مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

شعر الشهادة وبلاغة الذاكرة الجريحة: قراءة تفكيكية في قصيدة محمد بنطلحة من ديوان الشهادة المُهداة إلى عمر بنجلون -القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب

A middle-aged man with glasses sitting in a room with musical instruments and artwork in the background.

.               الشاعر: محمد بنطلحة

            ديوان الشهادة

            إلى عمر بنجلون

      شققت غبارهم .

      وأشرت بالسبابة اليسرى : يعيش الشعب .

      ها إن الصدى – شيئا فشيئا – يثقب الآجر ، 

     والورق المقوى .

     آه ! وجدة دمعة في الخد تحرق .

     والدم المطلول 

    – فوارا –

     يلعلع قاب قوس أو أقل

     من الشهادة :

                    يسقط العملاء .

              يسقط من يرش السم

               فوق موائد الفقراء .

                       يسقط .

                        يسقط .

     كيف حال مدينة البيضاء ؟

     عاشقة تشق إزارها في موكب المحبوب .

     تتبع منه صوتا واضحا جدا :

                 معي أنتم ،

          وأنتم راية في الأوج .

            هم تيجانهم حمى .

    وأنت مررت بين الشوك والنيران .

    هل حدجوا جميعا وجهك الباقي ؟ 

    وهل لمحوك – هذا العام – تخرج من مقر الحزب 

    صوب البيت أو صوب الجريدة ؟

    جرحك الموتور جزء من جبال الريف 

    يعلن في مهب الريح ،

   والبلد الجريح :

                عمر والمهدي 

             في القرب والبعد

             خبز الذي يجوع 

       ماء من يسير في الصهد

            وجهان في وجه 

          وشعب رافع الأيدي 

                              يناير 1976

تنتظم قصيدة محمد بنطلحة ضمن أفق شعري وسياسي بالغ الكثافة، غير أن هذا الانتظام الظاهري يخفي في عمقه توترا بنيويا بين الاستقرار الدلالي والانفلات الرمزي، حيث تتشابك الكتابة الشعرية مع فعل الشهادة لا بوصفه حدثا تاريخيا مكتملًا، بل باعتباره أثرا لغويا معلقا بين الحضور والغياب، بين الامتلاء والفراغ. فالشهادة هنا ليست قيمة أخلاقية عليا فحسب، بل جرحا مفتوحا في بنية الوعي الجمعي، لا يندمل لأنه يعاد إنتاجه داخل اللغة نفسها، ورمزا يتغذى من مفارقة الخلود والفناء في آن.

والديوان الذي تندرج ضمنه القصيدة، ويحمل عنوان الشهادة، لا ينهض كإطار تسميـوي محايد، بل كعلامة مركزية قابلة للتشظي، تهيمن على البنية العميقة للنص، وتنتج طاقة رمزية لا تستقر، بل تتنقل بين الفردي والجماعي، وبين اللحظي والتاريخي، بحيث تغدو الشهادة مفهوما إشكاليا لا ينفصل عن أسئلة الذاكرة والعدالة والالتزام، دون أن يقدم أجوبة نهائية عنها.

ومن ثم فإن إهداء القصيدة إلى عمر بنجلون، الشهيد الاتحادي الذي اغتيل سنة 1975، لا يجعل منها كتابة في صلب الذاكرة فحسب، بل كتابة في هشاشة الذاكرة نفسها، صرخة ضد النسيان، وفعل مقاومة شعري، ولكن أيضا كشفا عن عجز اللغة عن احتواء الفقد، في مواجهة القتل المادي والاغتيال الرمزي معا.

منذ السطر الافتتاحي «شَقَقْتُ غُبَارَهُمْ»، يضعنا النص أمام فعل اختراق، غير أن هذا الاختراق لا يحيل إلى حسم، بل إلى انفتاح جرح الدلالة، إذ لا يتعلق الأمر بوصف ساكن، بل بحركة لغوية تهدم ما تبنيه في اللحظة نفسها. فالغبار، بوصفه استعارة، لا يحجب الرؤية فقط، بل يكشف عن استحالة الرؤية الكاملة، ويغدو علامة على تراكم الخطابات السلطوية، وعلى هشاشتها في آن.

ويتعزز هذا التوتر عبر الإشارة الجسدية الواضحة «وَأَشَرْتُ بِالسَّبَّابَةِ الْيُسْرَى: يَعِيشُ الشَّعْبُ»، حيث تتحول السبابة اليسرى من علامة يقين إلى إشارة ملتبسة، لأن الجسد هنا لا يقول فقط ما يريد قوله، بل يكشف عن انقسامه بين الإشارة والمعنى. فاليسار، بوصفه اختيارا فكريا، لا يحضر كهوية مغلقة، بل كأثر سياسي داخل الجسد، يجعل الجسد نفسه نصا مفتوحا للصراع.

وهكذا يتحول الصوت في قوله «هَا إِنَّ الصَّدَى شَيْئًا فَشَيْئًا يَثْقُبُ الْأَجُرَّ وَالْوَرَقَ الْمُقَوَّى» إلى قوة رمزية، غير أن التفكيك يكشف أن هذا الثقب لا يعني الانتصار النهائي، بل إزاحة مؤقتة للسطح، لأن الأجر والورق المقوى لا يسقطان، بل يتشققان فقط، في دلالة على هشاشة كل شرعية، بما فيها شرعية الخطاب المقاوم نفسه.

تقوم القصيدة على توتر دائم بين الهتاف والتأمل، لكن هذا التوتر ليس تناغما، بل تناقضا بنيويا بين لغة جماعية تدعي الامتلاء، وجرح فردي يعيد المعنى إلى نقصه الأصلي. فالهتاف «يَسْقُطُ الْعُمَلَاءُ، يَسْقُطُ مَنْ يَرُشُّ السُّمَّ فَوْقَ مَوَائِدِ الْفُقَرَاءِ» يبدو في ظاهره مباشرا وحاسما، لكنه في العمق يكشف عن قلق الخطاب حين يضطر إلى التسمية.

ثم يعود النص إلى النبرة الحميمية في «آهْ، وَجْدَةُ دَمْعَةٌ فِي الْخَدِّ تَحْتَرِقُ»، حيث لا تحضر وجدة كمكان ثابت، بل كأثر شعوري، مدينة-جرح، تفكك العلاقة بين الجغرافيا والهوية، فتغدو المدينة ذاتا تتألم، والذات مكانا يستعاد داخل الألم.

ويبلغ هذا التفكك ذروته في استحضار الشهادة صراحة «وَالدَّمُ الْمَطْلُولُ فَوَّارًا يُلَعْلِعُ، قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنَ الشَّهَادَةِ»، حيث تتداخل الإحالة القرآنية مع الدم والصوت، غير أن هذا التداخل لا ينتج قداسة مغلقة، بل يعيد طرح سؤال المعنى: هل الشهادة اكتمال، أم اقتراب لا نهائي من المعنى؟

الشهادة هنا ليست نهاية، بل تعليقا أبديا للحقيقة.

وفي سؤال «كَيْفَ حَالُ مَدِينَةِ الْبَيْضَاءِ؟» تنتقل القصيدة من الرثاء إلى مساءلة الفضاء، لكن التفكيك يكشف أن المدينة المؤنثة، التي «تَشُقُّ إِزَارَهَا فِي مَوْكِبِ الْمَحْبُوبِ»، ليست فقط عاشقة، بل بنية رمزية مزدوجة، تجمع بين الإيروس والسياسة، بين الجسد والاحتجاج، دون أن تحسم العلاقة بينهما.

ويبرز الصوت القائل «مَعِي أَنْتُمْ، وَأَنْتُمْ رَايَةٌ فِي الْأَوْجِ» كصوت فكرة لا تموت، لكنه أيضا صوت يتكرر لأنه مهدد بالاختفاء.

وحين يخاطب الشاعر الشهيد مباشرة «وَأَنْتَ مَرَرْتَ بَيْنَ الشَّوْكِ وَالنِّيرَانِ»، فإن العبور لا يعني الوصول، بل استمرار التيه داخل الخطر. وتتوالى الأسئلة «هَلْ حَدَجُوا جَمِيعًا وَجْهَكَ الْبَاقِي؟ وَهَلْ لَمَحُوكَ هَذَا الْعَامَ تَخْرُجُ مِنْ مَقَرِّ الْحِزْبِ؟» لتكشف أن القمع لا ينتهي بالموت، بل يلاحق الأثر، لأن السلطة تخشى الذاكرة أكثر مما تخشى الجسد.

غير أن الجرح الفردي يتسع في «جُرْحُكَ الْمَوْتُورُ جُزْءٌ مِنْ جِبَالِ الرِّيفِ يُعْلِنُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ وَالْبَلَدُ الْجَرِيحُ»، حيث تتحول الجغرافيا إلى نص، والنص إلى جغرافيا، في تفكيك للعلاقة بين المكان والتاريخ، بحيث لا يعود الريف فضاء، بل علامة على تكرار الألم والمقاومة.

ويأتي الختام «عُمَرُ وَالْمَهْدِي فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، خُبْزُ مَنْ يَجُوعُ، مَاءُ مَنْ يَسِيرُ فِي الصَّهْدِ» ليؤسس علاقة مزدوجة بين الحضور والغياب، حيث لا يتحول الشهيدان إلى رمزين مغلقين، بل إلى حاجات يومية، ما يعني أن الشهادة لا تقدس، بل تستعمل لتعرية واقع الجوع والعطش.

فهما «وَجْهَانِ فِي وَجْهٍ، وَشَعْبٌ رَافِعُ الْأَيْدِي»، صورة لا تحسم إن كانت يدا تطلب أو تحتج، لأن التفكيك يكشف أن الرفع ذاته فعل ملتبس بين الدعاء والتمرد.

وعليه، فإن قصيدة محمد بنطلحة لا تقرأ كمرثية، ولا كنشيد، بل كنص مفتوح على التناقض، يزاوج بين الجمالية والالتزام دون أن يوفق بينهما نهائيا، ويجعل من الشعر ممارسة مقاومة، ولكن أيضا مساءلة دائمة لفكرة المقاومة نفسها.

ففي ديوان الشهادة لا تستعاد الشهادة بوصفها حدثا، بل بوصفها أثرا لغويا يقاوم النسيان لأنه عاجز عن الاكتمال، حيث يغدو الشعر وفاء، ومقاومة، وإيمانا بأن الصوت، حتى وهو مثقوب، يظل قادرا على «ثَقْبِ الْأَجُرِّ وَالْوَرَقِ الْمُقَوَّى»، وأن الذاكرة، حين تكتب شعرا، لا تتحول إلى يقين، بل إلى قوة تاريخية قلقة، لا تقهر لأنها لا تستقر.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading