مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

إبراهيم الذي سكن العتبة – عبد العزيز الخبشي- المغرب

صورة لرجل ذو شعر أشيب، يرتدي نظارات ومعطف رسمي، ويبتسم أمام خلفية بسيطة.

لم يكن أحد يتذكر متى جاء إبراهيم إلى العمارة. كأنه خرج من ثنايا الجدار الخلفي أو استيقظ ذات فجر في الحجرة الضيقة قرب بيت النفايات. كان أطول من أن يُرى، وأصغر من أن يُحسب. لم يتكلم كثيرًا، وكانت عيناه تفرضان الصمت على الثرثرة.

لم يكن له وجه، بل ظلّ لوجه، أو هكذا خُيّل للساكنين. معطفه الرمادي الطويل، قبعته التي لا ينزعها، ومشيته الهادئة التي لا يسمع وقعها. لا أحد عرف اسمه في البداية. أطلق عليه الأطفال “الظلّ”، ثم أطلق عليه الكبار “سي إبراهيم” دون أن يسأله أحد عن اسمه. بدا وكأنه لا يمانع، وربما لم يكن اسمه إبراهيم أصلاً.

يستيقظ قبل الجميع، يكنس الأرصفة، يسقي النباتات اليابسة قرب المصعد، يرفع الرسائل عن الأرض بيدين رقيقتين كأنهما لم تمسكا شيئًا غير الريش. لا أحد عرف له ماضٍ، ولا سمعه يشتكي أو يضحك. كأنه محكوم بالسكون الأبدي، كأن صوته إذا خرج يكسر شيئًا لا يُرمّم.

ذات صباح، وصلت نسرين.

بيد مرتعشة، فتح لها الباب، ثم وقف مشدوهًا أمام وجهها الذي يشبه النور. كانت ترتدي معطفًا أسود طويلًا، وتحمل في يدها قطة صغيرة بيضاء تلفها بوشاح. قالت له بابتسامة خاطفة:

“صباح الخير… أنا الجديدة في الطابق السادس.”

لم يجب. فقط أومأ برأسه، ومدّ يده ببطء ليحمل الحقيبة عنها، لكنها ابتسمت ورفضت.

“شكراً، سأصعد وحدي.”

منذ ذلك الصباح، تغيّر وجه إبراهيم، أو بالأحرى، بدأ يظهر له وجه. صار يتحسس لحيته وهو ينظر في المرآة الصدئة، يضع قطرة عطر خلف أذنه، يترقّب المصعد كل صباح. وصار يُنزل القمامة من الطابق السادس بنفسه، ويتفقد إضاءة الدرج مرتين في اليوم.

نسرين كانت تمرّ كل مساء، أحيانًا تلقي عليه السلام، أحيانًا لا. كانت تنظر إلى عينيه مباشرة، وتبتسم كأنها تقول شيئًا لا يُقال. وهو كان يغضّ الطرف كمن يخشى انكشاف سره.

مرت أيام، ثم شهور.

شيء في نسرين كان ينسلّ إلى قلبه مثل خيط حرير في شقوق الخشب. لم يعرف متى بدأ يحبها، لكنه كان يعرف أنه صار يعيش من أجل أن تمر أمامه كل صباح. صار الليل ثقيلاً، وأصبحت الوحدة صلبة كجدار الحجرة التي ينام فيها. ولم يكن يعرف كيف يحكي، فقد نسي اللغة.

في إحدى الليالي، رأى ضوءًا في درج العمارة. صعد بخفة ووجد باب الطابق السادس مواربًا، فسمع نحيبًا خافتًا. لم يجرؤ على الاقتراب. في اليوم التالي، سأل البواب المساعد:

“السيدة اللي فوق… بخير؟”

رد الرجل بلامبالاة:

“يقولون إنها مريضة، ما عندها أحد، عايشة بوحدها.”

لم يعرف إبراهيم ما الذي يمكن أن يفعله. اشترى زهرًا صغيرًا، ووضعه أمام بابها في الصباح. لم يترك بطاقة، فقط زهرة. في المساء، اختفت الزهرة، لكن الباب ظل مغلقًا.

في الأسبوع التالي، لم تعد نسرين تمر.

توقّف الزمن عند باب المصعد. صار إبراهيم يحدّق في الطابق السادس كمن يرقب سماء لا تنزل منها قطرة. وفي أحد الصباحات، وجد القطة البيضاء جالسة قرب بابه. لم تكن ترتجف. فقط تنظر إليه بعينيها الزرقاوين.

حين عاد في المساء، وجد زهرة جافة عند عتبة حجرته.

أخذ القطة في حضنه، وجلس صامتًا. كان يدرك أن شيئًا انكسر، لا يعود يُلحم.

في تلك الليلة، كتب رسالة قصيرة، على ورقة من دفتر قديم:

“لم أكن شيئًا… ثم صرت ظلّك. الآن، لا ظلّ لي.”

في الصباح، لم يظهر إبراهيم.

ولم تُفتح الحجرة الصغيرة.

طرقوا الباب، ولم يرد.

حين فتحوه، وجدوه جالسًا، ظهره للحائط، وجهه إلى القطة.

كان ميتًا.

بعد يومين، وجدوا في صندوق الكهرباء مغلفًا أبيض صغيرًا كتب عليه: “لمن يهتم.”

فيه ورقة واحدة، عليها كلمات:

“كنت أحرس أبواب الآخرين، ولم أجد من يطرق بابي.

دخلتُ إلى الحياة من النافذة، وخرجتُ منها بصمت.

أنا ظلّ، وكان عليّ أن أظلّ كذلك.”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading