عويزز: عبد العزيز الخبشي- المغرب

في المدينة القديمة، حيث تتداخل الأزقة كما تتداخل الذكريات في عقلٍ متعب، كانت هناك خمارة صغيرة لا تحمل من الفخامة إلا اسمًا مكتوبًا بخطّ باهت على واجهة خشبية أكلها الزمن. داخلها، تتكاثف الأصوات كدخانٍ كثيف: ضحكاتٌ عالية، كؤوس تتصادم، وموسيقى قديمة تنبعث من جهازٍ متهالك كأنه يرفض أن يموت.
في قلب هذا المشهد، كان عويزز.
لم يكن نادلاً عاديًا، ولم يكن مجرد رجل يوزّع الكؤوس على الطاولات. كان شيئًا أقرب إلى “إيقاع” حيّ، إلى حضورٍ يضبط فوضى المكان كما كان يفعل سابقًا مع الطبول حين كان شابًا في فرقة موسيقية شعبية. يقول عنه الزبناء إنه لا يمشي بل ينساب، لا يضع الكؤوس بل يقدّمها كما لو كانت جزءًا من طقسٍ احتفالي قديم.
عويزز، بملابسه المرتبة دائمًا رغم رائحة الخمرة التي تلتصق بالمكان، كان يملك قدرة غريبة: يشرب مع الزبائن، يرفع الكأس معهم، يضحك، لكنه لا يفقد توازنه أبدًا. كأن جسده يعرف حدوده جيدًا، أو كأن في داخله ميزانًا خفيًا يمنعه من السقوط. كانوا يقولون: “عويزز يشرب الخمر كما يشرب الماء… لكنه لا ينسى نفسه.”
في الخمارة، كان محبوبًا بطريقة تكاد تكون إجماعًا غير معلن. الزبائن لا ينادونه بصوتٍ عالٍ، بل يلوّحون له كما لو كانوا يحيّون صديقًا قديمًا. بعضهم يجلب له هدية: زجاجة جعة، أو كأس نبيذ فاخر، أو حتى سيجارة ملفوفة بعناية. كان يقبل ذلك بابتسامة خفيفة، لا امتنان فيها مبالغ فيه ولا رفض.
لكن خلف هذا القبول الهادئ، كان هناك شيء آخر لا يراه الجميع: تعبٌ قديم في عينيه، كأن الحياة نفسها عزفت عليه نغمة لم ينسَها بعد.
في زاوية الحانة، كان يجلس طارق، زميله في العمل، رجل ساخر بطبيعته، لا يعرف معنى الصمت إلا حين يقرر أن يجرح أحدًا بكلماته. كان طارق يراقب عويزز دائمًا بابتسامة نصفها إعجاب ونصفها سخرية.
“بدأت مبكرًا يا عويزز… بدأت الحياة من آخرها!” كان يقولها ضاحكًا وهو يشير إلى كأسه.
فيرد عويزز بهدوء: “وأنت ما زلت في المقدمة وتظن أنك متأخر؟”
تضحك الطاولات القريبة، لكن طارق لا يطيل الصمت، فسرعان ما يعود إلى تعليقاته التي لا تنتهي. ومع ذلك، كان بينهما نوع غريب من التوازن، كأن كل واحد منهما يعرف أن الآخر جزء من هذا المكان، مهما اختلفا.
وعندما تتصاعد التوترات بين الزبائن، أو حين يتحول الضجيج إلى نزاع صغير بسبب كلمة زائدة أو كأس مكسور، كان عويزز يتقدم بخطوات ثابتة. لا يرفع صوته، لا يهدد، فقط يضع يده على الطاولة أو على كتف أحدهم، ويقول جملة قصيرة تكفي لإعادة النظام:
“الليل طويل… فلا تسرقه الغضب.”
تتراجع الأصوات تدريجيًا، وكأن كلماته ليست نصيحة بل إيقاع يفرض نفسه على المكان.
لم يكن أحد يعلم كيف استطاع عويزز أن يحافظ على هذا التوازن بين عالمٍ يغرق في الفوضى ورجلٍ يبدو كأنه يعيش فوق تلك الفوضى. البعض قال إنه تدريب قديم في الموسيقى، حيث لا بد أن تسمع كل صوت وتضبطه دون أن تقتله. والبعض الآخر قال إن عويزز ببساطة فقد الكثير في حياته، ولم يعد يخشى شيئًا.
لكن الحقيقة، إن وُجدت، كانت أكثر تعقيدًا من ذلك.
عويزز لم يكن فقط نادلاً. كان ذاكرة حية لشبابٍ ضاع بين الإيقاع والشارع. في زمنٍ ما، كان ضابط إيقاع في فرقة موسيقية شعبية، يقف خلف الطبول كما يقف الآن خلف الطاولات: مركزًا، دقيقًا، وكأنه يضبط نبض الجماعة كلها. لكنه انسحب فجأة، دون تفسير واضح. فقط اختفى من خشبة الموسيقى إلى خشبة الخمرة.
لم يسأله أحد كثيرًا. في مثل هذه الأماكن، الأسئلة تُعتبر رفاهية غير ضرورية. الزبائن يريدون الحضور، لا الماضي.
ومع ذلك، كان الماضي يظهر أحيانًا.
حين تنبعث أغنية قديمة من الراديو، يتوقف عويزز لحظة. لا يلتفت كثيرًا، لكن يده تتباطأ، وكأنه يضبط إيقاعًا لا يسمعه غيره. في تلك اللحظات، كان طارق يلاحظ ذلك، لكنه لا يقول شيئًا. السخرية، رغم حدتها، كانت تعرف متى تصمت.
في ليالٍ مزدحمة، حيث تتداخل الضحكات مع الصراخ الخفيف، كان عويزز يتحول إلى ما يشبه القائد غير المعلن للمكان. ليس لأنه صاحب السلطة، بل لأن الجميع يثقون في حضوره. حتى أولئك الذين يأتون غاضبين، يهدأون عندما يمر بجانبهم.
كانوا يرونه كنوع من الترف الإنساني داخل فضاءٍ متعب: رجل أنيق في سلوكه، نظيف في حضوره، يحمل الكؤوس وكأنه يحمل شيئًا مقدسًا لا يجب كسره. حتى في طريقة وقوفه، كان هناك احترام خفي للآخرين، كأنه يرفض أن يكون العالم أقل تهذيبًا مما ينبغي.
لكن المفارقة التي كانت تثير دهشة الجميع: كيف لرجل يشرب بهذا القدر، ويشارك الزبناء لحظاتهم حتى آخرها، أن يبقى متماسكًا دائمًا؟
لم يكن أحد يجد جوابًا. بعضهم قال إن لديه “سرًّا”. وبعضهم قال إن جسده تعوّد. أما طارق، فكان يقول ساخرًا: “عويزز لا يشرب الخمر… عويزز يديرها.”
ومع ذلك، لم يكن الأمر بهذه البساطة. كان عويزز يحمل نوعًا من الانفصال الداخلي، كأنه موجود داخل المكان وخارجه في الوقت نفسه. يضحك مع الناس، لكنه يراقبهم أيضًا من مسافة خفية. يشاركهم النشوة، لكنه لا يغرق فيها.
في إحدى الليالي، حدث ما لم يكن متوقعًا.
تشاجر زبونان بسبب أغنية، وارتفعت الأصوات بسرعة غير معتادة. كؤوس سقطت، وطاولة انقلبت جزئيًا. طارق حاول التدخل بطريقة ساخرة، فزاد التوتر. حينها، تقدم عويزز بهدوء غير طبيعي، وكأن الزمن نفسه تباطأ حوله.
وقف بين الرجلين، ونظر إليهما طويلًا، ثم قال:
“الأغنية لا تخص أحدًا… لكنها تكسر من يسيء سماعها.”
ساد الصمت. لم يفهم أحد الجملة بالكامل، لكن الجميع شعروا أنها كافية لإغلاق الجرح قبل أن يتوسع. انسحب الرجلان، وأُعيد ترتيب المكان، وعادت الموسيقى.
بعدها، جلس طارق بجانب عويزز وقال بصوت خافت: “أنت لست نادلاً فقط… أنت شيء آخر.”
ابتسم عويزز دون أن يلتفت: “كلنا شيء آخر… لكننا نختار ما يراه الناس فينا.”
في تلك اللحظة، بدا المكان كله وكأنه ليس خمارة، بل مسرح صغير تتكرر فيه حياة رجل واحد بأشكال مختلفة: مرة كخادم، مرة كصديق، مرة كحكمٍ صامت بين الفوضى.
ومع مرور الليالي، ظل عويزز كما هو. لا يتغير كثيرًا، لا يسقط، لا يعلو فوق نفسه. فقط يواصل ضبط الإيقاع، بين الكؤوس والأصوات والوجوه العابرة.
كان الزبائن يحبونه لأنهم يرون فيه ما فقدوه: التوازن وسط الإفراط، والهدوء وسط الضجيج، والإنسان الذي لم يسمح للعالم أن يفسده تمامًا.
أما هو، فكان يعرف شيئًا لا يعرفونه: أن كل هذا التوازن ليس قوة، بل طريقة مؤقتة لعدم السقوط. وأن الليل، مهما بدا مرحًا، لا ينسى أحدًا بسهولة.
وهكذا، ظل عويزز واقفًا بين الطاولات، كإيقاعٍ لا يُسمع، لكنه يُشعر الجميع بأن شيئًا ما ما زال منتظمًا في هذا العالم الذي يميل باستمرار نحو الفوضى.





