غُصَّةُ اَلْغِيَّابِ – عبد العزيز الخبشي- المغرب
لم يكن أيوب يتخيّل أن علاقة تنشأ من مجرد محادثات افتراضية يمكن أن تُربك داخله بتلك السرعة، ولا أن اسماً لم يسبق له أن سمعه قط—صفاء—سيصبح فجأة جزءاً من يومه، من قهوته الصباحية، ومن المساحات التي كان يظنها قد ماتت في قلبه منذ أن خرج مثقلاً من زواجٍ فاشل امتدّ سنوات، وكاد أن يقنع نفسه بأن العطب الذي تركه ذلك الزواج غير قابل للإصلاح. كان يعيش هادئاً، أو يوهم نفسه بذلك، قبل أن تظهر صفاء في شاشة هاتفه ذات مساء.
كانت محادثاتهما تبدأ خفيفة، عابرة، لكنها كانت تمتلك قدرة غريبة على الاستمرار، كأنها خيط غير مرئي يشدّه كلما حاول الانسحاب، أو كأنها ظلال شيء لم يكن يعرفه لكنه كان يشعر أنه ينقصه. كانت صفاء تكتب باندفاع، بذكاء حادّ، وبذاك النوع من العمق العاطفي الذي لا يبوح بجرحه لكنه يدلّ عليه. شيئاً فشيئاً، تحوّلت المحادثات القصيرة إلى حوارات متواصلة، ثم إلى انتظار. انتظار له نبرة لا يعترف بها، لكنه كان يعرفها جيداً.
لم يكن يعرف وجهها، لم يجلس معها، ولم يسمع صوتها إلا مرّات قليلة متوترة، ومع ذلك كانت تحضر في أيامه أكثر من كل الوجوه التي مرّت عليه بعد طلاقه. لم تكن العلاقة علاقة حبّ واضحة، ولا صداقة ثابتة، ولا حتى انجذاباً متبادلاً مكتمل الملامح. كانت شيئاً بين ذلك كله: منطقة رمادية ينبت فيها التعلّق كما تنبت الأعشاب بين تشققات الجدران.
صفاء، من جهتها، كانت تقترب منه بقدر ما تبتعد عنه. كانت تفتح قلبها جملاً قصيرة ثم تغلقه بصرامة. كانت تتوقع منه أشياء لا تقولها، وتخاف من أن يقول لها ما قد يربكها. كانت تتحرك بين رغبتين: رغبة في البقاء ورغبة في الهرب. وربما كانت الغصّة تسكنها منذ البداية.
وذات مساء، بعد يوم طويل حمل فيه أيوب قلقه معه كعادة الأيام الأخيرة، دخل إلى المحادثة ليجد صفاء مختلفة. كانت كلماتها قصيرة، جافة، ومترددة. حاول أن يفهم، حاول أن يستنطق بين السطور ما لم يُكتب، لكنه واجه جداراً صامتاً. وبعد جدال طويل، محشوّ بالأسئلة المبتورة والردود الناقصة، كتبت له الجملة التي ظلّ صداها يلاحقه طويلاً:
“وداعاً… وفي قلبي غصّة.”
لم يتوقع الكلمة، ولا تلك النهاية السريعة. ظلّ يحدّق فيها كأنها نبوءة، أو صفعة لا يعرف ما سببها. أراد أن يسألها: أين حدث الخطأ؟ لكن الكلمات كانت متأخرة، متثاقلة، بلا فائدة. هي كتبت الوداع وانتهى الأمر.
اختفت صفاء بعدها كما لو أنها لم تكن. لا رسائل، لا تلميح، لا ردّ. تركت وراءها صمتاً كثيفاً، وصورة غير مكتملة لامرأة لم يرها يوماً. ومع ذلك، كانت تُربكه.
في الأيام التالية، اكتشف أيوب أنه يفكر فيها أكثر مما ينبغي. في البداية حاول أن يقنع نفسه بأن الأمر مجرد عادة تكوّنت من الدردشة الطويلة، لكن العمق الذي كان يشعر به لم يكن عادةً. كان شيئاً آخر. شيء لم يفهمه لكنه لم يقدر على التخلص منه.
كان يشعر، بطريقة ما، أن صفاء كانت تقرأ فيه هشاشة حاول إخفاءها منذ الطلاق، هشاشة الرجل الذي خرج من علاقة كسرت شيئاً في روحه. وربما كانت هي أيضاً مكسورة بطريقة مشابهة، لذلك كانت تتردد بين الاقتراب والانسحاب. وربما كان انسحابها محاولة لحماية نفسها من تعلقٍ أحست أنه قد يجرّان معه إلى منطقة لا تريد الدخول إليها.
كان أيوب يقلب الأمور في رأسه بلا توقف. يتساءل:
هل كانت تهرب منه؟ أم تهرب من نفسها؟
هل كان يمثل لها طوق نجاة؟ أم تهديداً لسلامها الداخلي؟
هل كانت تبحث عنه حقاً؟ أم تبحث عن ظلّ شخص يشبهه؟
ومع كل سؤال، كان يشعر بالغصّة نفسها التي تحدّثت عنها. كأنها تركت جزءاً من حزنها معلقاً في صدره.
لم يكن أيوب قد عرف سابقاً امرأة تقترب بهذا القدر دون أن تقترب، وترحل بهذا القدر دون أن ترحل. كانت صفاء لغزاً، وربما كان اللغز أهم أسباب تعلّقه بها. كانت حياة، ولو مؤقتة، دخلت نافذته حين كان يظن أن المشاعر قد نامت في داخله للأبد.
وبينما كان يمشي في أحد المساءات، شعر بشيء غريب: لم يكن يبحث عن العودة إليها، ولا كان يريد أن يستعيد ما فُقد. كان يريد فقط أن يفهم. لكنه أدرك فجأة أن بعض العلاقات لا تُفهم، وأن بعض الأشخاص يأتون ليُحدثوا فيك تغييراً صغيراً ثم يختفون.
جلس في مقهى صغير، مع قهوته السوداء التي اعتادها منذ طلاقه، وأخذ يكتب في دفتره كلمة واحدة:
“غصّة.”
ثم كررها ثلاث مرات، كأنه يحاول أن يفهم شكلها، ثقلها، سببها.
وفي تلك اللحظة، أدرك أن ما جمعه بصفاء لم يكن حباً، ولا وهماً، ولا تعلقاً عابراً. كان أشبه بلحظة إنسانية عميقة، من تلك اللحظات التي تُرى فيها الروح في مرآة أحدهم، ولو عبر شاشة. ومن تلك اللحظات التي تترك علامة صامتة في القلب، علامة لا تُشفى بسهولة، لكنها لا تؤذي. فقط تذكّرك بأن داخلك ما زال قادراً على الإحساس.
أما صفاء، فقد كانت—كما تخيّلها—تجلس في مكان آخر، ربما أمام نافذتها، وربما أمام شاشة هاتفها التي لم تعد تفتح محادثته. تحمل غصّتها الخاصة، الغصّة التي جعلتها تكتب وداعاً رغم أنها لا تريد الوداع، والتي دفعتها إلى إنهاء علاقة كانت تخاف أن تكبر، أو تخاف ألّا تكبر، أو تخاف ألا تكون قادرة على حملها.
لم يكن بينهما اتفاق، ولا موعد، ولا وعد. ومع ذلك، كانت النهاية فاجعة صغيرة، جميلة في قسوتها، تشبه نهاية قصص لا تبدأ أصلاً.
في الأيام اللاحقة، عاد أيوب إلى حياته. عاد إلى صمته وإلى شقائه القديم وإلى تلك المسافة التي اعتاد أن يحتمي بها من العالم. لكنه كان يعرف أنه تغيّر، ولو قليلاً. وأن اسم صفاء سيبقى في ذاكرته مثل شقٍّ في الجدار تركه مطر مفاجئ في ليلة لم يكن ينتظر فيها شيئاً.
وبعد أشهر، حين تلاشت التفاصيل، بقي شيء واحد فقط:
كان هناك وداع، وما زالت هناك غصّة.
وكان هناك قلبان، لم يلتقيا يوماً، ومع ذلك كادا أن يعبرا بعضهما.
وهكذا انتهت قصة لم تبدأ، وبقي أثرها يلمع في صمت، مثل شرارة صغيرة تومض في آخر الليل، تذكّر بأن الإنسان قد يلتقي أحياناً بمن يغيّره دون أن يعرفه، ويودّعه دون أن يلمسه، ويظل يتساءل:
هل كان ما حدث حقيقياً؟
أم مجرد صدى لحاجة عميقة إلى من يسمع نبضه ولو من بعيد؟






