من خلال تجزئته، مما يجعل هذه العبارة محملة بدلالات عميقة حول حدود الفهم الإنساني. إن اختزال المحيط إلى “سمكة سمكة” يثير تساؤلات عن كيفية تعامل الإنسان مع الكلّيات: هل يمكنه فهمها بشكل شمولي، أم أن إدراكه مشروط بالتحليل والتجزئة؟ هذا التساؤل ينسجم مع رؤى فلسفية ترى أن الوجود في حد ذاته متشظٍّ، وأن الإنسان لا يملك سوى أدوات محدودة لفهمه.
أما الهدير، فيظهر في النص بصورة شديدة الكثافة، حيث يشبهه الشاعر بالحقائب الموصدة التي تُنقل من كتف إلى كتف. هذه الصورة الحسية البصرية والمادية تحمل دلالة ثقيلة، فهي تشير إلى الإرث الذي يحمله الإنسان على مدى الأجيال، والذي لا يمكنه الفكاك منه بسهولة. الهدير ليس مجرد موج يتكسر، بل هو صدى للتاريخ، لأصوات البشر المتوارثة، لنداءات لم تُستجب بعد، ولأحمال وجودية تنتقل من فرد إلى آخر دون أن تنفتح تمامًا على المعنى. هنا، يتم تحميل الصورة بدلالة فلسفية تتعلق بمفهوم التاريخ باعتباره حمولة ثقيلة تنقلها الأجيال دون وعي كامل بحقيقتها، مما يعكس قلقًا وجوديًا حول دور الإنسان في استمرارية الزمن.
يصل الشاعر في نهاية القصيدة إلى لحظة كشف عبر صورة “إنسان الثلج”، الذي يمثل لحظة تأمل وجودي تتجاوز الإدراك المباشر للعالم. حين يقول: “الزمن ليس سمكة”، فهو يعلن قطيعة مع النموذج المعرفي السابق الذي كان يفكك الكل إلى وحدات منفصلة. هنا، يصبح الزمن كيانًا متحررًا من التصورات التقليدية، فهو ليس شيئًا ملموسًا يمكن تقسيمه، بل هو تيار متدفق يتجاوز التصورات الجزئية، في إشارة إلى وعي حداثي يتعامل مع الزمن بوصفه تجربة غير قابلة للتجزئة. هذا التصور يقود إلى بعد فلسفي عميق يتعلق بكيفية فهم الإنسان للزمن: هل هو مجرد سلسلة من اللحظات المنفصلة، أم أنه تيار واحد غير قابل للانقسام؟ بهذا الطرح، تتقاطع القصيدة مع تيارات فلسفية حديثة تتعامل مع الزمن ككيان متحول يتجاوز الإدراك الثابت.
من الناحية اللغوية، تتسم القصيدة بكثافة شعرية تعتمد على الاقتصاد التعبيري والتكثيف الدلالي، حيث يتجنب الشاعر الإفصاح المباشر لصالح لغة إيحائية تفتح المجال أمام قراءات متعددة. إن البنية المجازية للنص تسهم في خلق تجربة شعرية تقوم على التلميح بدلًا من التقرير، وعلى الإدهاش بدلًا من الوضوح الخطابي. يستعمل الشاعر صورًا مفاجئة وغير تقليدية، مثل تشبيه الهدير بالحقائب الموصدة، وهو ما يعكس نزعة تجديدية في استخدام اللغة، تجعل من النص فضاء ديناميكيًا يعيد خلق الواقع بدلًا من نقله بشكل تقريري.
أما البعد العاطفي، فينبثق من الإحساس العميق بالغربة والقلق الوجودي، حيث تبدو الذات في حالة مواجهة مستمرة مع قوى تتجاوزها. غير أن هذا القلق لا يُعبَّر عنه بشكل مباشر، بل يتسلل عبر الصور والاستعارات التي تشي بحالة من التوتر الداخلي والتردد بين القبول والرفض، بين الإدراك والشك. هذا التردد يعكس روح العصر الذي تنتمي إليه القصيدة، حيث أصبحت الأسئلة الكبرى حول الهوية، والزمن، والوجود أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
بهذا، تنتمي القصيدة إلى الحداثة الشعرية، حيث يتم تفكيك العالم وإعادة تركيبه عبر صور غير متوقعة، وحيث اللغة تصبح وسيلة لإعادة خلق الواقع بدلًا من نسخه. إنها قصيدة تتحدى الفهم المباشر، وتدعونا إلى الغوص في طبقاتها المختلفة، بحثًا عن المعنى المتغير والمتجدد، في تجربة قرائية لا تستقر عند تفسير واحد، بل تتجدد كلما أعدنا قراءتها.
– فاس في فاتح أبريل ٢٠٢٥.





