القهوة كاستعارة للغياب: قراءة نقدية في شعرية التيه عند محمد بنطلحة – عبد العزيز الخبشي- المغرب

قهوة سريعة ،
في سرير بلقيس
فقط ،
من نكهتها
تتدفق جميع بحار الأرض في ما بينها .
سرعان ما تتدفق .
ثم تتبخر
في
كوب .
يا لي !
ويا لها !
في ما مضى ، كنت بحارا .
ثم صرت ، حين عميت و سقطت أسناني ،
صانع شباك .
ثم بائع أسماك .
وفي الأخير ، فقدت كل شيء ،
ما عدا حاسة الشم :
صارت أقوى .
كل هذا من الماضي .
وأما الآن ، فما عدت أتردد على قرية الصيادين .
صرت أنسى كثيرا .
و صرت
– كلما تذكرت البحر –
أفتش:
في ملابسي ،
وفي عيون الناس ،
وفي ما أكتب ،
عن أثر القهوة التي شربت ذات مرة
في سرير بلقيس .
كم سهوت !
و كم تذكرت !
ولكن ، في كل مرة :
رياح هائجة،
و أمواج لعوب .
هل أنا بعقلي ؟
أم أنا قارب أعمى ، ذهب إلى ما وراء البحار،
بشحنة ثقيلة من القهوة ؟
ذهب . ولن يؤوب !
الشاعر : محمد بنطلحة – المغرب.
القراءة النقدية
يقدم نص الشاعر محمد بنطلحة تجربة شعرية مكثفة تستند إلى اقتصاد لغوي شديد، لكنها في الآن ذاته تفتح فضاء تأويليا واسعا، يجعل القصيدة أقرب إلى بنية رمزية تتجاوز المعنى المباشر نحو شبكة من العلامات والإيحاءات. منذ العنوان المركب «قهوة سريعة، في سرير بلقيس» يضع الشاعر المتلقي أمام مفارقة دلالية تجمع بين اليومي والعاطفي، بين الاستهلاك العابر والحمولة الأسطورية المرتبطة باسم «بلقيس» الذي يستدعي الذاكرة العربية، سواء في بعدها التاريخي أو في بعدها الشعري المرتبط بالحنين والخسارة. إن هذا التوتر بين السريع والزمني، وبين السرير كفضاء حميمي والقهوة كطقس اجتماعي، يؤسس لما يمكن تسميته «شعرية الانزياح الهادئ»، حيث تتحول المفردات البسيطة إلى مفاتيح لتفكيك الذاكرة والذات. ومن منظور النقد الحديث، يمكن قراءة القصيدة باعتبارها نصا مفتوحا يشتغل على تفكيك المركز، فلا يوجد حدث واضح أو سرد خطي، بل شذرات تتجاور لتشكل وعيا متكسرا، ما ينسجم مع أطروحات ما بعد البنيوية حول تعدد المعنى وانفلات الدلالة من سلطة المؤلف.
تتجلى في المقطع الأول هيمنة الصورة الحسية المرتبطة بالذوق والشم، حيث تتحول «نكهة القهوة» إلى قوة كونية تتدفق منها «جميع بحار الأرض»، وهو انتقال مفاجئ من الجزئي إلى الكلي، يعكس آلية التضخيم الرمزي التي يعتمدها محمد بنطلحة. هذه الاستعارة لا تكتفي بتجميل اللغة، بل تؤسس لبنية دلالية تجعل القهوة بديلا عن البحر، أو ربما بوابة لاستعادته. في ضوء النقد الأسلوبي، يمكن ملاحظة اعتماد الشاعر على الجملة القصيرة المتقطعة التي توحي بسرعة التدفق ثم التبخر، وهو إيقاع بصري قبل أن يكون صوتيا، يعكس هشاشة التجربة الإنسانية. كما أن البياضات بين الكلمات، والتوزيع الطباعي للأسطر، يساهمان في خلق زمن شعري متقطع، حيث يصبح الصمت جزءا من النص، وهو ما يتوافق مع نظرية «النص المرئي» التي ترى أن الفراغات ليست مجرد عناصر شكلية بل مكونات دلالية. بذلك، تتحول القصيدة إلى تجربة حسية تتجاوز القراءة الخطية، وتفرض على المتلقي إعادة ترتيب العلاقات بين الصور.
يحضر الزمن في النص بوصفه بنية سردية غير مستقرة، إذ ينتقل الشاعر من الماضي البحري إلى حاضر النسيان دون فواصل تفسيرية واضحة، ما يمنح القصيدة طابعا شبه اعترافي. «كنت بحارا» ليست مجرد جملة إخبارية، بل إعلان عن هوية ضائعة، تتدرج نحو التلاشي عبر تحولات مهنية متتالية: صانع شباك، بائع أسماك، ثم ذات فاقدة لكل شيء. من منظور النقد النفسي، يمكن قراءة هذه التحولات بوصفها تمثيلا لانهيار الذات أمام الزمن، حيث يتحول البحر من فضاء الحرية إلى ذكرى مؤلمة. كما أن فقدان البصر والأسنان يحمل دلالات جسدية مرتبطة بالشيخوخة والانكسار، ما يجعل النص أقرب إلى مرثية ذاتية. غير أن الشاعر لا يغرق في البكائيات، بل يعيد بناء ذاته عبر حاسة الشم التي تصبح أقوى، وكأن الذاكرة الحسية هي الملاذ الأخير للإنسان حين تتلاشى بقية الحواس. هذا التحول يعكس رؤية وجودية ترى أن المعنى لا يكمن في القوة بل في القدرة على استعادة الأثر.
في هذا السياق، تبرز القهوة كعنصر مركزي في تشكيل الهوية الشعرية، فهي ليست مجرد مشروب بل أثر زمني يلاحق الذات في الكتابة والذاكرة. البحث عن «أثر القهوة» في الملابس وعيون الناس والنصوص المكتوبة يكشف عن علاقة معقدة بين الحضور والغياب، حيث تتحول التجربة العابرة إلى مركز للوجود. يمكن هنا استحضار مقاربات النقد السيميائي التي ترى أن العلامة الشعرية تتجاوز مرجعها الواقعي لتصبح شبكة من العلاقات المفتوحة. القهوة ليست شيئا ماديا فقط، بل علامة على لحظة عاطفية مكثفة، ربما حبا أو خسارة أو وهما، وهو ما يفسر ارتباطها بسرير بلقيس كفضاء رمزي للحميمية والذاكرة. بهذا المعنى، تتحول القصيدة إلى محاولة لالتقاط لحظة متلاشية، حيث يتقاطع الخاص بالجمعي، ويصبح الفردي مرآة لتجربة إنسانية أوسع.
من الناحية البنيوية، تعتمد القصيدة على التكرار كآلية لبناء الإيقاع الداخلي، خاصة في العبارات القصيرة التي تتوالى كنبضات متقطعة. هذا التكرار لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يعكس حالة التردد الذهني التي يعيشها المتكلم، حيث تتداخل الذاكرة بالنسيان. وفق مقاربات النقد التداولي، يمكن قراءة هذه البنية بوصفها خطابا موجها إلى الذات أكثر مما هو موجه إلى الآخر، إذ تتكرر الأسئلة والاستفهامات دون انتظار إجابة. كما أن استعمال الضمير المتكلم يمنح النص طابعا اعترافيا، لكنه في الوقت ذاته يفتح المجال لتعدد الأصوات، لأن «الأنا» هنا ليست مستقرة، بل تتغير بتغير الزمن والذاكرة. هكذا يتحول النص إلى حوار داخلي يعكس أزمة الهوية في عالم متسارع، وهو ما ينسجم مع الحساسية الشعرية المعاصرة التي ترفض اليقينيات الكبرى.
تتجلى في القصيدة أيضا علاقة خاصة بين اللغة والجسد، حيث تتحول الحواس إلى أدوات للمعرفة. فقدان البصر يقابله تضخم حاسة الشم، وكأن الشاعر يعيد ترتيب هرم الإدراك الحسي وفق منطق شعري خاص. هذا التحول ينسجم مع مقاربات النقد الجسدي التي ترى أن النص الأدبي يعكس علاقة الإنسان بجسده في مواجهة الزمن. فالشاعر لا يصف الألم مباشرة، بل يلمح إليه عبر صور حسية، ما يمنح النص بعدا تأويليا عميقا. كما أن حضور البحر بوصفه ذاكرة حسية يعزز فكرة أن الجسد يحتفظ بأثر التجارب حتى بعد فقدانها. إن هذه العلاقة بين الجسد واللغة تجعل القصيدة تجربة وجودية، حيث يتحول الكلام إلى محاولة لإعادة بناء ما فقدته الحواس الأخرى.
من زاوية النقد الثقافي، يمكن قراءة النص باعتباره مساءلة لفكرة العمل والهوية الاجتماعية، إذ ينتقل المتكلم بين مهن مرتبطة بالبحر قبل أن يفقدها جميعا. هذا التحول يعكس هشاشة موقع الإنسان في عالم اقتصادي متغير، حيث يصبح الماضي البحري رمزا لزمن أكثر بساطة، بينما الحاضر مشبع بالنسيان والتيه. غير أن الشاعر لا يقدم خطابا اجتماعيا مباشرا، بل يوظف التفاصيل اليومية كإشارات رمزية، ما يمنح النص بعدا إنسانيا يتجاوز السياق المحلي. كما أن اختيار القهوة، بما تحمله من دلالات ثقافية في العالم العربي، يربط التجربة الفردية بذاكرة جماعية مشتركة، ما يجعل القصيدة قابلة لقراءات متعددة في سياقات مختلفة.
على مستوى الصورة الشعرية، يعتمد محمد بنطلحة على مفارقات تجمع بين الحركة والسكون، مثل تدفق البحار ثم تبخرها في كوب صغير. هذه المفارقة تعكس رؤية فلسفية ترى أن العالم الواسع يمكن أن ينضغط في لحظة عابرة، وأن التجربة الإنسانية قد تختزل في تفاصيل بسيطة. من منظور النقد الجمالي، يمكن اعتبار هذه الصور مثالا على «الاقتصاد البلاغي» الذي يميز الشعر الحديث، حيث يتم استبدال الوصف المطول بإشارات مكثفة تفتح المجال للتأويل. كما أن استعمال الأسئلة الوجودية في نهاية النص يمنح القصيدة بعداً تأمليا، يجعلها أقرب إلى مونولوغ داخلي يبحث عن معنى الذات في مواجهة الزمن.
يبرز البعد الميتاشعري في النص من خلال الإشارة إلى الكتابة ذاتها، حيث يبحث المتكلم عن أثر القهوة «في ما أكتب»، وكأن القصيدة تعلن عن وعيها بذاتها كنص. هذا الوعي الذاتي يتوافق مع مقاربات النقد ما بعد الحداثي التي ترى أن الأدب المعاصر لا يكتفي بسرد التجربة بل يتأمل شروط إنتاجها. فالكتابة هنا ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل فضاء لإعادة بناء الذاكرة، حيث تتداخل الحقيقة بالخيال. إن حضور القهوة كأثر لغوي يعكس أيضا فكرة أن اللغة نفسها تحمل بقايا التجربة، وأن النص يصبح بديلا عن الواقع المفقود. بذلك، تتحول القصيدة إلى تأمل في فعل الكتابة بوصفه محاولة لإنقاذ ما يتبخر.
في المقطع الختامي، يصل النص إلى ذروة التساؤل الوجودي عبر صورة «القارب الأعمى» المحمل بالقهوة، وهي صورة تجمع بين العجز والحركة في آن واحد. القارب رمز تقليدي للرحلة، لكنه هنا فاقد للبوصلة، ما يعكس حالة الضياع التي يعيشها المتكلم. من منظور النقد الرمزي، يمكن قراءة هذه الصورة بوصفها استعارة للذات الشاعرة التي تواصل الرحلة رغم فقدان الرؤية. كما أن عبارة «ذهب ولن يؤوب» تضفي على النص طابعا مأساويا، حيث يصبح الغياب نهائيا. غير أن هذا اليأس لا يخلو من جمال شعري، إذ تتحول اللغة إلى فضاء للتأمل في المصير الإنساني، ما يمنح القصيدة قوة تأثير تتجاوز حدود التجربة الفردية.
تكشف قصيدة محمد بنطلحة في مجملها عن تجربة شعرية تعتمد على التكثيف والاقتصاد اللغوي، لكنها في الوقت ذاته تفتح آفاقا تأويلية متعددة تجمع بين النقد النفسي والسيميائي والثقافي والجمالي. إن حضور القهوة كعلامة مركزية، والبحر كذاكرة ضائعة، والكتابة كفعل إنقاذ، يجعل النص مثالا على حساسية شعرية معاصرة تتجاوز الحدود بين السرد والشعر، وبين الاعتراف والتأمل الفلسفي. بهذا المعنى، يمكن اعتبار القصيدة نصا مفتوحا يرفض الانغلاق في معنى واحد، ويستدعي قارئا فاعلا يعيد تشكيل دلالاته مع كل قراءة جديدة، وهو ما ينسجم مع روح النقد الأدبي الحديث الذي يرى في النص فضاء للحوار المستمر بين اللغة والذاكرة والوجود.





